ارشيف من : 2005-2008
انقسام البشر بين محوري الحق والباطل والصراع الآخذ بالاستعار!
إن مصدر الإنسان هو الحق، وإن مآل الإنسان كذلك الى الحق: "يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربّك كدحاً فملاقيه".. لكن ما بين الحق المنشأ والحق المصير كدح وتعب وشقاء ومعاناة من خلال الاحتكاك بالتراب الذي هو مظهر الزيادة والتسافل، فتتولد المصالح التي تغذي الهوى الذي ينمو على ضوئها ليصارع الحق في الإنسان المتمثل بالعقل، فإذا بالصراع ينشأ في داخل كل إنسان صراعاً محتوماً يقضي بحسب نتائجه بأن يكون مسار الإنسان تكاملياً او تسافلياً. وإن هذا التجاذب الداخلي الذي يحتم الصراع ما يلبث ان يتبلور في ساحة النفس المجتمعية، أي على مستوى الخارج بين فئتين تتباينان في المصالح ثم لا تلبثان ان تشكلا محورين بحسب الانتماء الى الحق الذي به سلوك المجتمع الإنساني نحو التعالي أو الانتماء الى الباطل الذي به التسافل والانحطاط. وكما هي حال الداخل الإنساني في التجاذب الذي يميل فيه الإنسان أولاً نحو الهوى وما يغذيه من شهوات ورغبات ومصالح: "فألهمها فجورها وتقواها"، فكذلك في خارج الإنسان (داخل المجتمع)، فإن أكثر التوجه سيكون نحو الباطل: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"، ما يجعل النتائج الظاهرية بمثابة الغلبة للباطل الذي تحتشد حوله قوى الأنفس الاستكبارية الطاغية للأمم التي تتحالف في ما بينها لضرب الحق وتدميره وإزالته من ساحة الوجود. وهنا تأتي السنن الإلهية لتقوم بدورها في تسيير الحياة، فتنشأ معادلتان:
1 ـ إن غياب الحق عن الحياة الدنيا يعني انتهاء المصلحة في وجودها، فلا بد من التدخل الدائم للغيب من أجل الحفاظ على الحق مقدمة للحفاظ على الحياة البشرية: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". ويتم ذلك من خلال إشغال الظالمين بعضهم ببعض من خلال نشوء صراعات مصالح بين أهل الباطل أنفسهم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا"، فيكون التدخل الإلهي هنا بسنة التدافع التي تحمي الحق.
2 ـ إن التدخل الإلهي المباشر الذي كان عنصرا اساسا في حماية الحق في الأمم السابقة، تحول بعد الإسلام الى سنن وقواعد. كما ان هذا التدخل تقلص لمصلحة العقل البشري الآخذ بالارتقاء.. كما انه تقلص بغية تحميل البشر المسؤولية على نحو أفضل وأكبر، باعتبار تمكنهم من التمييز بين الحق والباطل، فلا حاجة بعد الإسلام ونبي الإسلام وأئمة الإسلام من ضرورة كبرى في تدخل إلهي مباشر يفرض على الذين يعاندون الحق ان يلتفتوا الى شناعة أفعالهم وخطورة موقفهم.
وبعد هاتين المعادلتين نصل الى النتيجة التالية:
* الحق محفوظ ومحاط بالرعاية الإلهية، ولا أحد يستطيع تغييبه أو اقتلاعه.
* الغلبة الظاهرية المؤقتة ستكون للباطل بحسب جريان الأمور بأسبابها، أي باعتبار التفاوت في القوة والنفوذ والإمكانيات.
وعليه فما دام الحق محفوظا، فإن المطلوب من أهل الحق ان يحشدوا القوة ويعدوا العدة ويمتلكوا أسباب الاقتدار والمنعة من أجل صناعة الانتصار، وذلك لأن الحق الى جانبهم وهم أهله، فما ينقصهم فقط هو القوة. لذلك أمر سبحانه عباده من أهل الحق بالاستعداد: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم".
وعندما تتحقق القوة الى جانب منطق الحق وحجته الدامغة، فإن الباطل يبدأ بالانكشاف زيفاً وادعاءات وأوهاما: "وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً".. فالحق هو حقيقة الفطرة البشرية، وهو ماهيتها الأصلية، وهو ما تنزع اليه هذه الفطرة وما اليه تتوق وتتوجه. وإن الغشاوات التي تعلو الفطرة بسبب الاحتكاك بأهواء الدنيا وتلاطم أمواج الهوى على ضفاف العقل فتأسره وتصفعه وتهدّ قواه، ما تلبث ان تنسحب وتتلاشى بفعل سطوع شمس الحق التي كانت مغشاة بسحاب الباطل الزائفة، وكل ذلك مبني على امتلاك الحق للقوة وعلى احتشاد الأنصار والأتباع والجماهير حول هذا الحق.
