ارشيف من : 2005-2008
حقيقة الخوف الغربي على القرار 1701 وقوات اليونيفل
الدكتور أمين محمد حطيط(*)
عندما كانت حمم النار الأميركية تنصب باليد الإسرائيلية على لبنان، تدمر حجره، وتقتل بشره، وتنشر الموت والرعب في أرجاء الوطن، برزت حكومة فؤاد السنيورة لتقول إنني بريئة من المقاومة وعملها، وأضمرت عندها شيئاً آخر عبّر عنه المراقبون بالقول: "لتفعل "إسرائيل" ما تشاء، ونتخلص من سلاحها الذي لا قدرة لنا على نزعه"، ثم ينقل رئيس "الحكومة الوطنية" مطلب أميركا و"إسرائيل" من المقاومة: "تلقون السلاح أو تدمرون ويدمر لبنان"، ولا يستجاب للترهيب فتتابع "إسرائيل" مهمتها…
ولكن "إسرائيل" خيبت أمل من تعلق بها وبجيشها فأخفقت في نزع سلاح المقاومة في المهلة التي حددت، وكان مذهلاً أن يلتقي رئيس حكومة لبنان، في روما في مؤتمر دولي حول وطنه، ويسمع ويوافق، ولا ينبس ببنت شفة، ضد قرار ضمني يكاد أن يكون صريحاً اتخذه المؤتمر، يعطي "إسرائيل" مهلة إضافية لتنفيذ مهمتها "المقدسة": في لبنان نزع سلاح المقاومة، ولا يعترض ويطالب بوقف النار.
وتنصرم المهلة الإضافية وتخفق "إسرائيل" وتأتي أميركا لنجدتها دبلوماسياً بعد أن تخلفت النجدة العسكرية بالسلاح المتطور عن تحقيق المطلوب، وتقدم مشروعاً أعدته مع فرنسا، فضفاضاً في البنود والتفاصيل، ولكن جوهره يختصر بالقول: إعطاء "إسرائيل" بالسياسة ما عجزت عنه في الميدان.. وطبعاً لم يناقش فؤاد السنيورة الأمر، ولم يعدل بنداً ليضيف أو ليحذف إلا إذا كان في التعديل ما يرضي حامل المشروع.. ولدى محاولة الاقرار في مجلس الأمن تبين ان تطبيق القرار المرتقب غير ممكن لأن المقاومة التي هزمت "إسرائيل" لن تسلم نصرها ورقبتها طوعاً لأميركا وأتباعها، فكانت محاولة للتعديل، وهنا يذكر المراقبون أن الأطراف في التفاوض كانوا أميركا والمقاومة، وكل من عداهم لا يعدون كونهم وسطاء، واللبنانيون منهم (وطبعاً رئيس الحكومة أولاً) يضغطون على المقاومة التي كانت تتجرع سم القبول ببعض المواقف خشية على شؤون وطنية أولى بالرعاية، وجاء القرار 1701، ليعدل جوهرياً المشروع الأميركي ـ الفرنسي في مسألة القوات المستخدمة للتطبيق. وكانت المقاومة فرضت التعديل لمشروع وافقت عليه سلطة السنيورة سابقاً، ثم تدعي اليوم أنها عملت على تعديله بدلوماسية الدموع، فرضت المقاومة وحدها التعديل متسلحة بتضحياتها وصمودها وقدرة مقاتليها الأشداء، ليأتي القرار بالقدر الممكن الأقل سوءاً من المشروع الأول، لم يكن إلى جانبها رئيس حكومة أو نواب السلطة ووزراؤها الذين كانوا في عوكر يصغون إلى….
وأما أهم تباين بين ما كان قبل به السنيورة، وبين القرار، هو دور القوات الدولية، حيث كانت في المشروع قوات ردع متعددة الجنسيات تعمل تحت الفصل السابع، فأصبحت في القرار قوات سلام دولية تعمل تحت الفصل السادس..
