ارشيف من : 2005-2008
الفتنة أعلى تعبير عن خيبة مَنْ يلجأ إليها:وطنية المعارضة وفتنة الفريق الحاكم
إنّ إجراء جردة حساب أولية لحصيلة أسبوع من تحرك المعارضة الوطنية يقود إلى التالي:
أولاً: نجحت المعارضة في تظهير وجودها الشعبي الأكثري في سياق من التحرك السلمي والحضاري، يزيد من أهميته أنه يأتي متلقفاً ومتجاوزاً كل محاولات ومساعي وجهود الفريق الحاكم لمحاصرة هذا التحرك بالتهديدات والمخاوف والهواجس والتوتير.
هذا النجاح يستحق اعتباره مفصلاً حاسماً في عملية التغيير الديمقراطي السلمي الذي تلاقى عليه أغلبية اللبنانيين. وهذا بدوره يلقي بلا شك مسؤولية كبيرة على عاتق المعارضة التي تناط بها اليوم مسؤولية النهوض بقيادة عملية التغيير هذه إلى أهدافها الوطنية المطلوبة.
ثانياً: ثمة في الإنجاز الآنف ما يتجاوز حدود تظهير الوجود الشعبي على أهميته، فهذا التظهير سبق أن جُرب في أكثر من مناسبة، سيما مناسبة الاحتفال بالانتصار ومناسبة 15 تشرين الثاني الآنف العاصف.
ما يمكن قوله هنا، أن المعارضة نجحت في إسقاط الادعاء الديمقراطي للحكومة والقوى الداعمة لها في الخارج، فبدأ الكلام عند الجميع عن أزمة في لبنان تهدد وحدته الوطنية.
ثالثاً: كان إلقاء العماد ميشال عون كلمة المعارضة الوطنية تدشيناً لتقليد جديد في التحالفات السياسية، وحمل إشارة حاسمة على وحدة المعارضة وطابعها الوطني العام.
رابعاً: لا يتوقف نجاح المعارضة على اليوم الأول من التظاهر، بل يتجسد أيضاً في قدرتها على الاحتفاظ بقوة الزخم للحضور الجماهيري، والاحتفاظ بالمبادرة على هذا الصعيد.
خامساً: إن معاينة مباشرة لعملية التفاعل التي تحدث على الأرض بين مختلف مكوّنات المعارضة الأيديولوجية والسياسية والثقافية، تشهد على وجود مختبر فعلي هو الأول من نوعه في التاريخ اللبناني للانصهار الوطني، على نحو تجري بها عملية اكتشاف وتعارف متبادلين من دون وسائط، أقل ما يقال فيها ـ الوسائط ـ انها عدائية.
ثمة تشكل جديد لعملية اختلاط وطنية تكسر الحواجز الطائفية والمذهبية، من شأنه أن يؤسس لبنات أولى نحو تجاوز مستقبلي لواقع النظام الطائفي الحالي.
سادساً: لا شك في أن المعارضة نجحت في الفوز بالاستفتاء الشعبي لمصلحة مشروعها السياسي الوطني، ما يجعل نجاح هذا المشروع مسألة وقت، وإن كان من المتوقع أن يطول نسبياً بسبب ارتكاز الفريق الحاكم إلى ارتباطاته بالخارج واستقوائه بهذا الخارج، بدلاً من الاستناد إلى الحسابات المحلية والوطنية.
سبعاً: الحوادث التي وقعت أمس نتيجة اعتراض مجموعات من ميليشيا الحريري لمتظاهرين مسالمين كانوا يشاركون في الاحتجاج الشعبي، سبقتها وواكبتها لغة سياسية مشحونة بالتحريض المذهبي، وحافلة بمفردات الفتنة.
كان واضحاً منذ فترة غير قصيرة أن فريق السلطة يسعى إلى التحصن بالفتنة، ليقطع الطريق على التغيير السياسي الذي يلقى تأييداً شعبياً واسعاً وشاملاً من جميع الطوائف والمناطق دون استثناء. ولم تفلح محاولات الفريق الحاكم في تشويه صورة المشاركة الشعبية الشاملة منذ اليوم الأول للطوفان الجماهيري الذي تدفق إلى ساحات بيروت من كل لبنان.
