ارشيف من : 2005-2008
هلع في "إسرائيل".. ومسارعة إلى بحث سبل دعم السنيورة
كتب جهاد حيدر
تجاوزت أصداء تحرك المعارضة الوطنية اللبنانية الهادف إلى المشاركة الفاعلة والجدية في الحكومة الساحة المحلية، فشد إليه الاهتمام الإقليمي والدولي بأعلى مستوياته. لكنه في الساحة السياسية الإسرائيلية كان لهذا الاهتمام محتوى وأبعاد مختلفة، فقد تعامل كيان العدو مع الحدث اللبناني باعتباره يمس أمنه ومخططاته السياسية مباشرة. وعليه لم يكن مفاجئا عدم التزام المسؤولين الإسرائيليين الصمت إزاء التطورات السياسية اللبنانية، كما لم يكن مفاجئا أيضا مبادرة هؤلاء إلى التعبير عن قلقهم وخوفهم مما قد تؤول إليه هذه التطورات، ومدى انعكاسها على المشروع الأميركي في لبنان ومنه.. سواء تُوج ذلك بسقوط حكومة السنيورة أو تحول قوى المعارضة الوطنية اللبنانية إلى طرف ذي تأثير فاعل ومؤثر داخل الحكومة، لما ينطوي عليه ذلك من نتائج وأبعاد سياسية وأمنية محلية وإقليمية.
على هذه الخلفية تداعت الحكومة الإسرائيلية لبحث "سبل دعم حكومة السنيورة" بأي طريقة ممكنة، فطُرح الموضوع على طاولة جلسة الحكومة الأسبوعية، وما خرج إلى العلن من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية، التباحث حول إمكانية التنازل عن مزارع شبعا، وانتهى إلى اتخاذ قرار بالخروج من الجزء اللبناني لقرية الغجر التي ما زال جيش العدو يحتلها بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على انتهاء العدوان.
وحول كيفية تعامل المستوى السياسي والإعلامي مع الحدث اللبناني والقرارات العلنية التي اتُخذت، يمكن تسجيل العديد من الملاحظات:
ـ بدا واضحا ان الإسرائيلي يشعر بأنه يقف بين ضرورتين: ضرورة دعم حكومة السنيورة، وضرورة عدم بروز ذلك بشكل سافر، للآثار السلبية التي قد تترتب على ذلك، في الوقت الذي يحاول أن يظهر فيه الأخير أنه المدافع عن السيادة اللبنانية في مقابل قوى معارضة تتحرك بإيحاءات خارجية. وفي هذا السياق حذرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني الوزراء من الإفصاح العلني عن حاجة "إسرائيل" إلى دعم السنيورة، لكونه قد يمس به. معتبرة أن ذلك هو "الأمر الأخير الذي يحتاج إليه". وانضم إلى هذا الموقف الوزير رافي إيتان (حزب المتقاعدين) عندما أكد أنه "ينبغي التذكر بأن كل تدخل إسرائيلي في ما يحدث في لبنان سيعود بنتيجة عكسية ويُقوّي هؤلاء الذين نعارضهم، لذا يجب الامتناع عن أقوال لا طائل منها"، إدراكا منه للآثار السلبية التي قد تترتب على ذلك.
ـ لكن على الرغم من التحذيرات السابقة، وكما هي العادة في "إسرائيل"، لم يتمكن المسؤولون الإسرائيليون من ضبط أنفسهم، فذهبوا إلى التعبير العلني عن مخاوفهم من مآلات التطورات الداخلية اذا ما تحولت المعارضة اللبنانية إلى قوة فاعلة في الحكومة.. فاشتملت غالبية المواقف على عبارات "القلق" و"الخطر" و"الاستعداد لاحتمال حصول انقلاب"، مع قاسم مشترك بارز هو إبداء الحرص على حكومة السنيورة.