وفي المشروع الأول كانت القوات ستأتي إلى لبنان وتكون الجيش الرادع بيد رئيس الحكومة المنفذ "للتمني الأميركي حيال المقاومة" فتنزع سلاح المقاومة بإشرافه، بعد أن كان أغدق الوعود في الشأن هذا للارسن وسواه، وشكر رايس على صبرها عليه، أما في القرار فقد كانت مهمة العمل العسكري في الجنوب وفي كل لبنان حصرية للجيش اللبناني تساعده القوات الدولية في الجنوب إذا طلب، أما خارجه فالأمر رهن بطلب من الحكومة.. أي أن القرار تسبب بإخفاق سياسي لدعاة نزع سلاح المقاومة ولكن.. صيغ القرار ببنود رمادية المعنى تحتمل التفسير ونقيضه.. وهنا كانت الأهمية البالغة لوجود حكومة تتولى التفسير والتطبيق، فتوسع مهام اليونيفل وتطلب ما يريح... ومن أفضل من حكومة السنيورة في ذلك؟
ولكن في التطبيق العملي تصدى الجيش اللبناني للمسألة بوطنيته المعهودة، وطبق القرار في الجنوب وفقاً لنصه، وليس كما كانت الأوهام والآمال، وهنا كان اختبار جديد لحكومة السنيورة.. التي انبرت أو حاولت أو التزمت بتنفيذ مهام تتعدى القرار لتستعيد فيها روح المشروع الساقط عبر اتفاقات ثنائية مع دول الأطلسي، نذكر منها مراقبة الموانئ، ومراقبة الحدود (حيث طلبت من المانيا العمل على ذلك، ولكن اليقظة الوطنية جمدت المحاولة مؤقتاً) ومهام ال اف بي. أي الأميركية، وقواعد الاشتباك في البر، ومشروع قواعد الاشتباك في الجو، ومحاولة طرح موضوع سلاح المقاومة (بعد 12 ساعة على اقرار 1701).. محاولات منها ما مرر، ومنها ما تعثر، ولكن المحاولات مستمرة لتنفيذه.. والامر لم ينفد بعد و"إسرائيل" تنتظر وتراهن على التنفيذ طبعاً.. وهو نزع سلاح المقاومة عبر تفسير مغاير لنص القرار تتولاه حكومة لبنانية تضع المقاومة في المواجهة مع شرعية دولية أو وطنية.. وحكومة السنيورة هي المثال.. فإذا سقطت هذه الحكومة وجاءت حكومة وطنية تعطل القفز فوق الحقوق الوطنية وتعطل التهاون بالسيادة الوطنية.. تقع الكارثة! إسرائيلياً.. أميركياً.. ويغدو وجود 15 ألف جندي دولي من غير معنى.. وتكتمل الهزيمة الإسرائيلية التي خطت أساسيتها في الميدان.. ويتابع العمل في الداخل ما تبقى..
لكل ذلك يقوم الخوف من سقوط حكومة السنيورة لأن فيه سقوط الالتزامات التي تعهدت بها متعدية القرار 1701.. ولذلك يقولون ان سقوط الحكومة هو إسقاط للقرار، ويتخوفون على اليونيفل ودورها.. والخوف من قبلهم على سقوط المشروع الأميركي/ الفرنسي ميدانياً بعد أن عجزوا عن تمريره في مجلس الأمن وكان القرار الملتبس، بنصوصه الرمادية يعطيهم الفرص لتعويض الفشل، فإن سقط السنيورة يعني سقوط الملتزم.. فيتعذر التنفيذ.. لهذا يتخوفون على القرار 1701، والخوف الحقيقي هو على الالتزامات خارج القرار، الخوف على عدم القدرة على الانحراف في القرار..
وهنا لا بد أن نذكر بأن "إسرائيل" لم تحترم القرار في الأرض أو الجو، ولا نجد أحداً من المتخوفين يبدي الغيرة على السيادة، في حين أن لبنان طبق القرار بحذافيره وفقاً لصريح نصوصه، أما الانحراف عنها فشأنه عند من التزم.. والسنيورة لن يستطيع أن يفي بتعهداته، وهل سيحل 15 كانون أول جديد ويشكر رايس مجدداً على صبرها؟ أم لا يكون له يومها لقب رسمي يلزمه بالشكر؟؟؟
(*)عميد ركن سابق في الجيش
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018