وهكذا فإن البشرية تسير محكومة بسنّة التدافع لحماية الحق وبسنّة الصراع بين الحق والباطل وبسنّة جريان الأمور بأسبابها، وكل هذه السنن تحكم المسار البشري الذي يصل في النتيجة الى صراع حاسم في مرحلة انعطافية مفصلية بين محوري الحق والباطل: الحق الواحد الذي يمثل الصراط المستقيم، والباطل الذي يمثل السبل التي تضل عن سبيل الله، ثم ما تلبث فرق الباطل ان تجتمع في رايتين: "المغضوب عليهم والضالين" بحسب سورة الفاتحة، في مقابل الحق "الذين أنعمت عليهم".. وبعد ذلك يجتمع الباطل في راية واحدة "هي الباطل والضلال"، فليس بعد الحق إلا الضلال. ويلتقي المحوران في محطة صراع حاسم، وبحسب السنن السالفة فإنه بعد امتلاك الحق القوة وبما أنه الأصل والحقيقة والماهية، لأجل ذلك سيكون النصر النهائي للحق: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".
وعلى قاعدة التمحور بين الحق والباطل، فإن للحق ماهية وكذلك للباطل، وللحق مزاياه ومواصفاته وكذلك الباطل، وللحق سلوكه وممارسته وكذلك الباطل، والله سبحانه هو الحق الذي يسع الوجود بأكمله، رسم الإطار للحق لعقيدته وذهنيته وعقليته وسلوكه المحكومة جميعها بالتوجه نحو الخير والصلاح.. وبالتالي فإن الإطار للباطل هو التوجه نحو الفساد والإفساد والشر، وما بين الخير والشر مسافة بين الإنسان واللاإنسان، لا المسافة بين دين وآخر او مذهب وآخر أو انتماء مناطقي وآخر، فالحق الخير هو الإنسان حق الإنسان، والباطل الشر هو الوحشية حق الوحشية، ومن الغبن الذي يمكن ان يلحق بالحق هو حشره وحصره وخنقه في انتماءات محدودة وضيقة، فالحق هو الوجود الرحب، هو الانتماء الى الله، وكل من ينتمي الى الله هو من أهل الحق، والباقون في الاتجاه المعاكس، فالله ولي الذين آمنوا ـ الى أي اتجاه بشري انتموا ـ والذين كفروا ـ الى أي اتجاه بشري انتموا ـ أولياؤهم الطاغوت.
ومن الفتنة والافتتان عدم الفصل التام بين المحورين والخلط بينهما ببث الشائعات واختلاق الأكاذيب حول الحق وأهله، وحول مصالحهم ومشاريعهم ومخططاتهم بما يجعل الكثيرين ممن يفترض بهم ان يكونوا مع الحق، يجعلهم يتوقفون وينتظرون، لأن الفتنة التي يبثها أهل الباطل لإضعاف الحق تشكل عائقا يحول دون توجه الناس الى الحق. من هنا كانت الفتنة أشد من القتل، لأن القتل يكون لنفس أو لعدة أنفس، أما الفتنة فتتأثر بها جماهير كثيرة وتصدهم عن الحق.
من هنا فإن الحق واضح، وكذا الباطل، وما بين المحورين هو ما بين الإنسان واللاإنسان، وسوف يلام الإنسان على عدم التمييز، كما سيلام أكثر ويحاسب على بث ما يفرق أهل الحق او يضعف انتماءهم اليه.
وإن أهل الحق سيجتمعون في نهاية المطاف من كل الأرض ومن كل الانتماءات في محور واحد: "هم الذين آمنوا"، وإن أهل الباطل سيجتمعون في نهاية المطاف من كل الأرض ومن كل الانتماءات "هم الذين كفروا والمشركون".
وسوف تحصل المواجهة التي تنتهي لمصلحة الحق وأهله: "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"، و"إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده". فليس صحيحا أن المسيطر في الدنيا هو الباطل وأن المسيطر في الآخرة هو الحق، وليس صحيحا أن الدنيا للكافرين الظالمين وأن الآخرة للمؤمنين الصالحين، بل لا بد من الإيمان بالمعادلة التالية:
إن العاقبة في الدنيا للمؤمنين، وإن العاقبة في الآخرة للمؤمنين. كذلك الحق سيحكم الدنيا مع وجود الباطل، وكذلك الحق هو القائم في الآخرة، لكن مع زوال الباطل واندثاره، فانتبه أيها الغافل!!
د. بلال نعيم
الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018