ارشيف من : 2005-2008
"الشباطيون" يضغطون لإبقاء الضبّاط الأربعة موقوفين خلافاً للقانون:التحقيق مع مضلّلي التحقيق وشهود الزور يقود إلى قتلة الرئيس الحريري
المتطلّعون إلى معرفة الحقيقة الحقّة وغير المزيّفة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من "جبال الوهم" التي شيّدها الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية الألماني ديتليف ميليس، صاحب التاريخ الناصع في تزوير الحقائق، وقلب المعادلات، واختراع الشهود الذين يُناسبون توجّهاته، وقد ساعده في اقتراف أفعال التضليل المقصودة، فريق عمل مخابراتي تقدّمه معاونه الأساسي ورئيس المحقّقين العاملين بإشرافه، مواطنه الشرطي غيرهارد ليمان الذي عرفته زنازين الرعب الأميركي في أفغانستان باسم الشرطي "سام".
فقد اشتهر ميليس طوال فترة وجوده في لبنان منذ شهر أيار/ مايو من العام 2005 وحتّى شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، بخروجه المدروس عن إطار التفتيش عن القتلة الفعليين للرئيس الحريري، ومحرّضيهم ومورّطيهم في هذا العمل الإرهابي النوعي، وهي المهمّة الرئيسية التي كلّف بها، وانخراطِه في المشروع السياسي لتغيير هويّة المنطقة العربية والإسلامية، وانحيازه الكلّي إلى تضييع بوصلة الحقيقة المتوخاة، وافتعاله توجيه التحقيق باتجاه واحد هو سوريا والمقرّبين منها في لبنان، والتغاضي عن سلسلة من الاحتمالات الأكثر قرباً للمنطق وللواقع، ومنها المصلحة الاميركية والاستفادة التي ترمي إليها من وراء هذه الجريمة، وجهاز "الموساد" الإسرائيلي، والأصولية السلفية المتطرّفة التي كانت على عداء تام مع مشروع الرئيس الحريري.
ولم ينس اللبنانيون شهود الزور الذين اصطفّوا على باب ميليس في مقرّ إقامته في فندق "المونتيفردي"، بعدما هيّأهم نفسياً ومعلوماتياً، أحد وزراء "القوى الشباطية" الملتصقين بالمخابرات الغربية، وتحديداً الفرنسية منها، وأحضرهم الواحد تلو الآخر، بـ"رَسَن" الإغراءات المادية الهائلة التي أغدقت عليهم، وفي طليعتهم شاهد التضليل الأكبر السوري محمد زهير الصدّيق، ثمّ السوري الآخر هسام طاهر هسام، من أجل تأكيد ما نشرته، بشكل مشبوه، صحيفة "السياسة" الكويتية لصاحبها أحمد الجار الله المقرّب من المخابرات الأميركية والإسرائيلية، مستبقة قيام التحقيق بعمله ووصوله إلى أيّة معلومات، فاتهمّت ضباطاً في القيادة السورية، وأشركت معهم أربعة ضبّاط لبنانيين، ثلاثة من رؤساء الأجهزة الأمنية الممسكة بالأمن في لبنان، وهم: مدير عام الأمن العام السابق اللواء الركن جميل السيّد، ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج، ومدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد ريمون عازار، وأتبعت بهم قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، وتشاء المصادفات أن تكون صور هؤلاء الأربعة قد رفعت عن سابق تصوّر وتصميم في التظاهرات التي شهدتها بيروت في شهر آذار/ مارس من العام 2005.
وخلصت الصحيفة ومعها شاهد الزور الصدّيق، إلى زرع وهم في رؤوس الناس بمختلف تيّاراتهم وطوائفهم وانتماءاتهم السياسية، مفاده أنّ الجريمة صنعت بقرار لبناني سوري على مستوى رفيع، ونفّذت بإتقان تام، ويكونان بذلك قد أصابا هدفين بضربة واحدة، وهما تكبيل تحرّكات الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتضييق الخناق على كلّ من يعارض المشاريع الاميركية في المنطقة، وتهديده إما بالسير فيها، وإما بالاتهام التعسفي على طريقة التشهير المقذع قبل أيّة محاكمة علنية وشفّافة، وهو أشدّ قساوة من أيّ حكم منتظر.
ولما انكشف أمر الصدّيق تمّ تهريبه إلى فرنسا التي احتضنته وأسكنته فسيح ضوضائها، ورفضت، بالمقابل، طلباً لبنانياً رسمياً وصريحاً، بمواجهته بقاض لبناني لسماع إفادته، والتحقّق بما نسبه من معلومات إلى الضبّاط الأربعة وأدّت إلى توقيفهم في 3 أيلول/ سبتمبر من العام 2005، كما منعت تسليمه للدولة اللبنانية التي أكّدت عبر رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، في غير كتاب وجّهته للسلطات الفرنسية، تعهّدها بعدم تطبيق عقوبة الإعدام بحقّ الصدّيق.
