ارشيف من : 2005-2008

البحر الميت.. نموذجاً

البحر الميت.. نموذجاً

منذ تأسيسه عام 1970، اقتصر المنتدى الاقتصادي العالمي على عقد جلساته في منتجع دافوس، وسط ثلوج مرتفعات جبال الألب السويسرية. لكنه انتقل عام 2002 لينعقد للمرة الأولى خارج سويسرا في نيويورك، تضامناً معها بعد تعرضها لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر. ومن منتدى اقتصادي يجمع كبار رجال المال والأعمال الأوروبيين للتداول في سبل المحافظة على المواقع وتوسعتها في زمن العولمة الصاعدة، تطور المنتدى تدريجياً ليصبح عالمياً، وليضيف إلى اهتماماته الاقتصادية اهتمامات سياسية مباشرة ومن النوع الأكثر حساسية.. وبعد نيويورك مباشرة عقد المنتدى لقاءه الثاني خارج دافوس في البتراء في الأردن عام 2003، وأكد في أدبياته أن اختيار الأردن جاء تقديراً لدوره الإقليمي.‏

والواضح أن السمات الأكثر بروزاً لهذا الدور هي التطبيع الأردني مع "إسرائيل"، و"اعتماد سياسات معتدلة وحكيمة ومعادية لما يسمى بالإرهاب"، في وقت تشهد فيه المنطقة تجاذبات حادّة في ظل استمرار العدوان والاحتلال الإسرائيليين، والتدخل العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق ولبنان. والواضح أيضاً أن التقدير الدولي لدور الأردن قد بلغ حداً من القوة جعل المنتدى الاقتصادي يختاره مرة أخرى هذا العام، ليعقد فيه لقاءه السنوي في "الشونة"، على شاطئ البحر الميت، أي في أقرب نقطة ممكنة من الأراضي المحتلة.‏

وإذا كانت الدوحة والمنامة قد برزتا مؤخراً لوقوع الاختيار عليهما لعقد مؤتمرات ومنتديات اقتصادية عالمية كبرى، فإن تركيز المنتدى الاقتصادي العالمي على الأردن أوضح صلة بالشأن السياسي المرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي، وخصوصاً أن الأردن كان قد أعلن بوضوح على لسان كبار مسؤوليه، أنه لا يستطيع انتظار حل صراع عمره خمسون عاماً للبدء بإصلاح أوضاعه الاقتصادية.. وهو الكلام الذي عاد وتكرر في "الشونة" على لسان مسؤولين أردنيين أكدوا أن غياب الحل لا ينبغي أن يُستخدم ذريعة لعدم إطلاق عمليات الإصلاح.‏

أيديولوجيا تروّج بشكل واضح لصيغة باتت متداولة: دعونا لنعيش ونتطور بعيداً عن الصراعات! نوع من الطلاق البائن بين السياسة والعيش، أو بكلام آخر نوع من السياسة التي ترهن العيش بالتخلي عن كل سياسة ذات وجه تحرري، كما في قضية الرواتب التي يراد لها في غزة والضفة الغربية أن تكون بديلاً عن حقوق الشعب الفلسطيني، وغطاءً على مآسيه منذ خمسين عاماً.. أو كالاقتصاد المترنح في لبنان منذ عقود، والذي وجد البعض فرصة للتباكي عليه فقط عندما نزلت الجموع إلى الشارع مطالبة بحكومة تعكس الاحتياجات الفعلية للمجتمع.‏

أما الإصلاحات التي تعطى كل هذه الأولوية في الأردن فهي ذاتها تلك التي جاء نائب وزيرة الخارجية الأميركية روبرت زاليك، للترويج لها داخل وخارج المنتدى الاقتصادي في لقاءاته مع "مسؤولين رفيعي المستوى من جميع أنحاء المنطقة": السلام والرخاء والأمن في الشرق الأوسط الكبير. وهي نفسها التي تحدثت عنها كوندوليسا رايس عندما اعتبرت أن المواقف "العاطفية" المعادية للسياسة الأميركية في العراق والأراضي المحتلة ولبنان لا تلغي الواقع المتمثل بالاتفاق على أهمية الإصلاحات. وإذا كنا نفهم المقصود بالسلام والأمن كركنين من أركان الإصلاح عبر تعبيراتهما في السياسات العدوانية الأميركية الإسرائيلية تجاه العراق وفلسطين ولبنان، فإن الرخاء الذي يُبشر به ينطوي على خديعة مشابهة لخديعتي السلام والأمن.‏

إنه الرخاء من وجهة نظر أصحاب الرساميل والشركات العابرة للقارات التي تقلص الاقتصاد إلى مفردات المنتجعات وسلاسل الفنادق والمطاعم والمتاجر ودور الخدمات التي تهم الفئات الثرية والباحثة عن المزيد من الثراء. وسياسة الرخاء هذه التي يراد تعميمها على الشرق الأوسط الكبير، هي استمرار لسياسات إعادة الهيكلة التي دمرت اقتصاديات العالم الثالث وأغرقته بالمديونيات، وحولت سكانه إلى أقلية متضائلة العدد باستمرار من أصحاب المليارات، إلى أكثرية متزايدة العدد باستمرار من الفقراء. صحيح أن الاستثمارات الإصلاحية تخلق فرصاً للعمل في مجالات الصيرفة والفنادق، لكن هذه الفرص لا تغطي واحداً في الألف من أرقام البطالة المليونية المستشرية في بلداننا. وإذا كانت الخديعة "تنطلي" على من يظنون أن الإصلاحات الأميركية ستحوّل مجتمعاتنا إلى مجتمعات "مرفّهة" على الطراز الغربي، فإن هؤلاء لا يأخذون بعين الاعتبار واقع أن الرفاه الغربي لا يعود إلى الطبيعة القويمة للإصلاح الرأسمالي، بل إلى الغزو الذي تفرضه الرأسمالية على مقدرات الشعوب الضعيفة، وأن حصة الشعوب من هذا الرفاه لا يمكن أن تتجاوز حدود المتنفذين الذين باتوا يجمعون سلطة المسؤولين السياسيين والعملاء التجاريين.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر2006‏

2006-12-09