ارشيف من : 2005-2008

"النيابة التمييزية" لم تتحرّك للتحقيق في الاتهامات الموجّهة:أدلّة كثيرة على تورّط الفريق الحاكم والخيانة العظمى أقل التهم

"النيابة التمييزية" لم تتحرّك للتحقيق في الاتهامات الموجّهة:أدلّة كثيرة على تورّط الفريق الحاكم والخيانة العظمى أقل التهم

لم تنفكّ الإدارة الأميركية تقدّم الوجبات المتنوّعة من الإملاءات والتعليمات والأوامر لحكومة فؤاد السنيورة، وتبيعها الأوهام الخارقة والحارقة مجّاناً، حتّى قادتها إلى التهلكة والانهيار، ولم تعد تنفعها كلّ وسائل الدعم والتشجيع والشحن والنفخ التي توفّرها لها بشكل شبه يومي ومشبوه بغية إنعاشها وإطالة عمرها وإبقائها على قيد الحياة، وكأنّ لبنان هو الهمّ الأول والأخير لإدارة جورج بوش الحريص على ديمقراطيته وسياديته واستقلاله أكثر من أهله وأبنائه الشرفاء، برغم المعرفة الأكيدة والراسخة في أذهان الجميع أنّ هذه الحكومة فقدت مشروعية وجودها المنبثقة من الشعب الذي تطالب شريحة واسعة منه تقدّر بنحو 70% من مجمل اللبنانيين، بحسب استطلاعات الرأي المُعتبرة، بالتغيير والإصلاح ومنع الوصاية الأجنبية والعربية على حدّ سواء، وليس من السفير الأميركي في عوكر جيفري فيلتمان وبعض سفراء الغرب والعرب، كما يردّد السنيورة وحلفاؤه "الشباطيون" من دون حياء.‏

وجاءت إطلالة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله يوم الخميس الماضي وما تضمّنته كلمته من حقائق ووقائع ملموسة غير مجاهر بها سابقاً، لتزيد من المأزق الذي تعيشه حكومة السنيورة الساقطة سياسياً، وتكشف القناع عن أمور مخفية ووجوه تتغنّى في العلن بعروبتها وتسير في السرّ في ركب مشاريع الهيمنة والتسلّط والاستلحاق الأميركية.‏

فمن دون مواربة اتهمّ السيّد نصر الله أركان فريق السلطة بالتآمر على لبنان والمقاومة من خلال تكثيف الاتصالات بالولايات المتحدة الأميركية وعبرها بالعدوّ الإسرائيلي، من أجل الاستمرار في حربها الدموية المشتركة في شهر تموز/ يوليو 2006. وحمّل مسؤولية هذه الحرب الأعنف على لبنان منذ أن زُرع الكيان الصهيوني في خاصرته الجنوبية، "لمن طلب من أميركا و"إسرائيل" أنْ تتخذها ذريعة لتشنّ الحرب على لبنان"، وهو ما يعني أنّ هذه الحرب ما كانت لتستمرّ وتقوى وتقتل أكثر من ألف مواطن مدني، وترتكب عشرات المجازر الجماعية وتبيد معظم البنية التحتية وتؤثّر على مسار الحركة الاقتصادية في البلاد، لولا مساعدة بعض أطراف الداخل المتجمّعين في قوى 14 شباط/ فبراير والموجودين في الحكم. معلناً قبوله بتشكيل لجنة قضائية لبنانية أو عربية مستقلة ومحايدة من "قضاة نزيهين" للتحقيق في ما حصل إبان هذه الحرب.‏

ومع أنّ هذا الاتهام المباشر بالتآمر على الوطن وسيادته واقتراف جريمة الخيانة، وهي أفظع الجرائم وأشنعها، والمطالبة بالمحاكمة العلنية، يُعتبر في القانون "خيانة عظمى توجب محاكمة فاعليها مهما علت رتبهم ودرجتهم" بحسب تأكيد غير قاضٍ ضليع في القانون الجزائي لـ"الانتقاد"، إلا أنّ النيابة العامة التمييزية في لبنان لم تتحرّك، وبقيت ساكتة صامتة وكأنّها لم تسمع بكلام السيّد نصر الله، وهو الذي طرق مسامع كلّ العالم ووصل إلى الكون كلّه، بمن فيهم إدارة بوش والأنظمة العربية. علماً بأنّ القانون يفرض عليها أن تعتبر هذا الكلام الصريح إخباراً وتباشر التحقيق فيه بجدّية وفاعلية وتستدعي من تراه متهماً به، وفي طليعتهم "ثلاثي الوصاية الجديدة" الرئيس فؤاد السنيورة والنائبان سعد الدين الحريري ووليد جنبلاط، بحسب ما فسّر الكثيرون من السياسيين خطاب السيّد نصر الله وما جاء في ما بعد على لسان معاونه السياسي الحاج حسين الخليل وإبرازه وثائق حول مضمون الرسائل التي بعث بها الحريري إبان الحرب.‏

