ارشيف من : 2005-2008

المعارضة كسبت معركة الشارع بعد الدستورية.. ورسائلها وصلت

المعارضة كسبت معركة الشارع بعد الدستورية.. ورسائلها وصلت

أية صورة يمكن رسمها للمشهد السياسي اللبناني بعد دخول اعتصام المعارضة الوطنية أسبوعه الثاني؟ وأي وجهة تنتظر هذا البلد في ضوء الحصيلة العامة التي ستستقر عليها توازنات القوة الداخلية، والخارجية المؤثرة أو المتفاعلة مع العناصر الذاتية المقومة للقضية اللبنانية؟‏

يمكن القول، حتى الآن، إن المعارضة اللبنانية الوطنية، نجحت في حسم معركة الموقف الشعبي لمصلحتها بأرجحية غالبة وكبيرة، وبهذا النجاح وضعت المدماك التحتي لحركتها المطلبية الداعية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ناسجة بذلك مشروعية متماسكة وقوية لهذا المطلب، يزيد منها الخلل الدستوري الفاضح الذي تعاني منه حكومة الفريق الحاكم اليوم. ولا شك، أن هذين المعطيين يؤسسان لدينامية قوية لحركة المعارضة في ما لو أرادت لاحقاً تجاوز حالة التسامح التي ما فتئت تمنحها للفريق الحاكم، حرصاً منها على تقليل كلفة الأضرار العامة، كثمن ضروري يدفع من أجل إرساء الواقع اللبناني على صيرورة وطنية فعلية.‏

في المقابل، يحرص الفريق الحاكم على التمسك بموقعه السلطوي، مظهراً عناداً، وممارسات، لها وظائفها النفسية ـ السياسية، أكثر مما هي تعبير فعلي عن واقع حقيقي، التوازن السيكو ـ سياسي هنا مطلوب، ويجد تعبيراته بالعناد الطفولي الذي يسعى الى توكيد الأنا في عالم الكبار، وللإيحاء الذاتي، بالقوة والاستمرار بالحياة، وليست المشاغبات الأمنية التي يقوم بها الفريق الحاكم، والملاذات المذهبية التي يأوي اليها، إلا مزيداً من التأكيد الآنف، أي ان المشاغبات تعويض عن نقص القوة، وصرخة لمن يهمه الأمر بأن التفتوا الي، كما أن الملاذ المذهبي هو بمثابة ارتداد الى الولاء الأولي، حيث يمكن استشعار الأمان الأخير، حتى لو كان على حساب الاطمئنان العام، أي الاطمئنان الوطني. ما تقدم، يفسر الى حد كبير النجدات الدولية التي تكاد تكون يومية للفريق الحاكم، وهنا نميز التالي لأسباب محض سياسية:‏

ـ النجدة الأميركية، اللافت هنا أن هذه النجدة تتألف هذه المرة من بعدين: نفي وإثبات، نفي التهمة عن واشنطن بالذات، تهمة أنها تريد بيع الفريق الحاكم على طاولة المفاوضات الدولية التي يعمل على إنضاجها في المنطقة، انطلاقاً من الكارثة الأميركية في العراق. أن تجد واشنطن نفسها مضطرة للنفي، فهذا يعني ضمناً ان هناك شيئاً ما، وأن مثل هكذا مخاوف تفعل فعلها في الفريق الحاكم، ولو كان هذا الفريق يعي نفسه بالفعل أنه حليف لواشنطن لما خاف، لكنه يعي نفسه كتابع، كورقة قابلة للبيع حين تحين ساعة البيع، أما الإثبات، فيكشف عن مطلبين: الأول، إزالة مخاوف الفريق الحاكم من جهة، ولزرقه بشحنات معنويات من جهة أخرى، بما يتيح له الصمود في مواقعه، وعلى مواقفه، والثاني، يشير الى أن المفاوضات الدولية ـ الإقليمية حول الملف اللبناني ما زالت عالقة، وتحتاج الى المزيد من الأخذ والرد، وبالتالي الى المزيد من الوقت، سواء لتعقيداتها الخاصة، أم للتعقيدات الخاصة بالأبعاد الإقليمية للمسألة اللبنانية.‏

