ارشيف من : 2005-2008

تحرك المعارضة نحو التصعيد بعد رفض المبادرة الأخيرة

تحرك المعارضة نحو التصعيد بعد رفض المبادرة الأخيرة

أحدثت الحشود المليونية التي ملأت وسط العاصمة بيروت بساحتيه "رياض الصلح" و"الشهداء" والشوارع المحيطة بهما يوم الجمعة الماضي بدعوة من المعارضة الوطنية بهدف إسقاط حكومة فيلتمان، والاعتصام المفتوح الذي تلا الحشد والمتواصل ليلاً ونهارا، تحولاً مفصليا في المسار السياسي للبلاد بدأ معه العد العكسي لعهد الوصاية الأميركية على لبنان الذي انطلق قبل نحو عامين مع القرار 1559، وصولاً إلى العدوان الصهيوني الأخير على لبنان.‏

وإذا كان "حاكم السراي" فؤاد السنيورة لا يزال موجوداً مع وزراء فريق السلطة في "الفندق الحكومي" بفعل الأوكسجين الأميركي و"الأنظمة العربية التابعة" عبر المواقف والزيارات دعماً للفريق الحاكم، فإن صوت ثلثي الشعب اللبناني المحيط بقصره سيدفعه عاجلاً أم آجلاً إلى النهاية الحتمية، الاستقالة، وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون جديرة بتطلعات الشعب اللبناني بجميع فئاته.‏

ماذا حقق الاعتصام المفتوح حتى الآن؟ وإلى أين تسير الأمور بعدما لاقى فريق السلطة التظاهر الحضاري والسلمي للمعارضة بتصرفات ميلشياوية، كانت أولى شراراتها سقوط الشهيد أحمد محمود برصاص ميليشيا المستقبل قرب قصقص؟‏

أوساط متابعة وضعت تقييماً لمسار التطورات منذ الجمعة الماضي، وهي ترى أن هذا الحشد المليوني الذي لم يشهد تاريخ لبنان مثيلاً له حقق العديد من الأهداف بمجرد حصوله.‏

أولاً: وضع دول الوصاية أمام حقائق جديدة لا يمكن تجاهلها. وهي أن المعارضة تشكل أكثرية شعبية في لبنان، وهذا ما لحظته تقارير سفراء إلى عواصمهم لاتخاذ المواقف المناسبة. كما فوجئ به الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الذي زار لبنان، ولفت في بعض المجالس إلى أنه لم يكن في صورة الحجم الشعبي للمعارضة.‏

ثانياً: دفعت هذه الحقائق الراعي الأميركي للعمل على خطين لتفادي الهزيمة لمشروعه في لبنان:‏

1 ـ دفع فريق السلطة إلى تنفيذ أمر عمليات بإحداث شغب في العديد من المناطق، خصوصاً في بعض أحياء العاصمة والطرق المؤدية إلى وسط العاصمة، بهدف تخويف الناس ودفعهم إلى لزوم منازلهم لإفشال الاعتصام المفتوح الذي قض مضاجع فريق السلطة والراعي الأميركي، وهو كان لا يزال في أيامه الأولى، وهذا ما ترجم في أكثر من منطقة بشكل متزامن، وكانت نتيجته شهيدا وعشرات الجرحى من أنصار المعارضة في منطقة قصقص. لكن هذا التصرف الميلشياوي لم يحقق أهدافه، لأن الاعتصام المفتوح استمر بالحضور الشعبي الحاشد نفسه، بل زاد عما كان عليه قبل أحداث الشغب. إضافة إلى أن المعارضة لم تنجر إلى الفتنة التي أرادها فريق السلطة ورعاته الخارجيون، وأكدت استمرار تحركها السلمي وتصعيده لتفويت الفرصة على الفتنة التي يدفعون البلاد إليها. وهذا ما أكده الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله من خلال ما نُقل عنه في هذا السياق، وتأكد في المواقف التي أطلقت في تشييع الشهيد أحمد محمود، حيث كان التشديد على تفويت الفرصة على الساعين إلى إحداث الفتنة والتركيز على هدف تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، "وأن سلاح المقاومين لن يوجه إلا إلى العدو الصهيوني".‏

