ارشيف من : 2005-2008
"الانتقاد" في مخيّمات المعتصمين: شجرة وزينة للأعياد وعتب كبير على من يتجنى
امتداد ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وصولاً الى جسر فؤاد شهاب. ومع اقتراب عيدي الميلاد ورأس السنة نصب المعتصمون شجرة ميلاد "عملاقة" في ساحة الشهداء, وشجرة ثانية في ساحة رياض الصلح مزينة بلافتات تنتقد أداء الحكومة. وبرغم التنوع الطائفي للمشاركين في الاعتصام، فإن أجواء التعارف والألفة والمحبة تسودهم جميعا, وتكاد تجعلهم عائلة واحدة.
الجولة في الساحتين تكشف عن إصرار وتمسك أكبر لدى المعتصمين بالمطالب التي رسموها لتحركهم. ومعرفة هذا الأمر لا تتطلب الكثير من التدقيق والعمليات الحسابية، اذ يكفي أن تشاهد اللافتات او الأعمال اللوجستية التي يقومون بها بشكل دائم، أو أن تتحدث مع عدد منهم حتى تدرك أن المعتصمين يذهبون الى البعيد، أي الى ما بعد رأس السنة، وربما الى أشهر طويلة، المهم حسب ما قالوا أن يتحقق ما يصبو اليه التحرك، وهو الشراكة الحقيقية في الحكم.
في ساحة الشهداء التي تتحرك في أجواء من الحيوية نظراً الى العمق التاريخي لها، من حيث ارتباطها بالحرية والتغيير، تبدو من حيث أتيت شجرة الميلاد بأضوائها الأخاذة.
يقول إميل هاشم الناشط في التيار الوطني الحر وهو يؤدي عمله بوضع اللمسات الأخيرة على شجرة الميلاد: "نحن نتعاون مع شباب جميع التيارات الأخرى لكي ننجز كل ما يلزم للأعياد السعيدة, ونقوم بأقل الواجب في ساحة المخيّم، ولا ينقصنا شيء".
يضيف: "لدينا جدول بالنشاطات في أيام الأعياد، منها الندوات الثقافية, والمسرحيات الفنية، وخاصة للأطفال مع أهاليهم، الذين سيشاركوننا هذه المناسبة المجيدة من كل الأراضي اللبنانية".
وسائل التدفئة مؤمّنة كما يقول إميل: "نحن نؤمّن كل شيء للمخيم، ولكن بعض الشبان يجلب من منزله "زوّادة" صغيرة يومية".
أما زميلته الناشطة في التيار نفسه وتدعى زهرة، فقد أكدت بلهجة تعبر عن اندفاعها "أن معنوياتنا مرتفعة جدا، وكل شيء موجود في الاعتصام من مأكل ومشرب وتدفئة". وتشير الى أن نشاط زراعي ـ من ضمن فاعليات الاعتصام ـ في ساحة رياض الصلح لتعليم الأطفال كيفية الاعتناء بالأشجار، ليبقى بلدنا أخضر.
وتعلق زهرة على الكلام الذي تناول المعتصمين بن هناك أجواءً غير لائقة في المخيم فتقول: "هو ـ الكاردينال صفير ـ كرجل دين في مركز كبير بمقامه يفترض عليه أن يرى بعينيه، وليس أن يسمع بأذنيه، لأن السمع لا يكفي، خصوصاً اذا ما هدف الى الفتنة. ان المس بشرف الناس لا يُتناول بهذه البساطة, ونحن في الاعتصام بإيماننا وعقيدتنا ننتصر، وموقفنا وطني ليس أكثر".
.. تابعنا جولتنا في المخيم, وتقدمنا الى خيمة الشبان في تيار المردة.. فكنا لبعض الوقت ضيوفهم في جلسة "زغرتاوية": النرجيلة سيدة الموقف, والنقاش في الأوضاع السياسية ومستجداتها عنوان الحديث الدائم, ومع "شفّة" من القهوة العربية الساخنة التي تكسر حدة البرد الذي يسري في عزّ كانون.. قطعنا عليهم حديثهم لنسألهم عن الاعتصام وأحواله، فيشرح لنا سعيد الحربية الناشط في "المردة" كيفية ممارسة حياتهم اليومية في مخيم الاعتصام قائلا: "نحن نوجد بشكل دائم هنا, نؤمّن كل ما ينقصنا من وسائل من خارج المنطقة، ولا نحتاج الى أي شيء من هنا".. فالتدفئة للمعتصمين هي على نار الحطب من زغرتا, والنايلون والغاز وكل ما يلزم، حتى الكهرباء من المولدات الموجودة لدينا.. وكذلك نعمل على تنظيف المكان بشكل يومي أكثر من مرة". ويشكر سعيد فريق 14 شباط والحكومة لأنهم كانوا سبب تجمعنا في الاعتصام مع باقي الفئات اللبنانية، ما شكّل تقاربا وألفة ومحبة وتعارفا أكثر فأكثر بين الشبان، وأدى الى تعزيز الروابط والصداقات بيننا.