ـ وبنظرة عابرة إلى المواقف والتحليلات السياسية الإسرائيلية، يبدو واضحا أن منبع القلق الإسرائيلي يعود ـ وفق تقديراتهم ـ إلى الآثار التي سيتركها نجاح المعارضة الوطنية اللبنانية على القرار 1701، الذي يبدو واضحا أن هناك مخططا إسرائيليا أميركيا يهدف إلى توجيهه باتجاهات تحاول تحقيق بعض ما عجز عنه جيش العدو خلال عدوان تموز الأخير، ويعود إلى مخاوف من أن تجد "إسرائيل" نفسها في نهاية المطاف مضطرة للتسليم بعدم نزع سلاح حزب الله، حتى على مستوى الآمال المستقبلية بعيدة المدى، وبذلك يكون آخر فصل من فصول الأوهام التي منّت "إسرائيل" بها النفس قد تبخر بعد فشلها في العدوان الأخير.. فضلا عن تبلور واقع سياسي جديد مغاير لما أفرزته تطورات عام 2005.
ـ من خلال ما تقدم، يبدو مفهوما إعلان رئيس الوزراء إيهود أولمرت أن "كل الأجهزة الإسرائيلية تتعقب ما يحصل في لبنان".. موضحا أن "إسرائيل" تعرف "الجهات والمنظمات التي تحاول إسقاط حكومة لبنان". وأكد أن "ثمة أهمية للحفاظ على الاستقرار السياسي في الدولة (لبنان)". وينطلق الموقف الأخير بالحفاظ على الاستقرار السياسي لكون الحكومة الممسكة بالقرار السياسي الرسمي تتساوق تماما مع المخطط الأميركي في لبنان ومنه، وهو يهدف إلى حماية "إسرائيل" وتعزيز تفوقها وهيمنتها على المنطقة. وضمن هذا السياق أيضا أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس أنه أصدر "تعليماته إلى الأجهزة الاستخبارية لمتابعة التطورات هناك بشكل حثيث، وخاصة في ما يتعلق بالتداعيات الممكنة على إسرائيل".
ـ استكمالا لصورة المشهد السياسي في "إسرائيل"، لا بد من التطرق الى أصحاب المواقف المغايرة داخل الحكومة الإسرائيلية، من أمثال وزير الصناعة والتجارة رئيس حركة شاس إيلي يشاي، الذي وافق زملاءه في تشخيص الحاجة "إلى خطوات من شأنها أن تعزز قوة الحكومة اللبنانية الحالية أمام الضغوط الشديدة التي تمارس عليها"، إلا أنه لفت إلى وجود عقبة أساسية أمام أي جهود قد تبادر إليها "إسرائيل"، تمثلت بتعبيره عن أمنيته لو "كان رئيس الوزراء اللبناني أكثر قوة"! وهو ما قد يؤدي برأيه إلى ضياع "التنازلات" التي قد تبادر إليها "إسرائيل"، سواء في شبعا أو الغجر. وفي السياق اعتبر انه "لا شك في أن ما يحدث في لبنان يحتم علينا الاستعداد لاحتمال حدوث انقلاب"، مسلّما بأن "الأمور ليست في أيدينا".. وعليه فقد تحفظ يشاي على الانسحاب من القسم الشمالي من بلدة الغجر.
وكما أشرنا سابقا، فقد تجاوز الاهتمام بالحدث اللبناني الجانب الرسمي والسياسي إلى المعلقين السياسيين والأمنيين الإسرائيليين، فتناولوا التطورات الداخلية في لبنان من زوايا متعددة تقاطعت عند خطورة وأهمية ما يجري على الوضع في إسرائيل، وما تأمله وتخطط له على الساحة اللبنانية.