2 ـ فور مشاهدة الحشد المليوني وتداعياته في عواصم القرار، خصوصاً في واشنطن، كانت الخطة الثانية تحريك بعض الأنظمة العربية والدول الأوروبية لدعم حكومة السنيورة، وهو ما بادرت اليه السعودية ومصر والأردن عبر إطلاق مواقف تصعيدية ومتحيزة لفريق لبناني واحد، وإجراء اتصالات وتنظيم زيارات لوزراء وسفراء إلى السراي الكبير، وهذا ما يرى المراقبون أنه شكل استعادة جديدة للاصطفاف الذي حصل لدى بدء العدوان الصهيوني على لبنان في الثاني عشر من تموز الماضي، حيث بررت هذه الأنظمة حينها العدوان وتحاملت على المقاومة، ما ساهم في إطالة أمد العدوان.‏

وفي هذا السياق ترى مصادر المعارضة أن زيارة أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى إلى لبنان لم تأتِ بأي جديد، حيث لم يحمل مبادرة محددة يمكن أن تقود إلى حل، بل كان مستمعاً. وهو نقل إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري أفكاراً كان طرحها السنيورة سابقاً ورُفضت، لأنها تخالف اتفاق الطائف ولا تؤدي الغرض، وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية تعبّر عن مشاركة حقيقية لجميع القوى السياسية الفاعلة في البلاد. إلا أن إضافات طفيفة حملها معه موسى إلى بري من السنيورة، منها اشتراط بقائه رئيساً لأي حكومة جديدة يتوافق عليها، مقدما شهوة الكرسي على مصالح الوطن. ولدى طرح موسى أفكاراً على بري يمكن أن تشكل بداية مخرج وإشارته إلى أن السنيورة موافق عليها، طلب منه بري الإتيان بموافقة رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط وسفراء الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية على هذه الأفكار، "فخرج موسى ولم يعد".‏

"مبادرة اللقاء الوطني"‏

في هذه الأثناء وفيما كانت السلطة تصم آذانها عن الإرادة الشعبية المطالبة بإسقاط حكومة الوصاية والمتمثلة بالاعتصام المفتوح، وتواصل الاستئثار والتفرد مستندة إلى الإملاءات الأميركية، كانت المعارضة تعطي مزيداً من إلقاء الحجة عليها عبر مبادرة أخيرة، حرصاً منها على تجنيب البلاد الأزمة المفتوحة، وقد أطلقها اللقاء الوطني الذي اجتمع برئاسة الرئيس عمر كرامي الثلاثاء الماضي وحملها إلى السنيورة رئيس جبهة العمل الإسلامي فتحي يكن مساء اليوم نفسه، وهي تشكل مخرجاً للأزمة وتأخذ بعين الاعتبار مطالب المعارضة وفريق السلطة، انطلاقاً من الثلث الضامن، لكن النتيجة كانت رفض هذه المبادرة الجديدة، لأن من بيده الرفض والقبول هو الراعي الأميركي. وعليه وبعد سد كل الأبواب أمام المبادرات، فإن الاعتصام المفتوح سيتواصل وبوتيرة متصاعدة وصولاً إلى تحقيق أهدافه، وهو ما أكده اللقاء الوطني في الجلسة التي قيّم فيها رد السنيورة على المبادرة، حيث تبين له أن "السلطة مصرّة على الاستئثار والتفرد وليس بنيتها إخراج البلاد من أزمتها".. وعليه ستشهد ساحتا "رياض الصلح" و"الشهداء" اليوم (الجمعة) حضوراً لافتاً للقيادات السنية في المعارضة لإطلاق مواقف حاسمة وأداء صلاة الجماعة هناك بإمامة الداعية فتحي يكن، الذي يُتوقع أن يكون له مواقف مهمة بالمناسبة.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006‏

2006-12-09