ويبادر أديب موسى الناشط في التيار قائلا: "إننا نشارك جميع التيارات في المخيم بتهيئة كل الاستعدادات للأعياد، وبتزيين الساحات ووضع بعض الشرائط المزينة بعبارة وحدة وطنية من وحي كل الأديان السماوية.. كما قمنا بغرس شجرة عن روح الشهيد أحمد محمود في ساحة "رياض الصلح". ويشير أديب الى أن "تقاليدنا وعاداتنا في عيد الميلاد هي أن تتجمع العائلات في المنازل وتسهر حتى منتصف الليل، وبعدها نؤدي القداس الليلي معا.. وهكذا سيحدث هنا".
أما أم جمال الجالسة بيننا، وابنة العقد الرابع والناشطة العتيقة في تيار المردة، فتعترض بحدة على كيفية تغطية المشاهد في ساحة الاعتصام من جانب بعض وسائل الإعلام، وتصفها بالمسيئة لهم عن قصد. وتعزو سبب ذلك الى إبراز صورة غير صحيحة عن المعتصمين.. فنحن أناس منفتحون على جميع التيارات ونتحاور مع المسلم والدرزي والمسيحي في ثقافاتهم المتنوعة. وتقول: "هذا الاعتصام له دلالاته المستقبلية على جميع الأطياف اللبنانية، بتكريسهم العيش المشترك من خلال وجودهم هنا. ولأن هدفهم وطني سيبقون هنا حتى إسقاط الحكومة".
الى ساحة "رياض الصلح" المشهد لا يختلف إلا من حيث القرب من مبنى السراي الحكومي وقاطنيها خلف الشريط الشائك. والذي يفرض حماسة إضافية تواصل الأناشيد الوطنية المتعددة، وخاصة الجامعة لشعارات المعتصمين مثل: "حيّ على الإصلاح.. حيّ على التغيير.. حيّ على التحرير", والتي تجمع شعارات أطياف المعارضة، وصولاً الى البرامج المتنوعة، بما فيها البرنامج المسائي اليومي الذي تُلقى فيه الخطابات بحضور الشخصيات والوفود المتضامنة الآتية من مختلف المناطق اللبنانية. وقد جرى تركيب "منبر حرّ" ليتسنى من خلاله لأي مواطن التعبير عن رأيه أمام المعتصمين.
أحد المواطنين القادمين الى الاعتصام من بلدة جويّا الجنوبية والمعروف "بالسيد" قال لنا: "أكثر من نص الشعب اللبناني جاء الى هذا المكان للاعتصام، وأراد إسقاط الحكومة.. يستحوا على دمهن، قابعين في السراي الحكومي وكأنها ملك لهم!".
وبعدها توجهنا الى خيمة شبابية مكتوب عليها "النقطة الوطنية اللبنانية".. ربما للدلالة على تجمعهم، وهو ما بدا من خلال تحلق مجموعة من الشباب بشكل مستدير وهي تتبادل الأحاديث والنقاشات في ما بينها.. وبالتأكيد حول شؤون الساعة وما يدور في فلك السياسة، وما تذهب اليه المعارضة من خيارات جديدة، كالانتخابات المبكرة..
"نحن طلاب جامعات وبيننا موظفون", يقول حسن خليل، ويشير الى أن "الاعتصام مهم جداً لتغيير الحكومة، وسنستمر به حتى تحقيق جميع مطالبنا، وأولها الشراكة الوطنية". ويتابع: "الطلاب يغادرون الى جامعتهم يوميا لمتابعة دراستهم، وبعدها يعودون الى هنا لمشاركة الشباب بالاعتصام في المخيم، ومنهم من يعرّج الى منزله لكي يبدل ملابسه أو يستحم ومن ثم يلحق برفاقه الى المخيم. وفي الليل نلتقي حول المدفأة و"الأركيلة", وللمذاكرة وقت إضافي آخر".
أما حسين حيدر (موظف) فيقول: "كل شيء متوافر هنا في المخيم من أكل وشرب ومنامة، فلماذا العودة الى المنزل! لا ينقصنا أي شيء بوجود اللجان المنظمة للاعتصام. نحن هنا لنحقق هدفنا الأكبر، ولن نتراجع عنه". يضيف: "المشاركة في الأعياد المجيدة مهمة للجميع ومع كل الطوائف، وإن شاء الله سنعيّد في الأضحى المبارك معا".
مخيمات المعتصمين مستمرة حتى تحقيق أهدافها، حكومة وحدة وطنية.. حكومة انتقالية.. انتخابات مبكرة.. لن نخرج من الساحات حتى تحقيق أهدافنا.. هذا ما يعلنه المعتصمون على مدار الساعة في بيروت، ولكن أحدا ما يجلس مقابلهم خلف الأسلاك الشائكة وقد صمّ أذنيه.. فلا يريد ان يسمع.
محمد طالب
الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018