من نافل القول أن وصفة الفتنة المسمومة وصفة أميركية المنشأ، وهي من أبرز مشروع العرقنة والتفتيت، لكنها ليست أمراً جديداً بالنسبة الى العقلية السياسية اللبنانية، حيث يجري التقهقر إلى الحصون الطائفية أو المذهبية لحماية المصالح السياسية والمالية والاقتصادية، خصوصاً في اللحظة التي يشعر فيها الفريق المهدد بأنه لم يعد يملك في يده من الأوراق ما يعينه على المواجهة.
ثامناً: إن المخطط العام للفريق الحاكم بات مفضوحاً، لا سيما بعد انفضاحه الداخلي ونجاح المعارضة في تظهير حقيقة التوازنات الداخلية. وقوام هذا المخطط يرتكز على:
ـ إخراج العناوين المسيحية (جعجع) والدرزية (جنبلاط) من عملية المواجهة، لمحورة المواجهة في إطارها المذهبي وبقيادة مباشرة من تيار المستقبل، وبالتالي وضعها في إطار سني ـ شيعي.. (في هذا الإطار نستطيع أن نقرأ إصرار الفريق الحاكم على إلغاء الطابع الوطني لمسيرة يوم الجمعة، والتركيز على أنها من لون واحد وجهة واحدة، هي الشيعة عموماً، وحزب الله تحديداً). وكذلك إصراره على تصوير معركة تغيير الحكومة لمصلحة إنتاج حكومة وحدة وطنية كأنها معركة إسقاط طائفة لطائفة، أي الطائفة الشيعية للطائف السنية.. إلخ).
ـ اللجوء إلى توتير الأوضاع الأمنية لإيجاد مناخ تهويلي يشير الى أن الأمور قد تفلت من الأيدي وتنزلق نحو مهاوٍ خطرة. هذا إضافة إلى خطف بعض المناطق بحركات هي أشبه بحركة عصابات لا بتظاهرات شعبية، بغية وضعها في ظروف أمنية ضاغطة تجعل مشاركتها في عمليات المعارضة أمراً محفوفاً بالتهديدات والأخطار. هذا إضافة إلى سعي هؤلاء للضغط أمنياً على حركة الجماهير بغية تقليص اندفاعها للمشاركة في الاعتصامات.
ـ مذهبة الصراع لها وظيفة أخرى لدى الفريق الحاكم، ترتكز على إيجاد رابط بين ما يجري في لبنان وما يجري في المنطقة، خصوصاً في العراق، الأمر الذي يفيده في استدعاء التدخل الإقليمي والدولي: التدخل الإقليمي بثالوثه العربي: السعودي والمصري والأردني، الذي يحاول اصطناع دور له يقوم على الصراع المذهبي، انطلاقاً من حسم هذا الثالوث خياره لمصلحة الوقوف مع المشروع الأميركي في مواجهة مشروع المقاومة بقاعدتيه الإيرانية والسورية.
والتدخل الدولي بقيادة واشنطن تحديداً، التي تقود ما يسمى اليوم "حلف المعتدلين" من العرب، في مواجهة محور المقاومة والممانعة بقيادة إيران وسورية.
بهذا المعنى يجري إقحام حكومة السنيورة ضمن هذا الحلف، في مسعى لتوفير حماية عربية ودولية لها.
ـ الإكثار من الكلام حول التهديد الذي يمكن أن يصيب عملية التطبيق التي يقودها الفريق الحاكم للقرار 1701، اذا ما لو أُسقطت حكومة السنيورة. والمخاطَب هنا تحديداً هو الإسرائيلي، بل المستدعى هو الإسرائيلي للتدخل في الشأن اللبناني، وهذا ما حدث بالفعل.
مجمل هذه الخطة العامة إذا كانت تقول شيئاً، فهي تقول التالي: إن فريق السلطة لم يعد يملك شيئاً، وإن كل ما يملكه هو الإسناد الدولي وبعض العربي. وهذا الإسناد له مهمة وحيدة اليوم هي إنقاذ هذا الفريق من السقوط النهائي، لأن مجمل القوى الداعمة له تدرك أنه لا إمكان لكسر المعارضة بعد أن جربت كل الخيارات الممكنة في هذا الإطار. من هنا تبدو الدول الداعمة لفريق السلطة محكومة بالبحث عن مخارج، لا دفع الأمور نحو الصدام، وإن هوّلت به، لأن أي مغامرة غير محسوبة من هذا النوع لن تكون لمصلحة حلفائها في النهاية.
خلاصة الأمر: المسألة مسألة وقت، خصوصاً أن المعارضة لم تقل بعد كل ما عندها، وما عندها كثير كثير.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018