ارشيف من : 2005-2008
الوطن شراكة وليس شركة العائلة الواحدة:الفريق الحاكم يتحصن بالطائفة ويفتح الطريق الى الفتنة البغيضة
بعدما تجرّدت حكومة فؤاد السنيورة من شرعيتها المستمدّة من ثقة الشعب بها، وهو ما دلّت عليه الاعتصامات الحاشدة لقوى المعارضة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وباتت عارية تماماً من ميثاقيتها المتعارف عليها في بلد قائم على التوازنات الطائفية، وهو ما أقرّه الدستور بصراحة لا لبس فيها في مواده، وما ترتّب عليها من اجتهادات قانونية ودستورية لدى أهل الشأن، إثر استقالة ستّة وزراء بينهم خمسة من الطائفة الشيعية الأكبر عدداً في لبنان باعتراف إحصاءات الإدارة الأميركية نفسها، لجأت هذه الحكومة إلى حملة مضادة.
تهدف هذه الحملة للحفاظ، أولاً، على جسدها الخالي من الروح الوطنية، ما يجعلها هزيلة وقابلة للسقوط، وثانياً، لضمان بقاء مكتسباتها السياسية المأخوذة بنَفَس ثأري عشائري وكيدي لا ينمّ عن التطلّع إلى ضرورة العيش المشترك واعتبار الوطن شراكة حقيقية وليس شركة مملوكة للعائلة الواحدة على غرار بعض الأنظمة العربية.
ولم تستطع "القوى الشباطية" مواجهة صرخة الشعب الموحّد في وجه هيمنتها وارتهانها للغرب، واستنفدت حكومة السنيورة ما تبقّى لها من رمق حياة، فسجنت نفسها خلف قضبان السراي الكبير والأسلاك الشائكة، وخافت هذه القوى ـ ومعها الحكومة ـ على نفسها من السقوط فتراجعت إلى الخلف، ولم توفّر وسيلة دعم خارجي لتحتمي بها، وقدّمت أداء ضعيفاً تشوبه الكثير من الأخطاء، ومنها التالي:
أولاً: قامت حكومة السنيورة مدعومة بتيّار "المستقبل" وبتشجيع الفريق الشباطي بحملة تجييش مذهبي بغيض لم يسبق للبنان أن شهد مثيلاً لها في تاريخه السياسي، وقد غذّتها حُقَن الاملاءات الأميركية المضرّة، وتدخّلات بعض الأنظمة العربية التي لا تريد الخير للبنان، بل تتطلّع إلى تفتيته وشرذمته بما يتوافق والمخطّط الأميركي المسمّى بـ"الشرق الأوسط الجديد"، وتلعب مخابراتها بحرّيّة في غير مكان من الأراضي اللبنانية، ويعلم السنيورة وحكومته وتيّاره السياسي بذلك ويغضّون الطرف، فأقام السنيورة حفلات خطابية في السراي الكبير واستحضر لها كلّ جوقات التوتير و "الزقيفة" و"العنتريات" الكلامية، في محاولة خبيثة لتصوير اقتلاع حكومته على أنّه ضرب للطائفة السنية في لبنان وتهميش لها وإلغاء لدورها الوطني الكبير في بناء لبنان الحضاري، وهو أمر مغاير للحقيقة لأنّ المعارضة تضمّ في صفوفها شخصيات سياسية سنّية بارزة منها الرئيس عمر كرامي ابن البيت الطرابلسي العريق في قوميته ووطنيته، ويكفي أنّه ابن النائب الاستقلالي عبد الحميد كرامي، وشقيق الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي قتله شريك "القوى الشباطية" سمير جعجع، والرئيس سليم الحصّ ابن بيروت الحصن المنيع في وجه العدوّ الإسرائيلي، والمعروف بنزاهته واستقامته وإخلاصه لوطنه، والرئيس رشيد الصلح ابن الدوحة الصلحية العتيقة والشامخة في عروبتها، ورئيس "التنظيم الشعبي الناصري" النائب أسامة سعد ابن البيت الصيداوي العروبي، فوالده هو معروف سعد، وشقيقه هو النائب مصطفى سعد الذي حاولت أيدي الغدر اغتياله مراراً، ورئيس حزب "الإتحاد" الوزير والنائب السابق عبد الرحيم مراد ابن البقاع الغربي المنفتح على أشقائه العرب، ورئيس "جبهة العمل الإسلامي" النائب السابق الداعية الشيخ فتحي يكن ابن طرابلس الفيحاء، والمشهور بحيثيته المعنوية منذ ستينيات القرن الماضي على الساحة العربية والإسلامية، الى غيرهم من الشخصيات السياسية أو الدينية الكبيرة التي هي موضع كل احترام وتقدير لدورها الريادي في المعاهد التعليمية وفي كليات الدعوة والشريعة وإمامة المساجد، اضافة الى همها الوحدوي.