ـ النجدة الفرنسية، وإن كانت طبيعية، لكنها تجد حماستها في كون الرهان الفرنسي جاء مستغرقاً على الفريق الحاكم من جهة، ومن جهة أخرى، فالفرنسي ينظر الى مصالحه التي يعبر عنها الفريق الحاكم على نحو الأصالة، بينما ينظر اليها الأميركي كورقة في سياق مشروعه الاستراتيجي، والمواجهة الاستراتيجية التي يخوضها مع محور المقاومة والممانعة له في المنطقة.‏

في مطلق الأحوال فإن النجدتين الأميركية والفرنسية، تعكسان حدود القلق والمخاوف على الفريق الحاكم، وبالتالي يمكن عدهما مؤشرين على نجاح المعارضة في هزّ شجرة هذا الفريق بقوة.‏

ـ النجدة الإسرائيلية، من يتأمل في مجمل المواقف الإسرائيلية الرسمية منها، والسياسية، والإعلامية، يلحظ بسهولة أمراً أساسياً هو الرهان المضمر والقوي الذي يضعه الكيان الإسرائيلي على الفريق الحاكم، بوصفه الضمانة الفعلية لإنجاز الأهداف السياسية وغير السياسية لعدوانه الأخير على لبنان، القلق الإسرائيلي هو إقرار إضافي من الكيان الإسرائيلي بالهزيمة. وإذا كان هذا الكيان يعجز عن رفد الفريق الحاكم بعدوان جديد، فلا أقل، وهنا الخوف، من رفده بالدعم الأمني والذي يجد تعبيره الأكبر بالاغتيالات.‏

عندما حرص الكيان الإسرائيلي على تحييد كل ما من شأنه أن يمس حكومة الفريق الحاكم أثناء عدوانه الأخير، قيل آنذاك، والقول لواشنطن وباريس، ان المطلوب الحفاظ على هذه الحكومة حتى لا تسقط في الشارع، كان الرهان آنذاك، ان المعادلة التي يعمل عليها هي التالية: توجيه ضربة قاصمة للمقاومة وحاضنتها الجماهيرية، والحفاظ على حكومة الفريق الحاكم برئاسة السنيورة، لتكون جاهزة لقطف ثمار الضربة وتجييرها في السياسة، لكن ما حدث هو عكس ذلك تماماً، فلا المقاومة ضربت، بل أكثر من ذلك، خرجت هي وحلفاؤها أقوى. في هذا الإطار، يضع الإسرائيلي بمواقفه السياق الحقيقي لما يحدث حالياً: الفصل السياسي من حرب تموز.‏

ـ النجدة السعودية ـ المصرية إلخ: المؤسف، أن مجموعة الدول العربية (6+2)، أي مجلس التعاون الخليجي ـ مصر والأردن، والتي تشكل القاعدة العربية المتحالفة مع المشروع الأميركي في المنطقة، تسعى من خلال دعمها لهذا الفريق، وعلى خلفية تمعن في تغييب الطابع السياسي للصراع في لبنان، لمصلحة الإمعان في استحضار الطابع المذهبي لها، تسعى هذه الدول الى إنجاز جملة أهداف:‏

الأول، الإساءة الى صورة المقاومة وسيدها لإسقاطها، وإسقاط نموذجها في المنطقة، اذ لا يخفى على أحد أن من تداعيات عدوان تموز هو ذاك الاحتضان العربي ـ السني للمقاومة وخطها ولسيدها على نحو أشعر الأنظمة الثمانية ولأول مرة بوجود تهديد شعبي حقيقي لها، ولذا، المطلوب احتواء هذا النهج الشعبي من خلال إسقاط مثاله الأعلى، وذلك انطلاقاً من لبنان.‏

