ارشيف من : 2005-2008
لماذا أصيبت "إسرائيل" بالذعر من تحرك المعارضة اللبنانية
كتب جهاد حيدر
ما يلفت أي مراقب للشؤون الإسرائيلية هو احتلال الحدث اللبناني موقع الصدارة في اهتمامات الأوساط السياسية والاستخبارية والإعلامية، وصل الى حد إطلاق مواقف رسمية من أعلى قمة الهرم ونزولاً تعبر عند دعمها وتأييدها لقوى السلطة، التي تمثل تحالف قوى 14 شباط، وهو ما يكشف عن مدى القلق والخوف الاسرائيلي من التطورات السياسية الداخلية في لبنان، ويدفع الى التساؤل عن دور وتأثر وتأثير الكيان الإسرائيلي في ما يجري فيه، برغم أن الحدث اللبناني داخلي بامتياز.
من الواضح أن أي محاولة لفهم خلفية وأهداف هذه الظاهرة السياسية لا بد أن تنطلق من عدوان تموز وأهدافه المباشرة التي أعلن عنها قادة العدو أنفسهم، وتم التعبير عنها بوسائل مختلفة منها: القضاء على البنية القتالية لحزب الله ونزع سلاحه، تطبيق القرار 1559... وبلسان وزيرة الخارجية الاميركية حديثها عن "شرق أوسط جديد" انطلاقا من النتائج التي تطمئن الادارة الاميركية ان العدو الاسرائيلي سيحققها من خلال عدوانه، والتي سيكون لها تداعيات سياسية استراتيجية محلية وإقليمية، لكن حساباتهم ورهاناتهم كانت في واد والواقع في واد آخر... ليتم بعدها استصدار قرار دولي يحمل الرقم 1701 منطلقا من معطيات بعيدة عن الواقع الميداني الذي سطرته المقاومة الإسلامية، وإنما من موازين القوى داخل مجلس الأمن، وتضمن نشر قوات دولية معززة...
في هذا الوقت توالت بعض التصريحات والمواقف السياسية الاسرائيلية الرسمية التي تحاول الإيحاء بأن النتائج السياسية للحرب كانت مغايرة للنتائج العسكرية من خلال الحديث عن مسارات سياسية لبنانية في المرحلة التالية سيكون لها نتائج تصب في نهاية الأمر في خدمة الأهداف الرئيسية التي سعى وتسعى لها الإدارة الاميركية في لبنان ومنه، التي تمثل الوجه الآخر (أو الوجه نفسه) للأهداف الإسرائيلية من العدوان...
وفي هذا السياق أقرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني بالهزيمة العسكرية للجيش الإسرائيلي، إلا أنها تحدثت في المقابل عن نصر سياسي لـ"إسرائيل". ولوحظ ايضا أن رئيس الحكومة ايهود اولمرت، كان يلجأ، عندما يُسأل عن الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب والتي لم تتحقق مثل نزع سلاح حزب الله، القضاء على قدرته الصاروخية، واطلاق سراح الجنديين دون قيد او شرط، كان يلجأ الى الفصل بين النتائج العسكرية والسياسية لهذه الحرب، والحديث عن سلسلة من التطورات والخطوات التي تلت الحرب على شاكلة انتشار القوات الدولية والجيش اللبناني على طول الحدود مع فلسطين، والقرار 1701 وهكذا..
وتقاطعت هذه المواقف مع ما كتبه بعض الإعلاميين اللبنانيين، التي يصح في بعضهم انهم ناطقون غير رسميين لقوى 14 شباط، ومع ما أدلى به بعض الأقطاب الأساسيين لقوى السلطة، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما اعتبره رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع (مقابلة مع جريدة الاخبار في 18/10/2006)، بأن "... القرار 1701 الذي عطَّل على حزب الله 99,99% من حرية المناورة والحركة التي كان يسيطر عليها..." على قاعدة حددها انه "بمقدار ما يطبق القرار 1701 يُفقد الحزب أي مساحة لتحركه".
إذاً الرهان الكبير لـ"إسرائيل" والإدارة الاميركية وغيرها من دول غربية، بالإضافة إلى تحالف قوى السلطة، يرتكز بشكل أساسي على المرحلة التي تلي الحرب، وخاصة ان هذه الأطراف جميعا تعتبر أن مستجدا نوعيا طرأ يمكن للسلطة أن تستخدمه في معركتها يتمثل بالقوات الدولية والقرار 1701.
في ظل هذه الأجواء بدأت المعارضة اللبنانية تحركها، ولوحظ الاهتمام السياسي والإعلامي الاسرائيلي الفائق به، وبدأ المعلقون وذوو الاختصاص بالشؤون اللبنانية والسياسيون يتحدثون عن كارثة ستصيب المنطقة... وتخوف الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من انزلاق تطورات الداخل اللبناني إلى الحدود مع لبنان، هذا بالإضافة إلى التساؤل عن مصير حزب الله وسلاحه... والنفوذ الاميركي في لبنان.
وحتى لا نقع في اتهامات غير مبنية على أسس يمكن لتبيان منابع الذعر الإسرائيلي من تحرك المعارضة الاكتفاء بالإشارة إلى النقاط التالية:
تكريس وشرعنة نهائية لسلاح المقاومة:
بعد فشل العدوان الاسرائيلي في تحقيق اهدافه المباشرة والرئيسية ارتكز الرهان الاساسي، كما اشرنا سابقا، على مرحلة ما بعد الحرب التي زُودت خلالها السلطة بأدوات جديدة يمكن أن تستخدمها في مواجهة حزب الله، بدءاً من الدمار الذي خلّفه العدو وتحميل حزب الله، لا جيش العدو، مسؤوليته، إلى محاولة توسيع مهام القوات الدولية برا وبحرا، واستكمال مخطط التدويل وربما لاحقا الى ادخال مجلس الأمن الدولي مباشرة على الخط تحت عنوان عدم الالتزام بالقرار 1701 الذي بالتأكيد سيُقحم في طياته المضامين الاسرائيلية التي تهدف إلى تطويق المقاومة، وربما تمهد الطريق إلى ما هو اكبر.