لكنّ النيابة العامة التمييزية التي يوجد على رأسها القاضي سعيد ميرزا المقرّب من هؤلاء الثلاثة لم يقم بواجبه، كما أنّ وزير العدل الدكتور شارل رزق لم يوعز الى النيابة العامة التمييزية التي له سلطة كبيرة عليها بحسب القانون، كي تحقّق في هذه الاتهامات! مع الإشارة إلى أنّ هذه النيابة لم تقصّر بتاتاً في السابق في التحقيق في مئات الإخبارات المتعلّقة بما هو أقلّ أهميّة من الخيانة العظمى، مثل هدر المال العام على حدّ تعبير أحد الحقوقيين البارزين.‏

ويقول هذا الحقوقي إنّ الواجب يقضي بأن تعتبر النيابة العامة التمييزية كلام نصر الله إخباراً وتقوم تلقائياً بمجرّد سماعه أو قراءته في الصحف ووسائل الإعلام التي أبرزته في صدر صفحاتها الأولى وفي مقدّمات نشراتها الإخبارية وعلى مدى اليوم التالي، وجرت تعليقات كثيرة ومناقشات حوله، بالتحقيق مع الأشخاص المتهمين بجناية الخيانة العظمى والتحريض على القتل والتعامل مع العدوّ الإسرائيلي لشنّ عدوان على الوطن وتحميلهم كامل مسؤولية النتائج التي ترتّبت على هذا العدوان، لأنّ المحرّض يعاقب في القانون حتّى لو لم تصل نتائج العدوان إلى تحقيق الأهداف المرسومة لها.‏

ويؤكّد القاضي السابق سليم العازار من جهته، ما ذهب إليه الحقوقي ويقول لـ"الانتقاد": إنّ الواجب يفرض إذا كانت لدينا سلطة قضائية مستقلّة عندما تسمع بخبر من هذا النوع صادر عن شخصية لها مكانتها المرموقة ومصداقيتها العالية وموثوق بها إلى درجة الائتمان على الروح، أن تجري تحقيقاً فيه. ولكنْ يبدو أنّ القضاء لا يريد أنْ يحقّق لئلاّ يورّط نفسه". ويشدّد العازار على وجوب "تثبيت هذه الاتهامات من الناحية القانونية وتأكيد إجراء اتصال بالعدوّ خلال الحرب وقيام ضغوط على المقاومة من أجل تسليم سلاحها". متسائلاً: "هل تصل الأمور برئيس الحكومة إلى فعل ذلك؟". داعياً إلى إثباتها وتقديم الأدلة عليها، "وعندها توضع تحت عنوان الخيانة العظمى، وعقوباتها خطيرة تصل إلى الإعدام".‏

آلية التحقيق‏

أما بشأن الآلية المطلوبة للتحقيق في الاتهامات الموجّهة من السيّد نصر الله الى الممسكين بالسلطة، فقد اقترح السيد نصر الله قيام لجنة حيادية من قضاة لبنانيين أو عرب، وتبعه رئيس التيار "الوطني الحرّ" النائب العماد ميشال عون المقتنع والمطّلع على نوعية هذه الاتهامات، في تعزيز هذا الاقتراح، مطالباً بلجنة تتألّف من ستّة أشخاص هم قاضيان ونائبان ومحاميان، مشترطاً ألا يكونوا منحازين، وذلك لكشف ملابسات هذه التهم التي لا يمكن ائتمان المتورّطين فيها على أمن البلاد وسلامة العباد.‏

