ارشيف من : 2005-2008

أميركا الجنوبية، على طريق الوحدة

أميركا الجنوبية، على طريق الوحدة

من الواضح ان هيغو شافيز لا يريد الاكتفاء بانتصاره الانتخابي الأخير الذي كرسه رئيساً لفنزويلا حتى العام 2012. ولا حتى بالصعود الذي حمل اليسار ـ بتنوعاته المتراوحة بين اعتدالية ميشيل باشليه، في الشيلي، وجذرية كاسترو وشافيز، في كل من كوبا وفنزويلا ـ إلى الحكم في أحد عشر بلداً من أصل تسعة عشر في أميركا اللاتينية، في ظل احتمال انضمام المزيد من هذه البلدان إلى الصف اليساري، بالنظر إلى وحدة الظروف التي تدفع أميركا اللاتينية نحو تلمس الخلاص، بعد عقود من الخضوع لأنظمة الفساد والديكتاتورية المفروضة والمدعومة من قبل واشنطن.‏

فقد حرص شافيز، في خطاب الفوز، على التذكير بأن الانتصار ليس نهاية، بل بداية لعصر جديد هو عصر تعميم الثورة البوليفارية على كل بلدان أميركا اللاتينية. ولا شك بأنه كان يسعى، دون مواربة، إلى استثارة ذلك الشعور الثوري عندما حرص أيضاً، في خطابه المذكور، على التذكير، إضافة إلى الفنزويلي سيمون بوليفار، بأسماء أنطونيو خوسيه دو سوكر، وخوسيه دو سان مارتين، وبرناردو أوهيغينز، وأوغيستو سيزار ساندينو، وإيميليو زاباتا، وغيرهم من الزعماء الذين تحولوا إلى أبطال قوميين في حروب التحرير التي خاضتها، ضد الاستعمار الإسباني، بلدان الإكوادور والأرجنتين والشيلي ونيكاراغوا والمكسيك وغيرها. الهدف المعلن هو إذاً، على ما يريده شافيز، توحيد القارة الأميركية الجنوبية من أجل التحرر الناجز عبر وضع الأسس لتجربة اشتراكية هي، في العمق، وبعيداً عن المرجعية إلى الماركسية، إنسانية ومحبة وتضامن، وأصالة، تستلهم القيم المحلية والمسيحية والبوليفارية.‏

مطلب الوحدة هذا لا يقتصر على شافيز وحده، فأميركا اللاتينية تسعى إلى أشكال من التدامج الاقتصادي من خلال مجموعة مركوسور التي أطلقت عام 1986، والتي تضم حالياً كلاً من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، من جهة، ومجموعة أمم الآنديز التي تضم كلاً من كولومبيا والإكوادور وبوليفيا والبيرو، والتي قاطعها شافيز في نيسان/ أبريل الماضي، بعد توقيع الرئيس البيروفي، آلان غارسيا، اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة.‏

وهنالك أيضاً مجموعة أمم أميركا الجنوبية التي عقدت قمتها الثانية في العاصمة الكولومبية كوشامبا، في الثامن والتاسع من كانون الأول/ ديسمبر الجاري. وقد ولدت هذه المجموعة في أيلول/ سبتمبر 2005، وهدفها المعلن هو العمل على تحقيق الاندماج السياسي والاقتصادي لبلدان أميركا الجنوبية على غرار الاتحاد الأوروبي، عبر مسار طويل يمر بانتخاب برلمان مشترك واعتماد عملة موحدة. وتضم المجموعة جميع بلدان أميركا الجنوبية الإثني عشر والتي يبلغ عدد سكانها 377 مليون نسمة يعيشون فوق رقعة تزيد على 17 مليون كلم مربع. سوق ضخمة وإمكانيات بشرية ومادية وتقنية تؤهل القارة الجنوبية لاحتلال موقع أكثر تقدماً مما هي عليه الآن.‏

لكن الرئيس البوليفي الذي أطلق، بالمشاركة مع الرئيس الكوبي، مبادرة المنطقة الحرة لبلدان أميركا اللاتينية (آلبا)، في نيسان/ أبريل 2005، لا يبدو مقتنعاً بسياسات مجموعة أمم أميركا الجنوبية. فقد قدم في القمة الأخيرة جملة انتقادات مؤداها أن قرارات المجموعة تملأ أطناناً من الورق، لكن قراراتها تظل بعيدة عن التنفيذ، ما يبقي المجموعة بلا لون واضح وبنية محددة. وللخروج من هذا الوضع، اعتبر شافيز أن المجموعة تحتاج إلى "فياغرا سياسية" وعملية "إعادة فرمتة" لتصبح ممثلة فعلاً لشعوب أميركا الجنوبية. كما قدم شافيز اقتراحاً بتعيين أمانة عامة للمجموعة، الأمر الذي لم تناقشه القمة مكتفية بتعيين هيئة من الموظفين مهمتها التفكير، في غضون عام، بأوجه وسبل التدامج. كما لم ترحب القمة باقتراحه القاضي بتشكيل "مجموعة صدامية" أو "كوماندوس رؤساء" لوضع مشروع التدامج قيد التنفيذ. والواضح أن تركيبة المجموعة المكونة من بلدان ذات توجهات سياسية واقتصادية وإيديولوجية مختلفة لا تتقبل طروحات شافيز الجذرية، وخصوصاً أن العديد من هذه البلدان يرتبط باتفاقات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبلدان الشرق الأقصى.‏

والواضح أيضاً أن شافيز يبدو على عجلة من أمره في شأن توحيد القارة، بينما يميل آخرون، ومنهم الرئيس البرازيلي دا سيلفا، إلى خيار النفس الطويل لقيادة عملية التوحيد إلى غايتها المرجوة. ومن هذا المنطلق، قال دا سيلفا موجهاً كلامه إلى شافيز: "لا يحق لنا أن نفشل". وعلى كل حال، فإن صيغة العمل الجماعي ضمن إطار المجموعة الموحدة لا تعني وقف صيغ العمل في المجموعات الاقتصادية الأخرى، ومنها مجموعة آلبا التي يدعو إليها شافيز كنقيض للمنطقة الحرة التي تدعو إليها واشنطن. ما يعني أن المجال مفتوح أمام جميع المبادرات لإثبات جدارتها من خلال العمل الملموس الذي يبدو أن فنزويلا قد قطعت فيه شوطاً لافتاً عن طريق عشرات الاتفاقيات الموقعة بين آلبا والعديد من بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك عن طريق عشرات المشاريع الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، داخل فنزويلا، والتي تفسر، إضافة إلى الالتزام بسياسة خارجية مناهضة للهيمنة الأميركية، نجاحات شافيز المتتالية في الاستحققات الانتخابية.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006‏

2006-12-15