ارشيف من : 2005-2008

بين القول وقائله

بين القول وقائله

إذا كان الأسلوب هو حركة الروح على حد تعبير "أرتورو كابديغيلا"، فلا ينبغي للناظر في المشهد السياسي اللبناني وهو يقرأ عناوينه العريضة ويتأمل في تفاصيله الصغيرة، أن يغيّب الحقل النظري والشرط التاريخي الذي نشأ فيه. وإذا كان قول "كابديغيلا" الآنف ينحو منحى عدم الفصل بين القول والعقل، وإذا كان الإنسان برأيه موحداً ولا فواصل بين داخله وخارجه، وكان كل منهما امتدادا للآخر، فإن القول السياسي اللبناني الراهن ملتصق بقائله وشرطه التاريخي وفضائه الثقافي والاجتماعي أوسع الالتصاق، وإن أي فصل بين القول وقائله أو أي تغييب للحقل النظري الذي نشأ فيه سيؤدي حتماً الى عدم القدرة على إضاءة اللحظة السياسية الراهنة، وعدم إمدادها بالتأويلات المختلفة. كما أنه سيؤدي الى حرمان النظرية من قراءة إمكانيتها الذاتية وقدرتها على معالجة الظواهر السياسية المختلفة.‏

إن التباين بين القولين السائدين اليوم في البلد ما هو سوى صراع بين أخلاق الأول وأخلاق الثاني على حد تعبير لوكاتش. إنه الصراع بين النظريتين الأخلاقيتين والمناخين الثقافيين اللذين يمليان المؤسسات والبنى الاجتماعية والأخلاق الصادرة عن أوامر الروح.‏

إن النظام الاجتماعي ـ الثقافي هنا هو قوة قاهرة كاسحة تملي القول والفعل والأسلوب.. إننا إزاء نظريتين ونظامين وقولين أحدهما ينادي بالقوة والغريزة والغلبة، وآخر ينادي بسيطرة العدالة والعقل والرحمة والشفافية.. إننا إزاء أسلوبين، بل إزاء ثقافتين وروحين. هذا التمييز هو شرط القراءة الصحيحة للمشهد السياسي اللبناني وقوامها، ومن دونه (التمييز) لن تجد الأسئلة القلقة أبعادها الفكرية، وستبقى تراوح مكانها وتؤسس دلالاتها الثقافية الاجتماعية للرائي شيئاً فشيئاً، حتى لتبدو للرائي بلا معنى، وهذا الضياع عينه.‏

حسن نعيم‏

الانتقاد/ نقطة حبر ـ العدد 1191 ـ 1 كانو نالاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01