وتسأل شخصية سنّية في المعارضة: هل الطائفة السنية محصورة بسعد الدين الحريري وفؤاد السنيورة ومن يحتمي تحت عباءتهما المشتركة من طلاّب المناصب والمنافع وممثلي أنفسهم؟ ولماذا تعمّدا شطب الآخرين من سجلاتهم السنية وبيئتهم بطريقة "أنا أو لا أحد" التي يستند إليها قادة الميليشيات و"المافيات"؟ وهل هما تأثّرا بأسلوب شريكيهما المتوتّرين أساساً وليد جنبلاط وسمير جعجع فانتهجا طريق الإلغاء للاستيلاء وحيداً، كونهما طرف واحد، على زعامة الطائفة؟ ومن قال إنّهما يملكان حقّاً حصرياً بالتحدّث باسم السنّة كلّهم في لبنان، وتيّارهما لم ينل في الانتخابات النيابية معدّلاً يخوّله القيام بهذا الاستئثار على الرغم من الأموال التي دفعها في غير مكان وبلدة ومدينة؟
ثانياً: خرج الرئيس الشهيد رفيق الحريري من الحكم في العام 1998 ومن ثمّ في نهاية العام 2004، ومع ذلك لم يلجأ إلى اعتماد الشحن المذهبي، فلماذا لا يتقيّد السنيورة والحريري الابن به؟
ثالثاً: لم يكن السنيورة محقّاً في الاختباء وراء رجال دين ومرجعيات روحية، ودفعهم إلى إلقاء خطب منافية لدورهم في التوعية والإرشاد والحكمة واليقظة، وبما نصّ عليه القرآن الكريم وسنّة الرسول محمد(ص)، وبعيدة عن لغة الحوار والهدوء والمنطق والتوحيد، ومطابقة للتعبئة والإسفاف. وتستغرب هذه الشخصية قيام مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني بأداء صلاة الجمعة في السراي الكبير، وهو مكان لكلّ اللبنانيين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم، وليس لفئة معيّنة كما هو حال القصر الجمهوري ووضع البرلمان، فهل يعقل أن يقام، غداً، قدّاس في قصر بعبدا، ومجلس عزاء في قصر عين التينة، وهي مقرّات رسمية لجمع شمل اللبنانيين وتوحيدهم وليس لتفريقهم؟
رابعاً: انعكس استنجاد السنيورة والحريري بهذا الكمّ الكبير من الشحن المذهبي سلباً على الشارع، ودفع بميليشيا "المستقبل" إلى ارتكاب جريمة قتل على مرأى ومسمع من مخبري "شعبة المعلومات" في قوى الأمن الداخلي الذين لم يبادروا إلى توقيف القاتل خشية إغضاب مسؤوليهم السياسيين في "القوى الشباطية"، فضلاً عن السماح لأشخاص موتورين بتوزيع منشورات تحرّض على هدر دم المسلم بما يشبه "عرقنة" لبنان، وهو ما تريده الولايات المتحدة الاميركية في سبيل تفتيت الأمة الإسلامية لكي يتسنّى لها إحكام قبضتها أكثر على مقدّراتها ومدّخراتها في غير بلد عربي وإسلامي، ونهب ثرواته.
خامساً: زاد هذا "التهييص" الحكومي من تسليط تلفزيون "المستقبل" الصورة على مجموعة شبّان مفتولي العضلات (لم يعرف ما إذا كانت بتأثيرات كيماوية أم لا) كانوا حاضرين عند السنيورة وهم يرتدون قمصاناً كتب عليها "صقور شبعا"، فطالما أنّهم والحال هكذا، فلماذا لا يعملون على تحرير مزارع بلدتهم، إنْ كانوا هم حقيقة من هذه البلدة الجنوبية، أم أنّ الغاية هي توجيه رسالة داخلية بوجود شبّان جاهزين لارتكاب الفتنة التي هي أشدّ من القتل؟ ولماذا لا يطلب السنيورة لهم الإذن من فيلتمان لتنفيذ عملية قتالية ضدّ العدوّ الإسرائيلي الذي يحتلّ أرضهم وينتهك أرزاقهم بدلاً من إضاعة وقتهم في الظهور التلفزيوني والإعلامي الذي لا يجدي نفعاً ما لم يقترن بالفعل، والرجال على قدر أفعالها كما يقال؟".
