ارشيف من : 2005-2008
ألوان وأطياف ومناطق مختلفة وهدف واحد:"يا سنيورة طلاع برّا.. بدنا حكومة حرّة حرّة"
المشهد في قلب العاصمة بيروت هو عبارة عن فسيفساء وطنية، مزيج من الألوان تختلط هناك لتتشكل منها مساحة وطنية على امتداد الساحتين ومتفرعاتهما، يمكن أن تكشف الألوان أحياناً عن انتماء حزبي أو سياسي، لكنها بالتأكيد لا يمكنها بلوغ مرحلة الكشف عن المنطقة التي ينتمي اليها قاصد هذه الساحة، وهو السؤال الذي يبحث عن إجابة له الكثيرون، من هنا وهناك.
ليس غريباً أن تحتضن بيروت مرّة جديدة كل لبنان، بمعنى سياسي ومناطقي وطائفي أيضاً، فتقوم على أرضها ـ وأظن أنها المرّة الاولى ـ كتلة شعبية تجمعت من النهر الكبير شمالاً الى الناقورة جنوباً حول هدف سياسي واحد.
فلا يكفي تعداد قائمة الأحزاب المشاركة في التحرك لتكتشف حجم التنوع، ولا عليك أن تنظر الى مزيج الألوان في الأعلام الحزبية ولا في هويات المشاركين، أو ان تطلب الى أحدهم شهادة تثبت انتماءه الديني كما فعل مراسل محطة التلفزيون الأكثري، بل يكفي ان تجول بين المشاركين او تلتقي المعتصمين في الخيام، او ان تصعد الى جسر فؤاد شهاب وتجول بناظريك الى الساحتين ومتفرعاتهما لتتأكد ان هذا الجمع هو أكبر من حزب وطائفة ومنطقة.. إنه كل لبنان.
ليس الموضوع استنتاجاً تذهب إليه لأنك تريد ذلك، وأيضا لو ذهبت الى الخيارات الأولى وجلت بين الحاضرين لرأيت التالي: هنا مشهد شباب يتوضأون للصلاة، وآخرون قد شرعوا في أدائها.. وفي مكان آخر مجموعة تراصت في حلقة تؤدي الدبكة على إيقاع ضربات الطبل.. وإلى الأمام تشهد تجمعاً كبيراً قد أقفل الشارع أمام كاتدرائية مار جاورجيوس في خشوع تام لأداء قداس يوم الأحد.. أما اذا ذهبت الى تنوع المناطق فالأمر سيحتاج الى دقة أكثر لتعرف القادم من عكار والمنية وطرابلس والبترون وجبيل وكسروان والمتن.. ومن ناحية أخرى من حاصبيا ومرجعيون وصيدا وبنت جبيل وصور والجبل الى البقاع الغربي وزحلة وشمسطار وبعلبك والهرمل.. تحتاج الى تعداد لائحة القرى والبلدات جميعها لتشمل الحضور.
وإلى ذلك أحالني مسؤول في اللجنة التنظيمية للتيار الوطني الحر حين أشار الى ان حضورنا في الاعتصام يتوزع بشكل يومي على كامل الأقضية، وهناك حضور يومي للأقضية، لا سيما في الفترات الليلية. وهذا هو حال تيار المردة الذي يتركز حضور مناصريه في الاعتصام او في الفعاليات المركزية او اليومية على حشد مناصريه من كل الأقاليم. وهذا ما ينسحب على حزب الله وحركة أمل والقومي وحزب التحرير العربي وحركة الشعب والمؤتمر الشعبي اللبناني.
وبرغم اختلاف المناطق والمشارب السياسية للمعتصمين، فإنهم يلتقون اليوم كفريق واحد يشكل معارضة وطنية للفريق الحاكم ومستتبعاته، أي سلطة الوصاية التي تبدأ من واشنطن وتمر عبر باريس الى عوكر. لذلك فإن الهدف المركزي للمعارضة هو التصحيح من خلال تحقيق السيادة الوطنية، وإعادة رسم خارطة الحكم من جديد بما يضمن مشاركة الجميع وعدم استبعاد أي طرف.
يبدو الهدف جلياً لكل الفرقاء المشاركين الذين لن يغادروا ساحة الاعتصام قبل ان تقوم حكومة وحدة وطنية، ستكون برأيهم قادرة على بناء لبنان الجديد الذي لا تحكمه أهواء فريق واحد، بل بالتساوي بين جميع أبنائه.
هدف المعترضين كبير جداً، لكنه سهل للغاية، اذ يكفي لتحقيقه ان يقوم من "يقبع" خلف الشريط الشائك بالتنازل عن الحكم بإعلان استقالته، والنزول عند رغبة الشعب اللبناني بأغلبيته حتى تقوم حكومة وحدة، وبذلك فإن اللبنانيين جميعاً سيلتقون في ساحة واحدة، ولن يكون خارجها غير أولئك الذين يكنون العداء لأبناء الوطن الواحد، وهؤلاء هم الأوصياء الجدد والقدامى.
هذه الرؤية التي يقدمها أحد المعتصمين الذين لا يغادرون الساحة يسأل: هل من عاقل في العالم يمكنه أن يرفض ما نطلبه؟ هل الديمقراطية تعني أن يرفض الحاكمون رأي الناس؟
الإصرار على المطلب يترجمه المعتصمون من خلال العمل المتواصل في الخيم لتأمين الاستقرار، حتى تظن أنك في مخيم دائم لا نهاية له.. فالعمل لا يتوقف في نصب خيم جديدة لاستيعاب الأشخاص الذين يبيتون في المخيم والذين يتضاعف عددهم يوماً بعد يوم، وهو ما يضع اللجنة التنظيمية أمام تحدي إيجاد الخيم الكافية لاستيعابهم، اضافة الى الجهد الذي يُبذل لتأمين الاحتياجات المختلفة.
الاعتصام مستمر الى ان يتحقق هدف اللبنانيين بحكم جدير بهم يحقق مصلحة الوطن، وليس دول الوصاية الجديدة التي تتنافس على إرسال برقيات الدعم للسنيورة وفريقه المقيم في فندق السراي الكبير.. وما يطالب به شعب المعارضة اليوم هو ما تصدح به حناجرهم طوال النهار عند الشريط الشائك على مسافة أمتار من السراي في ساحة رياض الصلح وصولاً الى ساحة الشهداء: "يا سنيورة طلاع برّا.. بدنا حكومة حرّة حرّة".. ما يعني قطعاً أن يخرج نزلاء السراي الى إقطاعيتهم وإماراتهم الخاصة ويعود الشعب إليها، أو تعود هي إليه، ليكون الحكم للشعب.. كل الشعب اللبناني.
أمير قانصوه
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018