ارشيف من : 2005-2008
أحمد محمود شهيداً برصاص ميليشيا السلطة: شهيد المعارضة الوطنية الأول على مذبح وحدة لبنان
الجمعة الأول من كانون الأول 2006 انطلق الاعتصام المفتوح للمعارضة، ما قبل هذا اليوم ظل فريق السلطة يشن حملته تحريضاً وتحذيراً من أعمال شغب وتصادم طائفي، حيث بدا وكما في المشهد الذي سبق اغتيال الوزير بيار الجميل متنبئاً بما سيحدث في اعتصام المعارضة، لكن نبوءة فريق اللون الواحد لم تصدق هذه المرة برغم محاولة بعض مرتزقة السلطة تحقيق ما يصبو اليه متنبئوها بجر أنصار المعارضة إلى الأزقة والزواريب من خلال الإشكالات التي افتعلوها، وأسفرت عن استشهاد الشاب أحمد علي محمود بالرصاص، وإصابة عشرات آخرين بجروح.
سقط أحمد محمود أول شهيد للوحدة الوطنية، وأسقط محاولات البعض لإشعال الفتنة وتحويل التحرك السلمي للمعارضة عن أهدافه، فكان أن جددت المعارضة تأكيدها أن الرصاصة لن تقابل إلا بالوردة، في لغة عكست إرادة لبناء الوطن والعيش المشترك بعكس اللغة الميليشياوية التي درج بعض من في السلطة على استخدامها في الآونة الأخيرة.
بيان المعارضة
المعارضة الوطنية اللبنانية نعت شهيدها وعاهدته كما عاهدت الشعب اللبناني على الاستمرار في موقفها الوطني وتفويت الفرصة على أي محاولة لإشعال الفتنة، وقالت في بيانها "لقد شكل هذا التعبير الحضاري المميز صفعة قوية على وجه الفريق الحاكم والقوى المتسلطة التي لا تريد مصلحة لبنان واللبنانيين، فبادرت سريعاً إلى ترجمة أحقادها السياسية وتوجهات وزرائها ونوابها الموتورين بالقيام بحملة تجييش منظمة وارتكاب أعمال شغب واعتداءات على المواطنين الآمنين في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما العاصمة بيروت، في محاولة لترهيب وتخويف الناس ومنعهم من ممارسة حقهم في المشاركة الكثيفة في الاعتصام السلمي المفتوح". واعتبرت المعارضة أن "الوفاء للدم الطاهر للشهيد المظلوم يتمثل في مواصلة التحرك والحضور الشعبي المكثف في ساحتي الشهداء ورياض الصلح"، مؤكدة على "الالتزام بالقواعد التي رفعتها لتحركها والمرتكزة على الحفاظ على السلم الأهلي والنظام العام".
الاحد..

ماذا حصل مساء الأحد الثالث من كانون الأول، أي بعد يومين على بدء الاعتصام المفتوح في ساحتي الشهداء ورياض الصلح؟
كان شهد نهار الأحد تجمعاً شعبياً وجماهيرياً حاشداً في ساحات الاعتصام في مشهد كان أصدق تعبير على إرادة التغيير لدى أنصار المعارضة، المشهد ربما لم يعجب البعض وظن أنه حانت اللحظة لتشويه هذه الصورة الديمقراطية والحضارية السلمية، فجرى افتعال الإشكالات في عدد من شوارع وأحياء بيروت، ناهيك عن استفزازات وإشكالات في مناطق أخرى منذ اليوم الأول للتحرك، منها اعتراض عدد من عناصر ميليشيا المستقبل مدججين بالعصي حافلات تقل عددا من المواطنين بينهم نساء وأطفال مساء الجمعة قرب مستشفى المقاصد.
