ارشيف من : 2005-2008
التطرف المشين لدول الاعتدال العربي
وقائع
دول الاعتدال العربي، تتصرف بتطرف ملحوظ، تتدخل بشكل فظ، ومن دون قفازات دبلوماسية:
ـ اعتبرت عدوان تموز رد فعل إسرائيلياً على مغامرة قام بها حزب الله.
ـ انحازت إلى جانب الأكثرية النيابية ممثلة في "الحكومة"، على حساب شريحة واسعة من اللبنانيين.
ـ اختارت رئيس السلطة الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للفلسطينيين، وارتكبت حصاراً، أشد وطأة من الحصار الإسرائيلي الوحشي. حصار على لقمة الخبز وحبة الدواء وقبضة الهواء.
ـ حذرت مراراً من هلال شيعي، من إيران إلى لبنان، ثم تراجعت من دون أن تستقر على نكران ما أعلنته وحذرت منه.
فماذا تريد دول الاعتدال العربي؟
واقع الحال
تحتاج الإدارة الأميركية، إلى تعميم الخوف والمخاوف بين شرائح المجموعات العربية، وتطمح أيضاً إلى إسقاط النموذجين اللبناني والفلسطيني، وإدخالهما إلى بيت الطاعة الأميركي، ووجدت أن دور دول الاعتدال يقوم على ترسيم جديد للجغرافيا العربية:
ـ خط سني في مواجهة هلال شيعي.
ـ خط سياسي واقعي ضد المغامرات (المقاومة) التي لا تجدي نفعاً.
ـ دعم القوى غير المعادية للولايات المتحدة الأميركية: عباس في فلسطين، السنيورة في لبنان، المالكي في العراق.
على أن الغريب في الأمر، هو أن الاعتدال العربي، حليف طبيعي، سياسياً وإقليمياً ودولياً، للتطرف الإسرائيلي، المتمثل بحكومة يمينية، حاولت اجتياح لبنان وتدميره، وتحاول كل يوم، أن تقتلع فلسطين من الفلسطينيين إلى الأبد.
الاعتدال العربي + التطرف الإسرائيلي = وكالة شرعية من الإدارة الأميركية، لتعميم الشرق الأوسط الجديد.
الفشل
تشعر دول الاعتدال العربي، أنها، برغم وزنها السياسي، وإمكانياتها الاقتصادية، ومواقعها الاستراتيجية، وطاعتها المثلى للإدارة الأميركية، أنها عاجزة عن توسيع حلقة الانتماء إليها، ليتسنى لها توسيع القفزة الأميركية في المنطقة. وتتعثر هذه الدول في كل من لبنان وفلسطين.
لبنان، لأنه الأقوى، بمقاومته، في مواجهة مشروع الهيمنة الأميركي ـ الإسرائيلي.
وفلسطين، لأنها العاصية على التطويع والقادرة باستمرار على رفع قبضاتها الدامية، قتالاً واقتراعاً، لإحباط مشروع إنهاء فلسطين والفلسطينيين.
فشلت هذه الدول في مهمتها، مرة عندما غطت العدوان الإسرائيلي في بداياته على الأقل، ومرة عندما فشلت في إسقاط حكومة حماس، وهي تستعد للعب دور جديد في لبنان، عبر ترميم حكومة السنيورة، المدعومة أميركياً حتى حتفها.
المعركة الحاسمة
تحوز حكومة الرئيس السنيورة دعماً، لم تعرفه حكومة لبنانية في تاريخ لبنان الحديث. فهي مؤيدة من المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الأمن وقراراته الحاسمة: القرار 1559، والقرار 1701، إلى جانب المحكمة الدولية. وهي مدعومة، دعماً يومياً، ممثلاً بالسفير الأميركي فيلتمان، من قبل الإدارة الأميركية، وتحوز تنويهاً وعنايةً من رأس الإدارة الأميركية، ومبعوثيه الخاصين، شبه الدائمين في المنطقة. وهي أيضاً.. حكومة السنيورة، (من دون الوزراء الذين استقالوا منها) مدعومة من فرنسا، ومعها عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دعم وتدخل دول الاعتدال العربي، ممثلة بمصر والسعودية والأردن.
لماذا هذا التأييد، الذي حلم به الرئيس الحريري مراراً، لم يحظ به برغم شبكة علاقاته الدولية، وقامته العالمية؟ لماذا هذا التأييد لحكومة متهالكة، منقسمة، لا تستطيع إنجازاً حاسماً؟
إنها المعركة الأخيرة، لآخر ما تبقى لواشنطن في مغامرتها الفاشلة منذ ما بعد 11 أيلول 2001.
فشلت في العراق. ذبحت دولة من الوريد إلى الوريد. أقامت فيه حرباً أهلية رهيبة. قسَّمت العراق قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وأعراقاً… وتحولت ديمقراطيتها الموعودة، إلى مقبرة واسعة، تستضيف كل سنة تقريباً أكثر من 100 ألف قتيل.
فشلت في شل القدرة النووية السلمية الإيرانية. ولم تعد قادرة على ممارسة سياسة القبضة الإرهابية ضدها.
وفشلت في حرب تموز على لبنان…
ولم يعد عندها إلا حكومة المالكي المتهالكة وحكومة السنيورة العرجاء.
هذه الحكومة، آخر ممثل أميركي. فهي تدعمها، من أجل واشنطن وليس من أجل السنيورة وفريق 14 آذار.
ما قبل السقوط
تحتاج منظومة الاعتدال العربي، إلى نصر اقليمي لها، دعماً لبقائها. فهي اختارت هذا الاعتدال ضعفاً وعجزاً منها، لجأت إلى المظلة الأميركية، لأنها في عراء من شعوبها وقواها.
إذا لم تنجح السياسة الأميركية في العراق، وإذا انهارت قواها في لبنان، وإذا اصطدمت بالعناد الوطني الفلسطيني، فماذا يبقى لدول الاعتدال العربي!
لا شيء.
فأميركا المهزومة على هذه الجبهة المناوئة لها، سترتد عليها، وستجد نفسها في خضم تحوُّل إقليمي ينقسم فيه العرب إلى معسكرين.
ـ دول الاعتدال العربي بقيادة أميركا المتراجعة.
ـ دول المناوأة العربية وقوى المقاومة، التي ستتسع دائرة نفوذها وسطوتها داخل شرائح المجتمع العربي.
مشكلة منظومة الاعتدال العربي، أنها اختارت بديلاً للتحول شبه الديمقراطي، لمصلحة شعوبها، المظلة الأميركية، مقابل الوفاء والولاء التامّين لواشنطن.
مشكلة هذه المنظومة، أنها تبحث عن دورها في لبنان وفلسطين، من أجلها هي ومن أجل استمرارها.
فهي والولايات المتحدة في مركب واحد. إذا خسرت الثانية، غرقت الأولى.
إذاً: العرب عربان: عرب بلا عروبة، وعرب يصنعون عروبتهم النضالية بالمقاومة. والمستقبل لن تصنعه أميركا، والشرق الأوسط، لن يكون إسرائيلياً.
لبنان وفلسطين قادران على تغيير اتجاهات الريح السياسية في المشرق العربي.
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018