ارشيف من : 2005-2008
الفتنة وطرائق التخلص منها
بقلم : الشيخ محمد توفيق المقداد
قال الله تعالى في كتابه الكريم: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب" (الأنفال 25).
وعن رسول الله (ص): (ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل).
وعن أمير المؤمنين (ع): "من شبّ نار الفتنة كان وقوداً لها".. وقال (ع): "أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة".
والفتنة في لغة العرب تعني الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصل كلمة الفتنة من "فتن الفضة"، اذا أُدخلت في النار لتتميز.
ولكلمة الفتنة استعمالات كثيرة حسب المورد الذي ترد فيه، كما في قوله تعالى: "إن الذين فتنوا المؤمنين.."، والمعنى هنا هو إحراق المؤمنين بالنار، وهم أصحاب الأخدود. وتأتي بمعنى البلاء كما في قوله تعالى: "وكذلك فتنا بعضهم ببعض"، أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع. وتأتي بمعنى العذاب او الذنب، كما في قوله تعالى: "واتقوا فتنة.. ". إلا أن المعنى الجامع للفتنة هو "المحنة التي تغرر بالإنسان، أو هي الأعم من الشر والبلاء، وعدم القدرة على تمييز الحق من الباطل والباطل من الحق، وعدم تمييز الخير من الشر وبالعكس".
وقد ذكر الإمام علي (ع) الأسباب المؤدية إلى حدوث الفتن فقال: "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها حكم الله، يتولى فيها رجال رجالاً، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخفَ على ذي حجر، لكنه يؤخذ من هذا ضغث "جزء" ومن هذا ضغث فيمزجان فيجللان معاً "يجتمعان"، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى.. إني سمعت رسول الله (ص) يقول: "كيف أنتم اذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهدم فيها الكبير..).
وعلى أي حال فالآية التي تصدرت المقالة فيها تحذير من الله عز وجل للمسلمين عموماً ولمسببي الفتن منهم بالخصوص من إذكاء نارها بين المسلمين وتهديدهم بالعقاب، خاصة إذا علمنا ان الفتنة اذا حصلت فلن تصيب الذين أشعلوها، بل قد تمتد لتأكل الأخضر واليابس في طريقها ممن دخل فيها أو لم يدخل.
ومعنى الآية بالعموم هو تحذير عامة المسلمين من التساهل في أمر الاختلافات الداخلية الواقعة بينهم، والتي تهدد وحدتهم وتوجب شق صفوفهم واختلاف كلمتهم وإضعاف قوتهم، مما يعود بالضرر الكبير عليهم جميعاً، ويكون الكل خاسراً، والرابح الوحيد هو المتربص شراً بالأمة الإسلامية، سواء من هم داخلها من المنافقين أو خارجها من الكافرين والمستكبرين والظالمين.
وانطلاقاً من دلالة الآية الكريمة يجب على المسلمين بكل مذاهبهم أن يكونوا يقظين ومنتبهين على الدوام من أي أمر فيه التباس، مما قد يؤدي الى وقوع الخلاف بينهم. ويجب على العلماء خصوصا المسارعة الى توضيح الأمور الملتبسة وشرحها وتبيان حقائقها، لكي ينكشف الحق عن الباطل وليعرف المسلمون كيف يتعاملون مع الأحداث التي تحصل في ما بينهم، كأمة موحدة مسلمة مؤمنة بربّها وملتزمة نهج رسولها الخاتم محمد (ص).
ومناسبة الكلام عن الفتنة هو ما تتعرض له اليوم الأمة الإسلامية من مؤامرات تدبرها أميركا، الشيطان الأكبر، وربيبتها الغدة السرطانية "اسرائيل"، من أجل الإيقاع بين المسلمين وشق صفوفهم وحصول الاقتتال في ما بينهم، ليسهل على قوى الشر والطغيان السيطرة على عالمنا الإسلامي وثرواته الكبيرة جداً.
ومن المعلوم أن المسلمين هم فئتان كبيرتان منتشرتان في أكثر دول العالم الإسلامي، وهما: "السنة" و"الشيعة". لكن كل من أتباع هذين المذهبين له الاعتقاد نفسه بأصول الدين الأساسية كما في الفروع أيضاً، والخلاف بين المذهبين منحصر في مسألة واحدة هي "الخلافة بعد النبي (ص)، حيث قال السنة بمقولة "الشورى" والشيعة بمقولة "النص والتعيين".. إلا أن هذا الخلاف التاريخي في هذه المسألة لا ينبغي أن يسري الى كل المسائل الأخرى التي يتفق عليها المسلمون جميعاً، فقرآننا وكعبتنا وصلاتنا وصومنا وحجنا وكل معاملاتنا واحدة لا خلاف فيها، إلا في بعض التفاصيل الصغيرة التي يوجد منها بين أتباع المذهب الواحد في كل المذاهب الإسلامية المعتبرة.