لقد فعلت فرنسا كلّ هذا، خلافاً لمعاهدة الاسترداد الموقّعة مع لبنان، وعارضت طلب مجلس الأمن من كلّ الدول بالتعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وهذا ما ألمح إليه التقرير الرابع لرئيس اللجنة المذكورة، البلجيكي سيرج برامرتز، والصادر في 12 كانون الأول الماضي، من عدم تعاون بعض الدول معه من دون أنْ يذكرها بالاسم، ولكنّها باتت معروفة، وهي، بالإضافة إلى فرنسا، ألمانيا والكيان الصهيوني، فقال في الفقرة السابعة من تقريره إنّ اللجنة "عرفت تأخيراً ونقصاً في الاستجابة من بعض الدول"، مثمّناً المساعدة السورية له في المعلومات والتسهيلات والمقابلات.
ولم ينقطع التحريض على التضليل من "الوزير الشباطي" المعروف باتصالاته السلكية واللاسلكية والاستخباراتية، فدفع بالشاهد الفلسطيني عبد الباسط بني عودة الذي تنقّل من عميل زنزانة لمصلحة "الموساد" إلى جاسوس للمخابرات الفلسطينية، وزعم أنّه كان مع الضبّاط الأربعة عند التخطيط لجريمة الاغتيال بينما هو كان في حقيقة الأمر، قابعاً في زنزانته في سجن "رومية" المركزي" يمضي محكوميته بناءً على حكم قضائي صادر عن المحكمة العسكرية الدائمة، فما كان من برامرتز إلاّ أنْ أهمل إفادته وتركه وشأنه، فتمّ تهريبه تحت جنح الظلام، إلى إحدى الدول الإسكندنافية، وتحديداً السويد، بدلاً من إحالته على المحقّق العدلي القاضي إلياس عيد لسماع إفادته التي سئل عنها الضبّاط الأربعة وأنكروا معرفتهم به، كما أنّ النائب العام التمييزي سعيد ميرزا لم يدّع عليه بجرم إعطاء شهادة كاذبة من شأنها تضليل التحقيق على غرار ما فعل مع الصدّيق.
وجاء تقرير برامرتز الرابع ليذيب كلّ الأوهام والتخيلات التي ابتدعتها مخيّلة ميليس و"تنظيم التضليل" السائر معه، وهذا ما يسوّغ اندفاع الأخير للقصف عشوائياً بشتّى الاختلاقات والافتراءات، على برامرتز قبل مدّة قصيرة من صدور التقرير، وذلك للتقليل من أهمية مضمونه لاحقاً، وهذا ما يعزّز الدور المشبوه الذي لعبه ميليس في مجريات التحقيق، ما رسم علامات استفهام كثيرة حولها سرّعت في الإطاحة به، وهذا ما يفسّر أيضاً، برأي بعض المراقبين، استقبال "القوى الشباطية" لتقرير برامرتز بفتور بعكس حفاوتها بتقريري ميليس.
ويضيف هؤلاء المراقبون، أنّ هذه الصورة هي ترجمة فورية للسرعة القصوى غير المسبوقة للوصول إلى المحكمة ذات الطابع الدولي، بهدف التغطية والتستّر على فضائح ميليس، وليس لإماطة اللثام عن الجناة، وإلا ما معنى أن تقوم محكمة ولا ينشأ دليل واحد على وجود القاتل المتواري، وتكون النتيجة النهائية تبرئة المشتبه به والتغاضي عن الجاني، ويقفل الملفّ وكأنّه لم يكن وهو ما لا يريده الشعب اللبناني.
ويسأل هؤلاء المراقبون لماذا لم تستمع لجنة التحقيق الدولية إلى إفادات كلّ السياسيين والإعلاميين والأشخاص العاديين الذين سعوا في تصاريحهم وتصرّفاتهم إلى تضليل التحقيق، وجرّه إلى منحى مغاير لوجهته الأساسية، عبر تقديم معلومات كاذبة ووهمية وواهية لا أساس لها من الصحّة، وأقلّه معرفة من دفعهم إلى ارتكاب هذا الجرم الجزائي الذي يعاقب عليه القانون، وإسقاط الأقنعة التي يتخفّون خلفها، ومحاسبتهم على أساسها، فلربما يقود التحقيق مع هؤلاء إلى معرفة القتلة الحقيقيين للرئيس الحريري وليس الافتراضيين والمطلوب اتهامهم مسبقاً لغايات أميركية باتت مكشوفة للقريب والبعيد؟
وجزم برامرتز في الفقرة السادسة والتسعين من تقريره بعدم اقتناعه بكلّ إفادة الشاهد الصدّيق، كما فعل سابقاً في تقريره الصادر في 25 أيلول/ سبتمبر 2006، ما يعني رفضه لمضمونها التحويري، طالباً بشكل غير مباشر، من القضاء اللبناني العمل على تخلية سبيل الضبّاط الأربعة لأنّه لم يعد من الجائز إبقاؤهم قيد الاعتقال والتوقيف الاعتباطي المخالف للقانون.
وعلمت "الانتقاد" أنّ القاضيين عيد وميرزا يدرسان إمكانية تخلية سبيل الضبّاط الأربعة على دفعات، وإن كان ذلك غير مأمول في المدى المنظور بسبب الضغط السياسي لـ"لقوى الشباطية" الرافضة لهذه الخطوة، وفي هذا التدخّل، افتئات على عمل القضاء، ومخالفة واضحة لمبدأ إحقاق الحقّ.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1194 ـ كانون الاول/ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018