ـ ضمن هذا الإطار كتب الخبير بالشؤون السورية واللبنانية البروفيسور إيال زيسر في صحيفة "يديعوت أحرونوت": "إذا ما عاد مؤيدو سوريا بالفعل إلى السيطرة في لبنان، فإن من سيدفع الثمن قبل أي شيء آخر" هم قوى 14 شباط الذين وصفهم "باللبنانيين الشجعان الذين أملوا بأن لبنان يسير على طريق الديمقراطية والحرية". مضيفا إلى لائحة دافعي الأثمان "إسرائيل" التي "ستكتشف أنها نجحت في إبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية، لكنها تلقته متوّجا ملكا للسياسيين واللبنانيين والحكومة المقبلة في بيروت". ولم ينسَ زيسر الإدارة الأميركية بقوله: "وأخيرا ستدفع الولايات المتحدة الثمن أيضا، إذ سيشكل سقوط السنيورة نهاية مغامرتها في لبنان، كما ستشكل مؤشرا على التراجع الأميركي عن العراق، ونهاية رؤية الرئيس بوش حول الشرق الأوسط الجديد".
ـ أما صحيفة "هآرتس" فقد ركزت في افتتاحيتها (3/12/2006) على النتائج المفترضة لانتصار المعارضة اللبنانية، ولخصت رؤيتها بالقول إن ما يجري وسيلة "تستهدف إفراغ القرار 1701 من معظم بنوده المهمة، ومنع إمكانية نزع سلاح هذا التنظيم، وعلى المدى البعيد إعداد البنية السياسية الجديدة في لبنان، حيث يكون بقدرته بلورة تنظيمه وأهدافه من جديد". وانطلاقا من حجم هذه المخاطر دعت "هآرتس" الحكومة إلى "الإسراع في إنجاز مسألة الانسحاب من منطقة مزارع شبعا، وبذلك تعطي حكومة السنيورة إنجازا سياسيا".. لكن السؤال الكبير والأهم هو: كيف ستتمكن قوى 14 شباط من تسويق هذا التراجع الإسرائيلي وتسجيله كإنجاز لها. وهل سيكفيها أو ينجيها ذلك من السقوط أو التراجع؟ خاصة ان السؤال الذي سيفرض نفسه على مؤيدي ومعارضي الحكومة: هل هذا الانسحاب المفترض حصوله نظريا من شبعا، أو قرار الحكومة الإسرائيلية بالانسحاب من الجزء اللبناني من قرية الغجر، كان ثمرة العمل الدبلوماسي لحكومة السنيورة؟ أم أنه محاولة إسرائيلية لمد يد العون له عبر تسليفه إنجازاً سياسيا ينسبه لنفسه، خاصة في ظل حالة القحط التي تعاني منها حكومته على هذا الصعيد!
لا يمكن لأي متابع مهما كانت مستوى خبرته إلا أن ينظر إلى خطوة كهذه على أنها ليست سوى محاولة ـ بغض النظر عن نجاحها أو فشلها ـ لتطويق المعارضة وخاصة حزب الله، وجزء من منظومة الدعم السياسي وغير السياسي لحكومة السنيورة.
لكن برغم كل هذا الضجيج والاهتمام الزائد الذي تعكسه الأجواء السياسية والإعلامية في "إسرائيل"، فقد نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" خلاصة تقدير الأجهزة الإسرائيلية إزاء مستقبل التطورات في لبنان بالقول: "حتى لو لم تسقط حكومة السنيورة في نهاية المطاف، فإنها ستضعف جدا في تنفيذ القرار 1701.. ولن يكون أمام السنيورة مفر من الموافقة على مطلب مؤيدي سوريا وحزب الله بتشكيل حكومة وحدة وطنية، يملك فيها حزب الله ـ في الواقع تحالف المعارضة ـ حق النقض الفيتو على كل قرار مهم للحكومة". ونقلت الصحيفة أيضا عن جهات سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى، تقديرها أن "معنى مثل هذه الخطوة ـ تلبية مطالب المعارضة ـ سيحول الحظر على لبنان من الناحية العملية إلى أمر غير ذي صلة". وذهبت هذه المحافل إلى حد أن "إمكانية خروج قوة "اليونيفيل" من جنوب لبنان خلال نصف سنة إلى سنة ستصبح إمكانية عملية".
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018