وإذا كان المسلمون على هذا النحو من الوحدة والاتفاق على مستوى أمور دينهم، فمن أين يأتي الاختلاف؟ ومن أين تتسلل الفتنة الى وحدتهم وتراص صفوفهم؟! ألا يستدعي هذا التساؤل من المسلمين جميعاً محاولة الإجابة عنه من خلال البحث عمن يحاول نشر الفرقة والفتنة بينهم؟
وبالتدقيق وبالتحقيق وبتحمل المسؤولية بأمانة وصبر وإخلاص، يمكن الوصول الى من يعمل على إثارة الفتنة بينهم، وستكون النتيجة أن الذي له مصلحة في الإيقاع بين المسلمين سواء في الدولة الواحدة المتشكلة من مذاهب متعددة، أو بين دول يتبع بعضها مذهباً وبعضها مذهباً آخر، هم أصحاب الأهواء، وأهل النفاق من الداخل، أو من أعداء الأمة من الخارج كالطامعين في بلاد المسلمين وثرواتهم وخيراتهم الوفيرة جداً التي تعرضت ولا تزال تتعرض حتى اليوم للنهب والسرقة من القوى الاستكبارية المتسلطة على العالم.
من هنا يجب على المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية ومن جميع المذاهب أن يتحملوا مسؤولياتهم الشرعية في الدعوة الى توحيد الكلمة تحت راية كلمة التوحيد، وأن يفضحوا أهل الأهواء والمصالح على حساب مصالح الأمة الكبرى، وأن يكشفوا الزيف عن بعض الفئات المتلبسة بلباس الإسلام وتمارس كل أنواع التفرقة والشقاق بين المسلمين الأصيلين، وتحاول أن تدفعهم دفعاً الى الاقتتال.
ولهذا نجد أمير المؤمنين (ع) يقول في مقام ذم الفتنة وما قد ينتج عنها من خسائر مادية ومعنوية على الأمة الإسلامية: "أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا "اخلعوا" تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح، هذا ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة قبل وقت إيناعها كالزارع في غير أرضه).
فرد الفتنة هو إما من خلال محاربتها بالكلمة والموقف وتوضيح الحقائق وكشف الأمور حتى لا يقع المسلمون فريسة لها، أو عبر السكوت إذا كان هناك أحد فيما لو تكلم كان كلامه مسبباً لإذكاء نار الفتنة وتوسيع شرارتها وزيادة أضرارها.
ومن أهم الأمور التي تدرأ الفتنة بين الفريقين المسلمين "السنة" و"الشيعة"، هو عقد المؤتمرات الفكرية السياسية والإعلامية والتركيز على مسألة وحدة الأمة، وأنها الأصل والأساس التي يجب على كل مسلم الانطلاق منها، وأن مسألة المذاهب انما هي متفرعة من ذلك الأصل، وليست سبباً للتفرقة بين المسلمين بأي حال من الأحوال. وأن يُسلط الضوء على أعداء الأمة الأساسيين، وخصوصاً أميركا التي لا تريد للأمة أن تتوحد. وكذلك ربيبتها "اسرائيل" الغاصبة للقدس الشريف التي ترى ان وحدة الأمة هي النقيض لها والمدمر لوجودها الغريب المزروع بغير ارادة المسلمين في أقدس بقعة من أرضهم، وهي "فلسطين".
ومن وسائل درء الفتنة التركيز على الأمور التي تجمع المسلمين، خاصة القرآن الكريم، وما ورد فيه من تأكيد أن المسلمين كلهم قلب واحد لجسد واحد لا تعدد فيه كما قال تعالى: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة..."، أو "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، أو "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص"، حيث ان كل هذه الآيات وأمثالها في كتاب الله لم تذكر إلا كلمة "الإسلام" دون أي إشارة الى المذهب، وهذا ما يؤكد أن المسلم هو أخو المسلم شاء أو أبى ومهما كان مذهبه، ما دام يؤمن بالله الواحد وبنبوة محمد (ص).
وأخيراً ندعو الله عز وجل أن يمن على هذه الأمة بالوحدة والعزة والقوة والمنعة والحرية عن المستكبرين، ليعيش المسلمون العبودية الحقة لله وحده عز وجل، بدلاً من عيش الذل تحت سطوة المستكبرين والظالمين.
والحمد لله رب العالمين
الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018