كانت شوارع كثيرة من العاصمة مسرحاً لمواجهات وتوترات افتعلها أنصار قوى السلطة لا سيما مجموعات من تيار "المستقبل" تجمعت في اكثر من منطقة، وكان الإشكال الابرز في منطقة قصقص ـ شاتيلا عندما تعرّض موكب متظاهرين عائد من الوسط التجاري لرشق بالحجارة من قبل مجموعات ما لبثت أن اطلقت النيران ما ادى الى استشهاد الشاب محمود وإصابة آخرين بالرصاص. وفي المعلومات التي أوردتها عدد من المصادر أن الجيش أوقف عدداً من عناصر الشغب فيما لا يزال مطلق النار هارباً، ووفقاً لأهل الشهيد فإن قوى الأمن الداخلي فرع المعلومات وبدل اقتياد المجرم إلى حيث يجب أن يكون اقتادته إلى منزل احد زعماء السلطة حيث لا يزال هناك.

أين كان الشهيد أحمد محمود حين أقدمت رصاصة الغدر على اغتياله؟
يقطن الشهيد وعائلته في أرض جلول، وكان عائداً برفقة أخيه من ساحة الاعتصام الذي يشارك فيه منذ اليوم الأول، حين فوجئا بالإشكالات ورشق الحجارة قبل أن يبدأ إطلاق الرصاص، أرادا العودة وقررا عدم الدخول إلى المنزل إلا أن رصاص الغدر كان أسرع فأردى أحمد شهيداً وراء أحد مستوعبات النفايات حيث كان مختبئاً، وقد أصابته رصاصة في ظهره لتخترق جسده من الناحية الأخرى، فقد أحمد وعيه، نقل إلى مستشفى الساحل حيث أصيب بنزيف داخلي حاد فقد على إثره الحياة.
شهيداً الى ساحة الاعتصام
شهيد المعارضة الذي واظب على المشاركة في الاعتصام يومياً شارك عبر جثمانه ملفوفاً بالعلم اللبناني ومحمولاً على الأكف في ساحة الاعتصام فاستقبلته حشود المعتصمين الغفيرة بصمت ملوّحة بالأعلام عالياً ورافعة الأيدي بالسلام، صمت ما لبث أن خرقته الأصوات الغاضبة بالشعارات والهتافات التي اعتاد الشهيد تردادها مع رفاق الاعتصام فيما زينت صوره أرجاء الساحة.
وألقى عضو "كتلة التحرير والتنمية" النائب علي بزي كلمة حركة "أمل" التي كان الشهيد أحد أعضائها، حيث قال بزي "هذا الشهيد شأنه شأن كل الشهداء، هو الخبز والقمح والماء، يمسح بدمه غبار الفتنة، أستحلفكم بدماء أحبتكم أن تمسحوا بهذا الكفن والجسد كل فتنة"، مضيفاً "نريد يوم مراسم تكريم الشهيد كما دمه، في سبيل وحدة لبنان وحكومة الوحدة الوطنية، على طريقة الشراكة لا التفرّد". كما أكد بزي أن "الحرب الأهلية ولّت الى غير رجعة، وأن التصادم في الشارع هو لأولاد الشارع لا للمقاومين".
وكما في ساحة الاعتصام شهد تشييع الشهيد محمود إلى مثواه الأخير حضوراً شعبياً ورسمياً حاشداً في ظل تغطية إعلامية كبيرة لوسائل الاعلام المحلية والأجنبية. ثم ووري في ثرى روضة الشهيدين حيث جلست أمه وأخواته ينتحبن، وبكى الوالد بصمت، فيما أجهش إخوته وأصدقاؤه وأعمامه وأخواله وكل من عرفه بالبكاء، في العيون الدامعة كما على الشفاه كان المطلب واضحاً "إسقاط الحكومة ورحيل السنيورة".
وألقى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان كلمة حرّم فيها الاقتتال الاهلي وقال "نحن مستعدون نيابة عن والد الشهيد ان نقدم هذا الشهيد قرباناً فداءً لكل لبنان وفداءً لوحدة لبنان وفداءً للحكومة الوطنية الموحدة في لبنان".