سادساً: لماذا يرغب السنيورة والحريري في إعادة خطوط التماس إلى البلد بين منطقة وأخرى، وبين بناية وأخرى وبين الجار وجاره، في الوقت الذي جاهد فيه الشهيد رفيق الحريري لانتشال البلد من التقاتل الداخلي؟ ألم يكن قدوة لهما، فلماذا لا يسترشدان بخطّه ونهجه ومنطقه في التعاطي السياسي مع شؤون وشجون لبنان؟
سابعاً: وصل الإفلاس بالسنيورة إلى استقبال موظّفي القصر الحكومي الذين يلتقيهم يومياً حتّى ملّوا من بعضهم بعضاً، وذلك لكي يُبقي نفسه في الواجهة الإعلامية بعدما استنفد كلّ الوفود الشعبية التي جُمعت له على عجل من مناطق قريبة من السراي، وقيل إنها أتت من مناطق نائية، ولو قلنا إنّها تجشّمت عناء الحضور من قراها البعيدة فهل فكّر السنيورة يوماً بهذه الوفود عبر إنماء بلداتها وقراها ومساواتها بما يقوم به لأماكن أخرى معروفة؟ ولماذا لم يتذكّرها إلا عند شعوره بالضيق والحرج؟ وكم واحداً منهم وقف سابقاً على عتبة بابه ولم يستقبله، فإذا به يصاب بالدهشة والذهول بفتح أبواب السراي الحكومي له على حين غرّة؟
ثامناً: تخفيف معظم قيادات "القوى الشباطية" من لهجة التحدّي واستبدالها بالتروّي على غير عادتهم، فتخلّوا عن التهديد بالسلاح مقابل الوردة، والتلويح بالعصا، وإحضار انتحاريين على غرار ما قال مسؤول أمني محسوب على هؤلاء "الشباطيين" لتفجير أنفسهم بالمعتصمين المحتشدين في وسط بيروت، وصاروا يعترفون في مجالسهم الخاصة والضيّقة بخسارتهم لمعركة حكومة الوحدة الوطنية أمام إصرار المعارضة، وهذا ما أقرّ به جنبلاط نفسه في مقابلة مع صحيفة أجنبية، كما أنّه دعا إلى الحوار على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب" ليقينه بأنّه صار قاب قوسين أو أدنى من تذوّق الخسارة. ويمكن استثناء مواقف جعجع التصعيدية من هؤلاء، لأنّه في الوقت الراهن يتفرّج على محاولة إشعال فتنة مذهبية بين أبناء الدين الإسلامي الواحد، ولم يعرف ما إذا كان يمنّي نفسه بسقوط ضحايا!
تاسعاً: على الرغم من مطالبة جميع اللبنانيين بمختلف تنوّعاتهم الفكرية وانتماءاتهم الحزبية وفي طليعتهم المعارضة، بالاقتصاص من قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإحالتهم على المحكمة ذات الطابع الدولي، إلا أنّ السنيورة وفريقه صارا يفكّران بالتفرّد في حكم لبنان، وهو ما يسيء إلى الغاية المنشودة من هذه المحكمة، وهذا ما أشار إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بصراحة تامة.
وما زاد من دقّة موقف حكومة السنيورة و"القوى الشباطية" في أيّامها الأخيرة في السلطة، هو خسارتها لحليفها في مجلس الأمن، المندوب الأميركي صاحب السمعة السيّئة جون بولتون الذي أوفدت نواباً وشخصيات سياسية منها لتكريمه بتقديم درع "ثورة الأرز" له عربون وفاء وتقدير لخدماته، وما رحيل "مندوب النفاق الأميركي" كما يسمّى، سوى مقدّمة واضحة العيان، على قرب رحيل "الشباطيين" أيضاً، والفرج بات قريباً جدّاً جدّاً.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018