ارشيف من : 2005-2008

المبادرات مهلة أخيرة.. وإلا فالتصعيد آتٍ

المبادرات مهلة أخيرة.. وإلا فالتصعيد آتٍ

المتحكمة فيه. وفي هذا الإطار يمكن تسجيل التالي:‏

أولاً: إن ما يجري اليوم هو في أحد وجوهه، بمثابة الفصل السياسي من عدوان تموز على لبنان عموماً، والمقاومة تحديداً.‏

وهو بهذا المعنى يعكس ـ بقدر ما يستبطن ـ صراعاً، بل قل استمراراً للصراع حول الخيارات السياسية الوطنية العليا التي يجب أن تحكم لبنان في المرحلة المقبلة، هذه الخيارات التي تتراوح بين خيارين اثنين لا ثالث لهما، لا لتعذر إمكانه النظري، وإنما لتعذر إمكانه العملي والموضوعي.. وهذان الخياران هما: خيار الالتحاق ومن موقع الذيلية والاستتباع بالمشروع الأميركي ـ الصهيوني للمنطقة، والذي يتخذ لنفسه أسماء حركية ورمزية تتراوح بين الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وسواها من المسميات التفصيلية المتنوعة. والخيار الآخر هو خيار مقاومة هذا المشروع وممانعته، ورفض النزعة الاستعمارية الجديدة ـ القديمة، التي تشكل رأس حربتها اليوم الولايات المتحدة وربيبها الكيان الإسرائيلي.‏

والقول ان ما يحدث اليوم في لبنان هو الفصل السياسي لعدوان تموز، يجد صدقيته في حقيقتين أساسيتين: الأولى هي فشل العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي وبعض العربي واللبناني في تحقيق أهدافه عبر القوة العسكرية الطاغية للصهاينة. والثانية تتمثل في سلوك الولايات المتحدة وسواها من الدول التي تدور في فلكها، وفي السلوك الاستتباعي للفريق الحاكم أثناء وعقب العدوان، حيث ركز هذا السلوك على كيفية تعويض الخسارة الإسرائيلية بواسطة القدرات السياسية المتنفذة، سواء لواشنطن من خلال مجلس الأمن أو للفريق الحاكم من خلال إمساكه بقرارات الحكومة والمجلس النيابي معاً.‏

خلاصة الكلام هنا أننا أمام مواجهة مركبة الأبعاد والطبقات، وبالتالي يتوقف على حسمها حسم الكثير من الأمور:‏

ـ الأولى: حفظ الانتصار وتضحيات اللبنانيين، وبالتالي منع الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة من تحويل هذا النصر إلى هزيمة أو تضييعه.‏

ـ الثانية: إفقاد الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة حلقة أساسية من منظومة المتحد الاستراتيجي الذي تراهن من خلاله على دفع مشروعه في المنطقة خطوة متقدمة إلى الأمام. ومن لوازم ذلك تعزيز خط المقاومة والممانعة في المنطقة لهذا المشروع الاستعماري النهّاب لخيرات المنطقة ومواردها.‏

الثالثة: التأسيس لحالة استقلالية وطنية فعلية في لبنان ليس لها سابق في تاريخه، سيما لجهة ارتكازها على قدرة اللبنانيين أنفسهم، وتجاوزها ضرورات الانتماء أو الاستناد على الخارج الذي تسلكه الطوائف عادة في لبنان، في ما تراه ممراً إلزامياً لها لتقوية موقعها في المعادلة الداخلية على حساب باقي الطوائف.‏

ثانياً: من نافل القول أن الولايات المتحدة تعاني اليوم من إخفاق ذريع في المنطقة بأسرها، إلا أن التعبير الأقوى لهذا الإخفاق يجد نفسه في المأزق العراقي لواشنطن ابتداءً، وفي الفشل اللبناني أيضاً، وكذلك في الفشل الفلسطيني.‏

ومن نافل القول أيضاً أن إدارة بوش الحالية باتت محكومة بإجراء تغيير ما في سياساتها في المنطقة، حيث ان المكابرة لم تعد تجدي، بل باتت وصفة مكررة للمزيد من الإخفاق والفشل. وهذا التوجه لإجراء التغيير يجد قوته الدافعة في التغيير الذي جاءت به انتخابات الكونغرس النصفية، وداخل قطاعات واسعة من النخب الحاكمة أو المتنفذة، والممثلة لقطاعات صناعية مؤثرة كالمجمع الخاص بالصناعات العسكرية والشركات النفطية العملاقة، وكذلك داخل الحزب الجمهوري وفي وزارة الدفاع، إضافة إلى كثرة الأوراق المقدمة الداعية إلى إجراء مقاربة مختلفة للأوضاع في المنطقة، بما يمهد الطريق لوقف المأزق الأميركي والخروج منه.‏