وألقى كلمة حركة أمل عضو كتلة التنمية والتحرير النائب أيوب حميّد فدعا فيها إلى "كظم الغيظ والعض على الجراح وعدم الانجرار إلى فتن"، قائلاً "لن نكون أدوات في ما يريدونه وفي ما يخططون له، وهو الفوضى الخلاقة التي بشرتنا بها اميركا، وكل القيادات التي لا تريد خيراً لوطننا. نحن مطالبون بأن نبقى يداً واحدة ولا ننجر الى ما يريدوننا ان ننجر اليه، وان نبقى موحدين خلف شعاراتنا التي رفعتها قوى المعارضة".
كما كانت خلال التشييع كلمة مقتضبة لعضو تكتل التغيير والإصلاح النائب نبيل نقولا باسم التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون وعد فيها الشهيد بـ"بناء لبنان الواحد الموحد وعدم الوقوع في أحضان السفارات مثلما يريدون، لأنهم لا يريدون وطناً لكل اللبنانيين، بل لفئة واحدة من اللبنانيين"، مؤكداً أنه "لا يمكن بناء الوطن بالأحقاد".
ميساء شديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسماء الجناة لدينا والقاتل مختبئ عند زعيمه
ذوو الشهيد أحمد: وعدنا بحكومة نظيفة
غادر أحمد ابن الواحد والعشرين عاماً منزله الكائن في أرض جلول برفقة أخيه متوجهاً إلى ساحة الاعتصام الذي شارك فيه منذ لحظاته الأولى، عند الساعة الخامسة عصراً قررا العودة إلى المنزل بعد أن أديا قسطيهما للعلى، وهتفا لرحيل السنيورة ووزرائه ولتشكيل حكومة وحدة وطنية، حكومة نظيفة قادرة على بناء المستقبل لأحمد وأخيه وكل أبناء جيله.
ما إن وصلا إلى مستديرة شاتيلا حتى فوجئا برشق الحجارة ليتطور الأمر إلى إطلاق الرصاص من المباني المجاورة، قررا العودة محاولين الاختباء من الرصاص، إلا أن المجرم القاتل رصد أحمد الذي اختبأ وراء أحد مستوعبات النفايات فقتله. في هذا الوقت كانت الوالدة تتصل بشقيقها تطلب إليه أن يتصل بصهرها وابنتها ويحذرهما من المجيء إلى أرض جلول لأن هناك إطلاق رصاص، لم تعرف أن هذا الرصاص كان في تلك الأثناء يخترق جسد ولدها.
العائلة تؤكد أن أسماء الجناة موجودة لدى قوى الأمن وتحديداً فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي، والقاتل معروف وهو ينتمي إلى تيار "المستقبل"، وهو موجود عند أحد الزعماء السياسيين، ويضيف شقيق الشهيد "ان الأحداث وقعت على مرأى من قوى الأمن، وهذا ما يحزّ في نفوسنا".
وبرغم جراح العائلة ولأن احمد سقط شهيداً للوحدة الوطنية كان إجماع من قبلها على عدم الانجرار وراء الفتنة، يقول خال الشهيد "نحن أوعى مما يظنون، ومصرون أكثر من أي وقت مضى أن نكون منضبطين ومتمالكين لأعصابنا، لن نحقق لهم أمنيتهم بالنزول إلى الأزقة التي ولدوا وتربوا فيها لننتقم"، محملاً "السنيورة وكل قوى السلطة المسؤولية"، ومؤكداً أن "استشهاد أحمد زاد العائلة إصراراً وطاقة للوقوف مع المعارضة وقادتها"، داعياً إياهم إلى "عدم التراجع حتى تحقيق مطلب حكومة الوحدة الوطنية".
أحمد غادر منزله يوم الأحد في 3 كانون الاول 2006 للتظاهر أمام السراي الحكومي، ربما كان وعدَ من اختارها شريكة العمر أنه سيسقط الحكومة وستتشكل حكومة وحدة وطنية نظيفة تؤمن لأولادهما مستقبلاً شريفاً، وسيقدر حينها على طلب يدها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018