وبعد التحقّق من هذه الاتهامات يمكن إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الفاعلين والمشاركين والمساهمين والمتورّطين والمحرّضين والمتدخّلين، أو إحالتهم على المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان، لكون الاتهامات تمسّ سلامة أمن الدولة الداخلي والخارجي وتقع تحت نصوص المادة (270) وما يليها حتّى المادة (285) من قانون العقوبات اللبناني. ويمكن الاستعاضة عن ذلك كلّه بإحياء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء غير الموجود إلاّ في التسمية وعلى الورق فقط، وهو يتألّف عادة من سبعة نوّاب أصيلين وثلاثة أعضاء رديفين وثمانية قضاة من رؤساء محاكم التمييز الجزائية والمدنية، مع الرئيس الأول لمحاكم التمييز الذي هو حكماً رئيس مجلس القضاء الأعلى، أيّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز كأعضاء أصيلين، وثلاثة قضاة رديفين، على أن يكون النائب العام التمييزي مدّعياً عامّاً.‏

ولكن ما يعترض تكليف هذا المجلس بهذه المحاكمة التي هي من صلب واجباته واختصاصاته، أنّ "القوى الشباطية" تهيمن على مجلس النوّاب، وهو المدخل الرئيس لتوجيه الاتهام الى المتورّطين، ومن الطبيعي أنْ ترفض محاكمة السنيورة والآخرين وهم يشكّلون حلفاً واحداً. على أنّ هذا الأمر قد يتحقّق عبر المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بعد إجراء انتخابات نيابية مبكرة وفقاً لقانون انتخاب عادل يأتي بموجبه مجلس نيابي جديد غير خاضع لأحد.‏

الأدلة‏

صحيح أنّ السيّد نصر الله لم يفصح في خطابه الشهير عن الأدلة والقرائن والإثباتات التي تدين المتآمرين على لبنان، محتفظاً بها إلى وقت آخر يراه مناسباً، لكنّه قدّم إشارات وملامح أوّلية يمكن البناء عليها، مع مراجعة موجزة لما حفلت به الأيّام الثلاثة والثلاثون للعدوان، وهي على الشكل التالي:‏

أولاً: كلام رئيس وزراء العدو الإسرائيلي إيهود أولمرت بأنّ جهات في الحكومة اللبنانية تتصل بنا وتصرّ علينا لأنْ نواصل الحرب على لبنان.‏

ثانياً: ما أعلنه المعاون السياسي للسيّد نصر الله الحاج حسين الخليل في مقابلة مع برنامج "بين قوسين" على شاشة قناة "المنار" يوم الاثنين الماضي، من أنّ رئيس تيار "المستقبل" النائب سعد الدين الحريري بعث برسالة للسيّد نصر الله خلال أوج احتدام المعارك، يطلب منه فيها تعهّداً بالموافقة على نزع سلاح المقاومة مقابل وقف الحرب.. ومن ثم أكد ذلك الخليل في مؤتمر صحافي وأبرز خلاله وثيقة بقلم رئيس فرع المعلومات وسام الحسن أرسلها الى الخليل يطلب فيها الحريري التعهد المذكور. مع أنّ البيان الوزاري لتشكيل حكومة السنيورة في شهر تموز/ يوليو 2005 يعترف ـ بعبارات صريحة لا لبس فيها ـ للمقاومة بحقّ تحرير الأرض والأسرى.‏

ثالثاً: إنّ الأشخاص الذين سافروا إلى الولايات المتحدة الأميركية هم الثلاثي: السنيورة والحريري وجنبلاط، الذين تربطهم صلات وثيقة بالإدارة الأميركية و"محافظيها الجدد" المرتبطين بنهج سياسي دموي مع أركان الكيان الصهيوني.‏

رابعاً: لقد طلب السنيورة من الجيش اللبناني مصادرة سلاح المقاومة المنقول إلى الجنوب، وهو ما اعترف به بيان مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني، وإن كان بطريقة مواربة وغير مباشرة، بسبب الإحراج الذي وجدت هذه القيادة نفسها فيه إزاء أمر سياسي من رئيس الحكومة. وقد طلب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم من السنيورة في كلمته في التجمع الشعبي للمعارضة يوم الأحد، أن يصدر أمراً لقيادة الجيش كي تعيد شاحنة الأسلحة المضبوطة، ولكنّه لم يفعل.‏