ولذلك فإن مطالبة المعارضة اللبنانية ـ بالحد الأدنى من حقوقها ـ عبر المشاركة الفعالة والجادة من خلال امتلاكها الثلث الضامن في الحكومة، يشكل بالنسبة لـ"إسرائيل" إسقاط آخر ورقة ونهاية للرهان على أي مسار داخلي مستقبلي للمضي في خيار إدخال لبنان في نزاع بين السلطة والمقاومة عبر مواقف متهورة قد تتخذها الحكومة الموجودة متذرِّعة بالضغوط الدولية التي أثبتت التجربة خلال العدوان الإسرائيلي انه ينبغي ـ في اقل الاحوال التحسب لهذه الامكانية ـ لإنقاذ لبنان. مع ملاحظة أن من ضمن القواسم المشتركة الأساسية بين قوى المعارضة اللبنانية أنها تضم، حصرا، القوى التي كانت متحالفة إبان العدوان الإسرائيلي في تموز الماضي في مواجهة العدوان، وفي مواجهة تآمر قوى 14 شباط مع كل ما ينطوي عليه ذلك من معان وأبعاد.
منع استكمال إلحاق لبنان بالمعسكر الغربي
يبدو من خلال استحضار الأحداث المتسارعة منذ الربع الأول من العام الماضي أن مخطط تدويل القضية اللبنانية سار على قدم وساق في محاولة لاستكمال إلحاق لبنان بالمعسكر الغربي. وكان من المفترض أن يؤدي العدوان الإسرائيلي، خلال تموز الماضي، إلى القضاء على قوى الممانعة والمقاومة في لبنان وإزالة كل العقبات الداخلية التي تحول دون ذلك، ولكن خروج المقاومة منتصرة في الحرب وتوجه المعارضة اللبنانية نحو المطالبة بالثلث الضامن وضع الاسس لمرحلة جديدة للبنان يتمتع فيها بصلابة الإرادة السياسية بدل سياسة الخضوع، وعربي الهوية وفي خياراته الاستراتيجية بدل حالة التذبذب والتغرب، ومستقل في قراره السياسي بدل الانقياد والتبعية. مع ما يعنيه ذلك من إسقاط محاولة نشوء حليف استراتيجي لـ"إسرائيل" مجاور لها، وتوفير أداة اميركية فاعلة في مواجهة القوى الوطنية والإسلامية المناهضة للسياسة الاميركية وباتجاه المحيط العربي. وبالتالي كان من الطبيعي ان تتعالى الصرخات الاسرائيلية بعد الغربية امام التحرك الديمقراطي السلمي لقوى المعارضة.
تحصين الجبهة الخلفية لمواجهة أي تهديدات خارجية محتملة
ان أداء قوى السلطة، وتحديدا قوى 14 شباط، خلال عدوان تموز، اظهر أن المقاومة عندما كانت تواجه العدوان الاسرائيلي كانت تخوض في الوقت نفسه معركة سياسية داخلية في مواجهة الأغلبية الحكومية، في حينه، بهدف الحد من استجابتها للإملاءات الاميركية حتى وصلت إلى حافة الصدام لولا تراجعهم في اللحظات الأخيرة عن بعض القرارات التي كانوا ينوون اتخاذها. كما شكل أداؤها بعد انتهاء العدوان من خلال تحميل حزب الله المسؤولية في محاولة تبرئة ضمنية للعدو لتوظيف ذلك في المعركة السياسية الداخلية فضلا عن ادائها في مقابل المهجرين والذين دمرت منازلهم ... يكشف بما لا يدع مجالاً للشك كم أن مناعة الجبهة الداخلية هشة وخطرة على المقاومة في مواجهة أي استحقاقات مشابهة او قريبة مما حصل، وتكشف ايضا ان السلطة الحالية تشكل موقعا متقدما للقوى الخارجية، "اسرائيل" او الولايات المتحدة او غيرهما، التي ينبغي ان لا نستبعد بعد عدوان تموز تكرار سيناريو مشابه لما حصل أو ربما بأساليب أخرى. وبالتالي فإن تحقيق مطالب المعارضة اللبنانية يمثل من هذه الزاوية تحييدا لهذا الموقع الموجود خلف خطوط المقاومة، مع الإشارة إلى أن ازدياد الأوراق التي يراهن عليها العدو قد تؤدي أحيانا إلى تشجيعه لشن اعتداءاته.
وعليه يبدو جليا مما تقدم خلفية النداءات الاسرائيلية والاميركية والعديد من الدول الغربية لدعم حكومة السنيورة والتحذير من سقوطها او مشاركة المعارضة فيها بشكل فعال.
ويلاحظ في المواقف الاسرائيلية العلنية الداعمة للسنيورة، انها لا تكتفي بما هو مفترض انه يتم وراء الستار، وذلك نتيجة قناعة اسرائيلية عبر عنها نائب رئيس الحكومة شمعون بيريس بأن المرحلة التي بلغها الصراع في المنطقة تتطلب من العرب عدم الحياء من علاقاتهم او تحالفهم مع "اسرائيل"، وبالتالي عليهم اجراء اتصالات علنية وتقبّل اتخاذ مواقف سياسية مؤيدة، والتعامل معها كأي موقف تتخذه أي دولة اخرى. وعدم الاكتفاء باللقاءات السرية والمواقف التي تقال في الغرف المغلقة.
الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018