الثاني، الإساءة الى صورة كل من ايران وسوريا، الأولى كي لا تتحول الى نموذج اسلامي فعلي سواء على صعيد النظام، أم على صعيد الموقع والدور اللذين تلعبهما ايران، ومن موقعها الإسلامي، في مواجهة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، الأمر الذي يحرج هذه الأنظمة، خصوصاً تلك التي تطرح نفسها كدولة اسلامية مركزية خصوصاً للمسلمين السنة في العالم.‏

أما الإساءة الى سوريا فللاعتبارات الآنفة نفسها، لكن من الموقع العروبي والقومي هذه المرة.‏

الثالث، ضمان عدم نجاح خط المقاومة في لبنان بالكامل، لأن من شأن ذلك، منح الزخم الشعبي في العالم العربي والإسلامي قوة انطلاقاً من إمكان الجمع بين مقاومة العدو في الخارج، ومقاومة العمالة في الداخل، إضافة الى هذا النجاح سيرفد خط المقاومة والممانعة بالمزيد من القوة في مواجهة خط العمالة والارتهان للمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.‏

خلاصة القول هنا، ان الصراع السياسي في لبنان اليوم، وان كانت له أسبابه الداخلية الخاصة والعميقة، إلا أن له أبعاده الإقليمية والدولية بامتياز، وهذا ما يزيده تعقيداً.‏

ولأول مرة، تبدو فيه الأمور في لبنان أنها تتجه، بل تتطلب خيارات حاسمة لا تنهض على معادلة لا غالب ولا مغلوب، نظراً للتناقض الحاد بين طرفي الصراع، إلا اذا كان المطلوب تسويات غير مستقرة فترة من الزمن قد يحتاجها كل الأطراف، بانتظار العودة مجدداً الى فصل جديد من فصول الصراع، وعندما نقول ان المرحلة تحتاج حلولاً حاسمة، لا يعني ذلك بالمعنى الطائفي، بمعنى تغليب طائفة أو طوائف على طائفة أو طوائف أخرى، وإنما تغليب خيار سياسي على خيار سياسي آخر، وبالتالي الابتعاد عن لعبة تسكين التناقضات من خلال الاحتفاظ بأصل المشكلة، في مقابل تسويات لفظية تفتقد لأي أساس متين.‏

لا نغالي إذا قلنا، إننا أمام فرصة تاريخية، وهي من مسؤولية المعارضة تحديداً، وخصوصاً اذا ما نجحت في تطوير قاعدتها الشعبية.‏

بكلمة أخرى، ان أمام المعارضة اليوم خطوة واحدة لتحقق مشروعها الوطني، لكنها كبيرة وتاريخية، وتتمثل على نحو رئيسي بالنجاح في هزيمة العنوان المذهبي الذي يخوض الفريق الحاكم معركته مع المعارضة على أساسه. وهذا يتطلب خطابا سياسيا للمعارضة قادرا على إقناع المتمذهبين بالطابع السياسي للمواجهة، وأن المعركة معركة الجميع، لأنها معركة نهوض وطني حقيقي.‏

وفي مطلق الأحوال، لا يبدو الصراع الحالي سهلاً، ودونه محطات ومحطات، نظراً لتعقيداته المتنوعة، خصوصاً في ظل استمرار ارتهان الفريق الحاكم للإدارة الأميركية، والمخاض الأخير للأزمة الحالية هو في جدلية كبيرة مع المخاض العام للمنطقة، أي ما يحدث هنا له تأثيره على ما يحدث في المنطقة، والعكس صحيح أيضاً، من هنا، فإن الصورة التي ستؤول اليها الأمور، لا نغالي اذا قلنا، انها ستحدد الى حد بعيد طبيعة الصورة التي ستؤول اليها المنطقة.‏

الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006‏

2006-12-15