خامساً: تعمّد الطائرات الحربية الإسرائيلية تدمير الجسور والطرق خلال الحرب لقطع خطوط الإمداد عن المقاومة التي كانت تدافع عن لبنان والعرب والمسلمين جميعاً.‏

سادساً: بدلاً من أن يقوم جهاز "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي بملاحقة الجواسيس وشبكات التخريب الإسرائيلية التي تحرّكت وانتشرت بصورة كبيرة خلال الحرب المذكورة، أسوة بما تفعله عادة مديرية المخابرات في الجيش اللبناني لوضع حدّ لخطر هذه الشبكات وما قد تزوّد العدوّ به من معلومات تساعده في عدوانه، أخذ هذا الجهاز يفتّش عن أماكن وجود المسؤولين في حزب الله، وعلى رأسهم السيّد نصر الله لكي يُقصفوا ويتم الإجهاز عليهم، ولزعزعة صمود المقاومين والقضاء على المقاومة بشكل نهائي.‏

وقد كشف الوزير والنائب محمد فنيش خلال مقابلة معه ضمن برنامج تلفزيوني، أنه في إحدى جلسات مجلس الوزراء خلال الحرب، لام وزير الدفاع إلياس المر وزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت على إعطائه معلومات غير صحيحة عن شاحنة زعم أنها تحمل سلاحاً للمقاومة، فإذ بها تحمل صفائح زيت.. فلماذا كان "فرع المعلومات" يتجسّس على المقاومة؟ ولماذا تقوم وزارة الداخلية بعمل ليس من مهامها؟ ومن دفع فتفت للقيام به؟‏

سابعاً: إنّ "هولاكو" وزارة الداخلية بالوكالة خلال الحرب أحمد فتفت، لم يعطِ القرار السياسي للضبّاط والعسكريين للتصدّي لمجموعة صغيرة من قوّات الاحتلال الإسرائيلي كانت هاربة من مطاردة رجال المقاومة لها يوم الخميس في 10 آب/ أغسطس، بل فتح لها أبواب ثكنة مرجعيون وصدرَها أيضاً، حيث بات أفرادها الفارّون أسياد الثكنة، وقدّم قائد المجموعة الأمنية المشتركة في الجنوب العميد في قوى الأمن الداخلي عدنان داوود التابع لفتفت مباشرة، لهم الشاي لرفع معنوياتهم وتطمينهم إلى أنّهم صاروا بمأمن من "شرّ" المقاومة، ما سمح لهم بالاستيلاء على الثكنة وسلاحها ونقله إلى وحداتهم لاستخدامه ضدّ المقاومين وأبناء الوطن، وتفتيش العسكريين اللبنانيين من خلال التدقيق في هويّاتهم في مشهد مذلّ لم يرَ تاريخ البشرية مثيلاً له، لأنّ الرجال تقاتل حتّى الموت ولا تستسلم. وهذا ما يوجب محاكمة فتفت، إضافة إلى تسبّبه بإزهاق أرواح عدد من المواطنين المدنيين والعسكريين وإصابة بعضهم الآخر بجروح مختلفة خلال مرورهم ضمن قافلة خرجت من مرجعيون وثكنتها باتجاه حاصبيا فزحلة يوم الجمعة في 11 آب/ أغسطس، برغم كفالة فتفت واتصالاته مع الفرنسيين بعدم تعرّض الإسرائيليين لهم، ولكنّ القصف أصابهم وأوقع فيهم مجزرة كبيرة.‏

ولا بدّ من التذكير في نهاية المطاف بأنّ اتهامات السيّد نصر الله للفريق الحاكم لا تسقط بمرور الزمن حتّى ولو لم تتحرّك النيابة العامة التمييزية، ولو بعد أشهر وسنوات، لأنّها صارت علامة فارقة في تاريخ هؤلاء "الشباطيين" الذين اعتادوا على الانتقال من وصاية إلى وصاية، ولن ينسى التاريخ أنْ يذكرهم بأنّهم خانوا وطنهم والأمانات المعطاة لهم من الشعب، وهذا وحده محاكمة قائمة بحدّ ذاتها، وقد تكون كافية لردّ الاعتبار لهذا الوطن المثخن ممن يجدون ضالّتهم في الحياة السياسية في التعامل مع العدوّ والغريب.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006‏

2006-12-15