ارشيف من : 2005-2008

الطائفة مع المقاومة والهوية العربية وضد الوصاية

الطائفة مع المقاومة والهوية العربية وضد الوصاية

الفرق بين الرئيس رياض الصلح، وبين الرئيس فؤاد السنيورة، أن الأول أدار ظهره للسراي الحكومي، وركز نظره على أكبر تجمع شعبي جاء الى ساحته مطالباً بإنقاذ الميثاق الوطني. أما الثاني فقد تحول الى تمثال لا يسمع صرخة الوطن ولا يرى شعبه، وأقفل الابواب على الحلول، وجلس في السراي يستقوي بالمذهبية وتحريك النعرات الطائفية.‏

واذا كان رياض الصلح هو الذي وضع الميثاق الوطني عام 1943 وساهم في استقلال لبنان فإن فؤاد السنيورة يريد قتل الميثاق بالضربة القاضية، واعادة لبنان اكثر من ستين سنة الى الوراء.‏

ومن أجل الميثاق، تحركت القيادات السياسية والدينية في الطائفة السنية لإقناع السنيورة بالتراجع عن مواقفه الرافضة لدعوات المعارضة بتشكيل حكومة اتحاد وطني على قاعدة المشاركة في السلطة، والكف عن استخدام لغة المذهبية في الخطاب السياسي، وهي لغة حركت العصبيات، وأدت إلى سقوط شهيد والعديد من الجرحى، لذلك تحرك الداعية فتحي يكن على خط المبادرات الهادفة الى كسر عناد رئيس الحكومة، مستنداً الى مرجعيته الدينية التي تتجاوز لبنان، ودار الفتوى، الى القيادة العالمية للاخوان المسلمين بصفته احد ابرز الاعضاء فيها، كما يستند ايضاً الى علاقته المميزة مع السعودية، فضلاً عن ادراكه للواقع اللبناني بتعقيداته، ولحال الطائفة السنية خصوصاً التي اختصرها الرئيس السنيورة بشخصه، وصادر مواقفها لمصلحة سياسات اقليمية ودولية.‏

وبغض النظر عن نتائج تحرك الداعية فتحي يكن المقرب من قائد الحركة الاسلامية التركية نجم الدين أربكان الذي عطل مبادرة رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان المنحازة الى التيار القابض على السلطة في لبنان، واعاد التوازن الى حد ما الى الخطاب السياسي السني، كما عطل تحركه مفعول تصريحات الرئيس المصري حسني مبارك.‏

إذاً وبغض النظر عن كل ذلك، فإن القيادات السنية التي ادركت خطورة سياسة السنيورة التي انتهجها منذ 12 تموز، سارعت الى التعبير عن مواقفها المتميزة عن السنيورة، والتأكيد على عروبة وقومية الطائفة السنية، وعدم الارتهان لقوى أجنبية، واملاءات السفراء، وذلك من خلال ثلاثة تكتلات سياسية هي: جبهة العمل الاسلامي، اللقاء الوطني، لقاء رؤساء الحكومات السابقين.‏

ولدت جبهة العمل الاسلامي في ظروف صعبة، وأكدت على موقف الطائفة السنية المؤيد والداعم للمقاومة، وعلى ضرورة حمايتها والانخراط فيها ورفض الوصاية الأجنبية، ويقول الشيخ زهير جعيد أحد أعضاء الجبهة، ان جبهة العمل الاسلامي التي يتقدمها الداعية فتحي يكن تسعى لتكون الاطار السني الذي يعبر عن وجهة نظر الطائفة السنية في القضايا المصيرية الكبرى، وتضم الجبهة بالاضافة الى الداعية فتحي يكن، حركة التوحيد بشقيها، وقوات الفجر، وعلماء دين من المشهود لهم كالشيخ عبد الناصر الجبري.‏

وأدت جبهة العمل الاسلامي دوراً بارزا لإقناع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بالاستقالة، أو الموافقة على تشكيل حكومة وطنية، والعودة الى نتائج طاولة التشاور قبل انفراط عقدها، وستحاول مجدداً لتمييز رسالة الطائفة السنية المؤيدة للمقاومة عن سياسات السنيورة.‏

