ارشيف من : 2005-2008
دماء المقاومة العسكرية ودموع المقاومة السياسية من يصنع النصر في لبنان وفلسطين
كتب يحيى دبوق
أظهر استطلاع للرأي نشر أخيرا في صحيفة "هآرتس" (6/12/2006)، أن أغلبية الجمهور الإسرائيلي يعتقد أن "إسرائيل" وافقت على وقف إطلاق النار، برغم ما أشيع عن أنه مقدمة للتفاوض، لأن الوسائل العسكرية الإسرائيلية لم تستطع إيقاف صواريخ القسام. وهو استطلاع آخر يُضم إلى سلسلة واسعة من التصريحات والتحليلات الإسرائيلية في هذا المجال، عن عدم قدرة "إسرائيل" على إيجاد حل عسكري لمعضلة صواريخ غزة.
من جهة ثانية ومتصلة، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية انه كان بإمكان "إسرائيل" مواصلة الحرب في لبنان ومحاولة إطلاق سراح الأسيرين من قبضة حزب الله، إلا أن ذلك كان يعني مزيدا من القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي ومزيدا من العائلات الثكلى. وينضم هذا التصريح بدوره إلى جملة من التصريحات والتحليلات والدراسات المنشورة في الكيان الإسرائيلي، عن إخفاق الجيش الإسرائيلي في مواجهة حزب الله وعدم القدرة على "تحقيق المهمة".
من جهة ثالثة ومتصلة أيضا، أعلنت "إسرائيل" شبه استسلام في مواجهة المشروع النووي الإيراني، برغم بعض التصريحات الشاذة أخيرا والمعروفة الأسباب. وهو شبه استسلام يرتبط أساسا بعدم القدرة على مواجهة إيران، أو بعدم تحمل تكاليف أي عمل عسكري مشكوك في فاعليته.
على الجبهات الثلاث، أي بما يشمل كل دوائر المواجهة مع "إسرائيل"، داخليا لجهة الصراع مع الفلسطينيين، وفي الدائرة القريبة مع لبنان وسوريا، والبعيدة مع إيران، لا يبدو أن "إسرائيل" في أحسن حالاتها، وكل ما أشيع في السنوات الماضية في أعقاب الغزو الأميركي للعراق وثورة الأرز في لبنان والتراجع محور الممانعة، بما يفضي إلى تغيير في المحيط الاستراتيجي لـ"إسرائيل" وانصبابه في مصلحتها، يتداعى رويدا رويدا لتنزلق معه "إسرائيل" إلى منحدر تفقد معه أدوات المواجهة.
وقد اتجهت أطراف عربية، ومنها لبنانية، إلى إسناد عملية إنهاء الحرب على لبنان، إضافة إلى التهدئة الأخيرة في فلسطين، إلى منطق التفاوض والاستسلام الذي تتبعه جهات وأطراف عربية، وهو المسمى بمنطق "المقاومة السياسية". وحاولت هذه الأطراف المسماة بدورها "معتدلة" من قبل "إسرائيل"، الترويج لهذا المنطق ولجدواه، من دون أي رابط منطقي ترتبط به.
تروّج جهات عربية ولبنانية أيضا، أن وقف إطلاق النار في لبنان بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة، جاء نتيجة لمنطق "المقاومة السياسية" والجهود الدبلوماسية المبذولة من قبل الحكومة اللبنانية.. أي ان "إسرائيل" بعد أن شن جيشها حملته البرية الواسعة التي مُني خلالها بخسائر فادحة في الأرواح والعتاد، قبلت وقف إطلاق النار نتيجة دموع الدبلوماسية اللبنانية. علما بأن المنطق الإسرائيلي الموروث في جينات الإسرائيليين منذ بداية مشروعهم الاستيطاني في المنطقة، يتأسس وينطلق ويتحرك من خلال استراتيجية: "إن لم تنفع القوة فمزيد من القوة".
يعترف إيهود أولمرت وكبار المسؤولين الإسرائيليين بأنه كان من شأن مواصلة الحرب على لبنان أن توقع المزيد من القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي، برغم القدرة المادية على مواصلة الحرب. أي ان صانعي القرار في الكيان الإسرائيلي كانوا أمام موازنة ما بين الثمن والمنفعة، وبالتالي لعب ارتفاع الثمن دوره ـ كما يقول أولمرت ـ في إيقاف الحرب على لبنان. ولا جدال في أن المقاومة هي جهة تدفيع الثمن.
نذكر أن أربع فرق في الجيش الإسرائيلي قد أوكل إليها خلال الحرب شن العملية البرية الواسعة على لبنان، وهدفت إلى السيطرة على جنوب نهر الليطاني و"تطهيره" من حزب الله.. الفرق هي: فرقة الجليل بقيادة العميد غال هيرش، فرقة الفولاذ بقيادة العميد غاي تسور، وفرقة الاحتياط المدرعة بقيادة العميد إيرز تسوكرمان، وأخيرا فرقة الاحتياط المختارة بقيادة العميد إيال إيزنبرغ.. وكل من القادة العسكريين الأربعة الذين تفصلهم رتبتان عن رئيس هيئة الأركان، يصارعون على بقائهم في الجيش ومستقبلهم العسكري نتيجة إخفاقاتهم في الحرب.. بل إن واحدا منهم وهو قائد فرقة الجليل، هيرش، استقال من منصبه. ولم تذكر أي لجنة تحقيق في "إسرائيل" سواء تلك التي شكلها إيهود أولمرت أو لجان التحقيق الداخلية في الجيش الإسرائيلي، أن سبب إنهاء الحرب كان مواجهتهم للمقاومة السياسية في لبنان.
الحديث الإسرائيلي عن إخفاقات الحرب وفشلها، إضافة إلى تشكيل لجان تحقيق مختلفة ومتنوعة، كاف بحد ذاته، ليقدم دليلا كاملا على أن "إسرائيل" أخفقت ميدانيا في الحرب. الإخفاق هو السبب الدافع لإيقافها، والسبب الدافع لتشكيل لجان تحقيق، ودليل على نجاح المقاومة المسلحة ومنطق الدم.. وكفى استخفافا بعقول الناس.
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018