ارشيف من : 2005-2008

الملاحظات البصرية في الساحتين

الملاحظات البصرية في الساحتين

عفوية الإبداع‏

في تجمع بشري متواصل ومتنوع كالذي يحصل في وسط بيروت، لا بد أن تصحبه القراءات الشتى، من السياسة إلى الديموغرافيا وصولاً إلى علم الاجتماع وعلم النفس، أيضاً هناك القراءة البصرية العامة التي تنطلق من اللوحة ولا تنتهي عند الشكل الهندسي للخيم وتوزيعها.‏

الانتقاد زارت الساحتين وعادت بمشاهدات.‏

الوطن في خيمة‏

مع الخطوات الأولى في ساحة الشهداء، مع أولى التفافات الحدقة تصبح أنت المشاهِد وأنت المشاهَد في مسرح لا تحده خشبة أو سلك شائك.‏

بعد تصفح أكثر من خيمة، تستقر العين على واحدة لتيار المردة ألقيت فوقها لافتة كبيرة عليها صورة لبيروت بأبنيتها وشوارعها، المفارقة أن اللافتة أخذت شكل الخيمة، هنا يتجمد التفكير أمام اللغة العفوية التي تصدح بها الأشياء، فتتكون لوحة غاية في البلاغة، دون افتعال يفقد العاصمة تلقائيتها.‏

إذاً بيروت هي الخيمة وسكانها هم كل أبناء الوطن بتنوعهم المناطقي والطائفي كما بلكناتهم وإيماءاتهم.‏

الخيمة الجدار‏

بعد تفحص مشهد الخيام في ساحة الشهداء ثم في ساحة رياض الصلح ثمة نتيجة قد يخرج بها الجميع، لكن من دون توحيد في قراءتها، فالكلمات المكتوبة على الخيام بمختلف التقنيات من البخ/ سبراي إلى الدهانات والأقلام العريضة، قد تعكس مناخاً من الفوضى، هذا في الانطباع الأول، لكن بعين هادئة نعيد طرح المعطيات ضمن القاعدة الديكارتية: "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، فنحن هنا في ساحة اعتصام، احتجاج، رفض، تمرد، له عنوانه السياسي الواضح دون إخفاء العنوان الطبقي.‏

ضمن هذا القالب وفي مختلف أصقاع العالم حتى في أعتى الدول الديمقراطية الغربية، يخرج الشباب إلى الشوارع ليحولوا جدرانها إلى وسائل إعلامية، ينقلون عبرها، رسائلهم وصرخاتهم مع ما في الأمر من مباشرة وتصويب.‏

إذاً تركت جدران سوليدير لأهلها، وقام المعتصمون بتشييد جدرانهم الخاصة، التي ما إن تتحقق مطالبهم، حتى يفكّوها بهدوء، لتكون شاهدة على صراخ وتمرد ونهضة حق في مرحلة مفصلية من الشارع اللبناني، ومن أكثر المراحل المفصلية في هذا الوطن.‏

الوجه اللوحة‏

على المقدمات والأسس نفسها نبني لنتحدث عن بعض المعتصمين الذين اختاروا وجوههم لتكون وسائلهم للتعبير البصري، فرسمت الأعلام والشعارات ضمن توليفات لونية تعكس مدى الطيف وتنوعه في وسط بيروت، والأجمل هو إلغاء الخصوصيات الحزبية لمصلحة لقاء الآخر، فكما كان البعض يحمل أكثر من علم لأكثر من حزب وتيار، كذلك اختار البعض أن يرسم على وجهه أكثر من لون دال على أكثر من حزب وتيار.‏

إبداع تلقائي‏

مع اعتصامات بهذا الشكل، والحجم، لا بد أن يكون في الموازاة تحضيرات إبداعية، لها علاقة بالشعارات والألوان والتصاميم، وهو ما يتم بجداره كما بأخلاق في هذا التحرك، لكن ما نلفت إليه هنا، هو الابداعات الفردية التي يلجأ إليها الناس دون تكلف يذكر، فثمة "رديّات" ابتدعها الناس ضد حكومة السنيورة، غاية في الجمال والانسياب اللفظي.‏

أيضاً المزج بين الصور الممثلة للزعامات فيه محاكاة لمدرة الإلصاق/ الكولاج ضمن تجليات الفن التشكيلي.‏

بين حَمَلة الأعلام لفتنا علم شديد الارتفاع، وبعد التدقيق في عصا العلم تبين أنها قصبة صيد سمك رفع العلم في آخرها.‏

أيضاً باعة البالونات تفننوا في عرضها فنجد لون الأصفر بالأخضر والبرتقالي ليكونوا خطاً واحداً، وفي شكل آخر وضعت بالونات بذات الألوان ضمن بالون كبير يحتضنها.‏

لوحات "ع طريقتنا"‏

ضمن الخيم المتنوعة بأسمائها وعناوينها، ثمة خيمة للفنون أسسها طلاب معهد الفنون الجميلة ـ الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. هنا تأخذ المادة البصرية المباشرة كامل مداها مع طلاب مثلهم مثل باقي الناس، وبذات الجرعات من الغضب والاحساس بظلم المتربعين على عرش السلطة.‏

لكن الفرشاة واللون والقماشة البيضاء تمثل وسيلة متقدمة في التعبير، خاصة إذا كان الثقل لألوان بعينها. طلاب الفنون هنا اعتمدوا شتى سبل الرسم ومدارسه لكنها جميعاً وصلت إلى الطاحون، حيث موضع الجرح وطريق شفائه. المشاركة من قبل الطلاب هي بازدياد دائم مع أسماء واعدة، كأحمد الحاج حسن، ورشا حطيط، وفؤاد شهاب، ونيكول يونس وآخرين كثر، يواكبهم بعض أساتذتهم من وقت لآخر.‏

يذكر أن توسع الأعمال الفنية وكيفية تموضعها يرتبط بوقت الاعتصام، ذلك ان هناك أفكاراً كثيرة تواكب التحرك، منها صوغ جدارية لونية كبيرة.‏

مع انطلاقة خيمة الفنون كان الأطفال هم الأبطال والنجوم الذين بدورهم عكسوا مناخ البلد فرسموا الأعلام وكتبوا الشعارات بشكل عفوي، ثم قامت احدى طالبات الفنون بجمعها للاحتفاظ بها. يذكر ان اسم المعرض هو "ع طريقتنا".‏

المشاهدات البصرية لا تنتهي مع كل ايماءة ولون، وتدوينها يحتاج إلى أكثر من مساحة، والأمر يستأهل لا شك.‏

في عالم الأدب والفن يقال إن المعاناة هي أصدق سبيل للتعبير والابداع، لذلك يمكننا اعتبار كل الانتاجات في وسط بيروت، هي ابنة بيئتها الطبيعية الحاضنة للمواهب والطاقات.‏

عبد الحليم حمود‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006‏

2006-12-09