أما التيارات السياسية الاخرى، ومنها تيار الرئيس عمر كرامي الذي يعتبر امتداداً لتاريخ سياسي حافل بالمواقف الوطنية، فقد رفض كل المحاولات الهادفة الى أخذ الطائفة السنية إلى موقع مناهض للخط الوطني، ويعمل الرئيس كرامي في اطار اللقاء الوطني للمحافظة على امتيازات الطائفة السنية التي أقرت لها بها وثيقة الطائف بعد حرب أهلية دامية، وتُعرِّضُها للضياع سياسة السنيورة وتحالفات تيار المستقبل مع القوات اللبنانية على وجه الخصوص.‏

وينتقد اللقاء الوطني انحياز دار الفتوى الكامل الى فريق سني ضد آخر، وهو انحياز لم يعد يُحتمل منذ استقبال المفتي محمد رشيد قباني لقائد القوات اللبنانية سمير جعجع في دار الفتوى، وهو المحكوم عليه بالاعدام بجريمة قتل الرئيس رشيد كرامي.‏

ووصفت مرجعية بيروتية لقاءات رؤساء الحكومة السابقين والبيانات السياسية الصادرة عنهم بالخطوة الوطنية التي لم يفهم أبعادها الرئيس السنيورة، وبدل ان تُحفزه لاتخاذ القرار الكبير بالاستقالة والعودة مجدداً لتصحيح الوضع الحكومي على أسس تحترم الدستور وميثاق العيش المشترك فإنه تمترس خلف مواقف جامدة تهدد مصير البلد.‏

وتتوقع القيادات الوطنية في الطائفة السنية ان يؤدي الحراك داخل الطائفة السنية الى ولادة تيار سياسي منفتح على خطاب الاصلاح والتغيير، ودعوات المعارضة لقيام حكومة وحدة وطنية، ووضع قانون انتخابي عادل تمهيداً لمرحلة جديدة من تاريخ لبنان السياسي تبدأ بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ويقول خالد الرواس أمين عام حركة الناصريين الديمقراطيين إن هذا التيار لا يريد مناهضة الرئيس السنيورة شخصياً، ولا منافسة تيار المستقبل، انما يسعى للتعبير عن وجهة نظر سنية مختلفة عن سياسات السنيورة وتيار المستقبل، ويهدف هذا التيار الذي يتقدمه الداعية فتحي يكن وخلفه جبهة العمل الاسلامي، والرئيس عمر كرامي ومعه اللقاء الوطني، فضلاً عن مرجعيات دينية مثل الشيخ عبد الناصر الجبري والشيخ زهير جعيد ومفتي صيدا والجنوب الشيخ أحمد الزين، الى المحافظة على الهوية الوطنية للطائفة السنية. وهذا التيار ساهم ويساهم بفاعلية في تنفيس الاحتقان الطائفي داخل الطائفة السنية، وطمأنة الطائفة الشيعية من خطاب تيار المستقبل، ومن أهداف مرابطة السنيورة في السراي الحكومي واستجداء الدعم الدولي، والاستقواء بالمواقف الصادرة من الولايات المتحدة وعواصم أوروبية رئيسية.‏

ساهمت كلمة الشيخ عبد الناصر الجبري مدير كلية الدعوة التي ألقاها في المعتصمين بساحة رياض الصلح في الحد من موجة العنف في بيروت والمناطق بعد أحداث منطقة قصقص، لأن الشارع السني أدرك أن علماء الدين لا يمكن أن ينحازوا الى جهة ضد أخرى، وان وظيفتهم التقريب وحقن الدماء، وأكد الشيخ الجبري أن كلمته كانت موجهة ايضاً للشيعة ولجميع الطوائف للبقاء في اطار التعبير عن الرأي بالكلمة، وقال ان الطائفة السنية مع مشروع المقاومة من العراق الى فلسطين ولبنان حتى لو وقفت الأنظمة في مكان مختلف.‏

أما خالد الرواس الناصري الثابت على نهج الناصريين الديموقراطيين فاعتبر ان الطائفة السنية تملك من الوعي والادراك القومي والوطني ما يجعلها طائفة تعمل باتجاه بناء الدولة العادلة والقادرة التي تحتضن المقاومة وتدافع عنها ايضاً، معتبرا ان أهل السنة في لبنان هم في طليعة المشروع الوطني والقومي، وستثبت الأيام القادمة ذلك.‏

قاسم متيرك‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-09