ارشيف من : 2005-2008

الدخول اليه قبله أسلاك شائكة ومئات العناصر الأمنية :هكذا أصبح السراي الحكومي سجناً موصد الأبواب

الدخول اليه قبله أسلاك شائكة ومئات العناصر الأمنية :هكذا أصبح السراي الحكومي سجناً موصد الأبواب

الزيارة إلى الصرح التاريخي للقصر الحكومي بعد الأول من كانون الأول لم تعد بتلك الوجاهة التي كانت عليها قبل هذا التاريخ. في الخارج طوق أمني محكم لمحيط السراي، مئات العناصر من قوى مكافحة الشغب، ومئات آخرون من فرع المعلومات عدد منهم باللباس المدني، وعدد كبير من جنود الجيش اللبناني بآلياتهم المزودة بالرشاشات الثقيلة. أما في الداخل، فأقل ما يمكن وصفه بأنه انتظار لا يطاق... أما كل هذا الاحتراس فهو من المواطنين اللبنانيين الذين يمارسون أمراً واحداً: حرية التعبير بشروط سلمية.‏

"قلعة طروادة".. قد يكون التعبير مبالغاً فيه، لكن على الأقل هكذا أعطى رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة تعليماته لتحويل السراي الحكومي إلى حصن حصين. وبخطى يغلب عليها الفضول، تقدمت باتجاه السراي بصفتي صحافياً معتمداً فيه لتغطية نشاط السراي بعد أيام قليلة على بدء الاعتصام المفتوح أمامه من قبل قوى المعارضة.‏

البوابة الأولى: حاجز حديدي عند مدخل السراي لجهة السفارة البريطانية، فهو المدخل الوحيد الذي لم يغلق "بعد" بالأسلاك الشائكة. تأتيك عبارة متوقعة من قبل ضابط في قوى الأمن الداخلي: إلى أين؟‏

ج: أنا صحافي معتمد.‏

الإجابة كافية لاجتياز هذا الحاجز.‏

عشرات الأمتار تفصل الحاجز الحديدي عن مدخل السراي الرئيسي، لكن عدد العناصر الأمنية على اختلاف أنواعها يتجاوز عدد تلك الأمتار. هنا مجموعة من عناصر مكافحة الشغب مع شعار الفهود بحال جهوزية، وهناك رفاق لهم مستلقون على الرصيف لأخذ قيلولة، علماً أن عدداً من الخيم الصغيرة نصبت لهم بمحاذاة السراي، وبين هنا وهناك أرتال من ناقلات الجند والدبابات التابعة للجيش اللبناني، وقد بدوا أكثر انضباطاً من زملائهم في قوى الأمن الداخلي.‏

الحاجز الثاني هو عند البوابة الرئيسية لحرم السراي الحكومي، السؤال ذاته وهذه المرة مع طلب إبراز البطاقة، أما الحاجز الثالث فهو عند مدخل مبنى السراي، الإجراء ذاته يتبعه تفتيش بأجهزة كشف المعادن... رحلة تستغرق بعض الوقت وأخيراً، أصبحنا داخل السراي.‏

وزراء ... عاطلون عن العمل‏

"الانتظار السلبي بأسوأ أشكاله"، هكذا يمكن وصف الحالة التي يعيشها وزراء اللون السياسي الواحد مذ قرروا "الصمود" بوجه المعتصمين في جناح الضيوف الواقع في الجهة الغربية من السراي، المكان الأبعد نسبياً عن ساحة رياض الصلح والأقرب إلى السفارة البريطانية. "ضيوف" السراي لم يعد بإمكانهم إخفاء ملامح التعب والشعور بأنهم أصبحوا بلا فائدة بعدما وضعهم الحشد الجماهيري في موضع الوزراء الفاقدين للتأييد. سؤال واحد يتلقاه كل من الوزراء غازي العريضي، جهاد أزعور، طارق متري، نائلة معوض وأحمد فتفت وهم الضيوف شبه الدائمين في جناح الضيافة، ألا وهو: ما الذي تفعلونه هنا؟... لكن أحداً لا يعطيك جواباً حقيقياً.. والبعض منهم لم يعد يرد على هكذا أسئلة أمثال الوزيرة معوض التي استبدلت ملابسها الرسمية بقميص و"بنطلون جينز"، ربما لأن المكان لم يعد بروتوكولياً.‏

بعض الوزراء ذهب في التعبير أكثر، فوزير الداخلية العائد عن استقالته ليثبت حضوره في الحكومة الآيلة للسقوط حسن السبع "ضاق خلقه" من كثرة العناصر الأمنية داخل حرم السراي، فبادر أحد الضباط بالقول: "طيب برّا فهمنا، بس كمان هون..".‏

وحده الوزير طارق متري كان صريحاً، فقال لأحد الصحفيين رداً على السؤال ذاته: "يعني، عم نعمل اجتماعات يومية.. بس ما في شي.. ناطرين"، لكنه لم يوضح ما هو الشيء الذي ينتظرونه.‏

الرئيس السنيورة: وفود وخطاب مكرر‏

وحده الرئيس فؤاد السنيورة يجد ما يفعله في السراي الحكومي، طبعاً إلى جانب الاستماع إلى دعوته للاستقالة من قبل حشود المعتصمين. من الصباح وحتى ما بعد الظهر ينشغل الرئيس السنيورة باستقبال ما يقال إنها "الوفود الشعبية" التي "تأتي" أو يؤتى بها لتأكيد دعمها له. وفي القاعة الكبرى داخل السراي، يقف السنيورة لإلقاء الخطاب نفسه منذ اليوم الأول لبدء التحرك الشعبي:‏

- هذه الحكومة هي التي أوقفت العدوان الاسرائيلي على لبنان من خلال طرحها للنقاط السبع.‏

- هذه الحكومة هي التي أخرجت "إسرائيل" من الجنوب خلال شهر ونصف.‏

- هذه الحكومة هي التي نشرت الجيش في الجنوب لأول مرة منذ ثلاثين عاماً.‏

- يريدون لبنان ساحة مواجهة، ونقول لهم أتركونا نعيش.‏

- لديهم موقع رئاسة الجمهورية وهو معطل، ولديهم رئاسة مجلس النواب وهو معطل، والآن يتحججون بالمشاركة لتعطيل الحكومة، وفوق كل هذا هم الأقلية النيابية.‏

- ما يقوم به المعتصمون مضيعة للوقت، وليتحملوا مسؤولية ما يحصل في الشارع من احتقان.‏

يصفق الحضور "المحتقن" لكلام السنيورة برغم ضعف الحجة في معظم بنوده، فهذا ما هو مطلوب.. وإذا أعطي أحدهم الكلام فإنه يقول: "نحن نستند إلى انتخابات نيابية (بغض النظر عن الحلف الرباعي)، أما هم (أي المعتصمون) فيستندون إلى عشرين ألف صاروخ... السنيورة باق، والحكومة باقية".‏

شيء منطقي واحد يخرق هذا المشهد، فعند مدخل القاعة الكبرى تلك العبارة التي وضعها الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما جعل السراي مقراً للحكومة: "لو دامت لغيرك لما وصلت إليك".‏

ضياء أبو طعّام‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006‏

2006-12-09