ارشيف من : 2005-2008

شافيز: فوز على فوز!

شافيز: فوز على فوز!

شأن الولايات المتحدة التي حققت استقلالها عن بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر وسجلت بعد ذلك نهوضها الاقتصادي السريع، تحررت أميركا الجنوبية من الاستعمارين الإسباني والبرتغالي في أواخر القرن التاسع عشر، وشكلت بلدان كالأرجنتين والبرازيل والمكسيك والشيلي نماذج تُحتذى، حتى بالنسبة الى أوروبا، في مجالات النمو الاقتصادي. لكن أميركا الجنوبية كانت أولى ضحايا التوسع القادم من شمال القارّة، حتى انتهى بها الأمر في ظل الغزو العسكري حيناً وانقلابات الجنرالات بتوجيه الاستخبارات المركزية الأميركية أحيانا كثيرة، إلى أن تصبح "حديقة خلفية للبيت الأبيض"، و"جمهوريات موز" يفتك بها الفقر والفساد والمرض.‏

كوبا سبقت بالعمل المسلح سائر بلدان أميركا اللاتينية في الخروج من دائرة الهيمنة المفروضة من قبل "اليانكي" أو "الغرينغوس" وتمكنت من الصمود طيلة ما يقرب من خمسين عاماً، قبل أن يتمكن هيغو شافيز من الوصول إلى السلطة في فنزويلا عن طريق الانتخابات الديمقراطية عام 1989، وإعلان عزمه على إحياء الثورة البوليفارية، نسبة إلى الفنزويلي سيمون بوليفار الذي سعى بعد أن قاد حرب الاستقلال، إلى توحيد بلدان أميركا اللاتينية، من دون أن يحالفه النجاح.‏

ثم أعيد انتخاب شافيز لولاية ثانية ثم لولاية ثالثة من ست سنوات في الانتخابات التي جرت يوم الأحد الماضي (3/12/2006). منافسه مانويل روزاليس خاض حملته الانتخابية ضد شافيز تحت شعارات من نوع "المحور الكوبي" و"الخطر الشيوعي"، ووعد في جملة وعوده بالعمل على إلغاء الاتفاقيات التي عقدها شافيز مع بلدان أميركا اللاتينية، وعلى قطع الروابط مع البلدان المعادية للولايات المتحدة، وخصوصاً بلدان الشرق الأوسط.‏

وإذا كان روزاليس قد خسر الانتخابات، فإنه قد ربح ما تبقى من حياته بعد الكشف عن مؤامرة لاغتياله من قبل عناصر فاشية بقصد توجيه التهمة الى شافيز، كورقة أخيرة في مواجهة ما يتمتع به من تأييد شعبي واسع، خصوصاً من قبل الأوساط المحرومة التي استفادت في ظل النظام الجديد، من مشاريع التنمية الاجتماعية التي خُصص لها نصف عائدات البلاد من النفط.‏

وقد علق آليكس ب. غيفنس مدير المعهد الأميركي لاستطلاعات الرأي على نتيجة التصويت قائلاً، من دون أن يوضح ما إذا كان قوله مدحاً أم هجاءً: إن شافيز يستفيد من دعم الفقراء الكبير، الذين يشكلون أكثرية السكان، وهو قد فاز بفضل البرامج الاجتماعية المخصصة لتحسين أوضاع الفقراء. أما مانويل روزاليس الذي كان يحتل قبل الانتخابات منصب حاكم ولاية زوليا، والذي يعلم مدى إسهام سياسات شافيز النفطية في تعزيز شعبيته، فإن خطابه يشف عن نزعة انفصالية يحاول ترويجها في الولاية الغنية بالنفط، الأمر الذي قد يشكل استحقاقاً قد تواجهه فنزويلا مستقبلاً في ظل ما يحاك ضدها من مؤامرات داخلية وخارجية.‏

وبالاقتصار على الراهن، وبرغم إثارة الشكوك حول العمليات الانتخابية التي أشرف عليها مئات المراقبين الأجانب، أكدت تيبيسي لوسينا رئيسة المجلس الوطني الانتخابي، شفافية الانتخابات ونزاهتها.‏

وجاءت نتيجة التصويت مخيبة لآمال واشنطن وروزاليس، وفاز شافيز بولاية ثالثة، وأعلن أمام الجموع التي احتشدت للاحتفال بالنصر، أنه سيعمل على تعميق الثورة وتعزيزها وتوسيعها، مؤكداً أن فنزويلا لن تكون مستعمرة أميركية، وأن الشعب الفنزويلي أنزل هزيمة إضافية بالشيطان الأميركي الذي يتنطح لقيادة العالم.‏

هزيمة إضافية بعد فشل الانقلاب العسكري الذي حاول الإطاحة بشافيز عام 2002، ولكن أيضاً بعد فوز أحزاب اليسار في تسع عمليات انتخابية من أصل إحدى عشرة عملية شهدتها أميركا اللاتينية خلال العام المنصرم.‏

وفي حين كان أنصار روزاليس يستقبلون نتيجة التصويت بردود فعل تراوحت بين البكاء والغضب والخوف من الخطر الأحمر، استقبل غالبية الفنزويليين فوز شافيز بفرح عارم رشحت بين طياته مظاهر الخوف المستبطن من إمكانية عودة مناصري الولايات المتحدة إلى الحكم.‏

فالذين صوّتوا لشافيز عاشوا في الماضي صدمات مؤلمة مع مقتل "غيفارا" في بوليفيا و"آليندي" في الشيلي، وانتعشت آمالهم مع النهوض اليساري الجديد في أميركا اللاتينية مع بورتو آليغري، ومع الانتصارات التي حققها الشعوب هنا وهناك في وجه الهيمنة الأميركية. لذا كانوا يتوجسون خيفة من إمكانية الهزيمة، ولم يكن باستطاعة الكثيرين أن يناموا قبل خروج النتائج.‏

وقبل فجر الاثنين كان الفوز قد أصبح مؤكداً، فبدأ الناس بالتعبير عن فرحهم بالهتافات والمفرقعات وإطلاق أبواق السيارات، الأمر الذي أثار حفيظة البعض ممن وضعوا ذلك في خانة التصرفات غير الحضارية، بل في خانة الضجيج الذي أقض مضاجع بعض النائمين.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006‏

2006-12-15