ارشيف من : 2005-2008
إفشال أميركي للمبادرة العربية والمعارضة تتحضر للمرحلة الثانية من تحركها
المفتوح في ساحتي رياض الصلح والشهداء في وسط العاصمة، والذي كان توج الأحد الماضي بالتظاهرة المليونية التي فاجأت الداخل والخارج بحجم الحشد غير المسبوق في تاريخ لبنان، في وقت كانت المبادرة العربية التي قادها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بمساعدة الموفد السوداني مصطفى عثمان اسماعيل لحل الأزمة السياسية المستفحلة في البلاد "تترنح" أمام الألغام ووضع العصي في دواليبها من قبل الفريق السلطوي الذي تلقى التعليمات الاميركية الواضحة بضرورة العمل على منع المعارضة من امتلاك الثلث زائد واحد في حكومة وحدة وطنية، لأن من شأن ذلك وضع المسمار الأخير في نعش المشروع الاميركي الآيل إلى الانهيار في المنطقة.
موسى صاغ مبادرته المتكاملة وفق سلة من الأفكار والطروحات، وقام مع المبعوث السوداني بجولة على أقطاب فريق السلطة وأقطاب المعارضة طوال نهار وليل الأربعاء، شارحاً تفاصيل مبادرته التي تحمل سلة من البنود المتعلقة بحكومة الوحدة والمحكمة الدولية ورئاسة الجمهورية والانتخابات النيابية المبكرة. وهو حصل على أجوبة واضحة ومفصلة من قبل حركة أمل وحزب الله في الاجتماع المطول الذي عقد على مدى ثلاث ساعات في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، والذي حضره رئيس مجلس النواب نبيه بري والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل والنائب علي حسن خليل والموفد السوداني مصطفى عثمان اسماعيل. وهذه الأجوبة التي تلقاها تؤكد على الموقف الثابت للمعارضة انطلاقاً من حكومة وحدة وطنية تحصل فيها المعارضة على الثلث الضامن بما يؤمن الشراكة الحقيقية في الحكم، والانفتاح على باقي البنود، وانتقل بعدها موسى الى السرايا الكبير حيث التقى رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة بحضور "الذائع الصيت في تفشيل المبادرات العربية" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وما رشح عن ذلك الاجتماع أن الأمور بقيت عند الحائط المسدود مع اصرار واضح على تفشيل المبادرة من خلال قلب الأولويات عبر "طلب انهاء المعارضة للاعتصام المفتوح، والخروج من الشارع، وإقرار المحكمة الدولية، ثم يجري البحث في توسيع الحكومة".
وفي هذا السياق تلفت مصادر متابعة الى الموقف الاميركي الذي أعلنه أكثر من مسؤول في الادارة الاميركية لجهة رفض واشنطن تشكيل حكومة وحدة وطنية موضحة "ان الاميركي يعتبر أنه بمجرد تشكيل حكومة وحدة وطنية خسر مشروع وصايته على لبنان"، وبالتالي فما دام هذا هو الموقف الاميركي فالفريق الحاكم لن يغير موقفه من حكومة الوحدة، وعليه ستبقى الأمور على حالها، وتنسب بعض الأوساط الى عمرو موسى أنه سمع تكراراً للموقف الاميركي خلال لقائه أحد أقطاب الفريق الحاكم، ما يعني أن الموقف الاميركي على حاله، وهو لم يعط أوامره لفريق السلطة لتسهيل الوصول الى تفاهم حول الأزمة السياسية. ولكن لدى طرح السؤال عن السبب الذي دفع موسى الى قطع زيارته الى واشنطن والعودة الى لبنان، وهل يعقل أن يكون خالي الوفاض؟ تقول مصادر مقربة من الرئاسة الثانية اطلعت على فحوى محادثاته مع الرئيس بري "أنه لم يتغير شيء في كلام موسى عما قاله قبل أن يذهب الى واشنطن".
المصادر المتابعة تشير الى أن الفريق الحاكم وبإملاءات اميركية واضحة ومعلنة سعى بكل جهده لإفشال المبادرة العربية، وفي هذا السياق جاءت أيضاً خطوة اعادة اقرار مسودة مشروع المحكمة الدولية في اللقاء الوزاري للفريق الحاكم تمهيداً لإرساله الى مجلس النواب ضاربة عرض الحائط بجميع المبادئ الدستورية، ومهيئة لحملة تطال مؤسسة مجلس النواب ورئاسته بعدما هشمت صلاحيات رئاسة الجمهورية ومؤسسة مجلس الوزراء التي لا تقوم الا على شرعية الميثاق الوطني والعيش المشترك. وهنا لفتت بعض الأوساط الى ارباك واضح يعاني منه فريق السلطة، حيث تسأل أين اصبح مشروع المحكمة؟ هل أرسل الى مجلس النواب؟ أم سيعاد الى رئيس الجمهورية الذي كان رده لمخالفته لأصول الدستور، وفي حال ارساله الى المجلس النيابي فقد بات واضحاً ان رئاسة مجلس النواب ستتعاطى مع المشروع كأنه لم يكن ولم يصل لأنه لم يسلك الطرق الدستورية، فضلاً عن أنه صادر عن سلطة فاقدة للشرعية الدستورية. وتضيف الأوساط أن الفريق الحاكم يدرك مع راعيه الاميركي أن الذهاب مباشرة الى مجلس الأمن لإقرار المحكمة وفق الفصل السابع دونه عقبات جدية في مقدمتها الموقف الروسي الذي هدد باستخدام حق النقض "الفيتو" اذا لم يأت مشروع المحكمة وفقاً لأحكام الدستور اللبناني، وهو الأمر الذي سيحاول رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة بحثه مع المسؤولين الروس خلال زيارته.
في هذه الأثناء كانت المعارضة تواصل تحركها الضاغط عبر الاعتصام المفتوح في وسط العاصمة، وهي تعمل على قاعدة النفس الطويل مدركة أن الفريق السلطوي بات محشوراً ومربكاً ولم يعد لديه سوى "أوكسجين الوصاية الأجنبية" بعدما فقد شرعيته الدستورية والشعبية، وتشير مصادر المعارضة الى أن وهج الحشد الشعبي لم يستنفد بعد بالتوازي مع استمرار الاعتصام المفتوح الذي سيتواصل حتى تحقيق الأهداف، وترافق ذلك مع اجراءات لوجستية اضافية في ساحتي الشهداء ورياض الصلح. وتؤكد المصادر أن المعارضة التي أعطت فرصة للمبادرة العربية مستمرة في خطواتها التصعيدية السلمية، ومنها المرحلة الثانية التي لم تعد بعيدة.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018