إلا أن ما ليس واضحاً حتى الآن ويحتاج إلى مزيد من الوقت لاستبيانه، هو حدود التغيير الذي سيعتمده بوش. وإذا كان من شيء يمكن التقاطه هنا من بعض المعطيات فهو التالي:‏

أ ـ إن أي قرار بالانسحاب السريع لن يُتخذ، وإن ما سيُعتمد هو نوع من إعادة تموضع، أي الانسحاب من الأرياف والمدن إلى قواعد ثابتة.‏

ب ـ القيام بخطوة تعزيز للقوات كمرحلة أولى لتحويل بغداد العاصمة إلى منطقة أمنية نسبياً وإلى حد كبير.‏

ج ـ تحميل الحكومة العراقية والعراقيين مسؤولية الأوضاع، سيما الأمنية في العراق، بحيث يمكن من خلال ذلك تحميلهما مغبة أي فشل لاحقا، والانسحاب لا بذريعة الفشل الأميركي، وإنما بغطاء الفشل العراقي نفسه.‏

د ـ القيام بمحاولة لإعادة هندسة الوضع السياسي داخل العراق بالاتجاه الذي يضمن منح السنّة المزيد من المواقع والأدوار، ومعها الدول المعنية لا سيما السعودية.. وكذلك رد الاعتبار الى البعثيين تحت عنوان "الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء"، وذلك بهدف احتواء المعارضة السنية والبعثية وتقليلها الى الحد الأدنى، وإجراء توازن داخلي وإقليمي مع الشيعة، وإيران تحديداً.‏

هـ ـ محاولة حصر أي حوار قائم أو مقبل مع سوريا وإيران في نطاق الملف العراقي، من دون السماح بتوسيع ملفاته الى مناطق أخرى، كالملف النووي والملف الفلسطيني أو ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إضافة الى الملف اللبناني.‏

و ـ الاحتفاظ بخطوط الصدام المستحدثة داخلياً بين الدول الحليفة أو الصديقة والدول المواجهة، لكن بعد تحريف مضمونه وإعطائه تارة معنى مذهبيا وتارة أخرى معنى قوميا.‏

إن مقتضى ما تقدم هو:‏

أولاً: إن واشنطن ليست في وارد إجراء تسويات شاملة، بقدر ما هي تحصر البحث في إيجاد مخرج من مأزقها العراقي، لتنصرف الى ملفات أخرى تراها أولى، كالملف النووي الإيراني.‏

ثانياً: حتى مع التسليم بأن واشنطن يمكن أن تذهب الى خيار التفاوض الشامل، فهذا يستلزم منها العمل على الاحتفاظ بأوراقها الحالية والتشبث بها، حتى اذا ما اضطرت الى التخلي عنها تتخلى عنها مقابل أثمان كبيرة. وإذا ما فشل التفاوض يمكن البناء عليها لمواجهات لاحقة.‏

ثالثاً: المعارضة والفريق الحاكم:‏

إن جردة أولية لتوازنات القوة بين الطرفين حتى الساعة تقود الى الاستنتاجات التالية:‏

أ ـ إن المعارضة بصفتها التمثيلية الوطنية العامة وصفتها التمثيلية المسيحية حسمت المعركة الشعبية لمصلحتها.‏

في المقابل لم يتمكن فريق السلطة من خلال الإكثار من المهرجانات المناطقية تعويض هذه الخسارة. فوجود المعارضة في المركز ـ أي العاصمة، مع النجاح في توفير حشود شعبية ليس لها سابقة في تاريخ لبنان، أعطاها تفوقاً نوعياً لا يعوضه الإكثار الكمي في الاستعراضات الخائبة.‏

ب ـ بناءً عليه حاول الفريق الحاكم تعويض فشله الآنف عبر إجراءات عدة أبرزها: استدراج المزيد من التأييد والدعم الدولي والإقليمي، بما فيها الإسرائيلي، واللجوء الى خط الدفاع المذهبي كملاذ داخلي أخير لإيقاف اندفاعة المعارضة.‏

خلاصة الوضع الحالي، هناك توازن إيجابي لمصلحة المعارضة التي ما زالت تملك الكثير من الأوراق في جعبتها، بما يمكنها من الاحتفاظ بزمام المبادرة، في المقابل لدى الفريق الحاكم نوعاً من التوازن السلبي يتمثل بمعادلة رئيسية هي ربط لبنان بمحاور الصراع في المنطقة من خلال ربط هذا الفريق مصالحه بمصالح المشروع الأميركي، ليشكل له رافعة تعوضه فقدان ميزان القوة الداخلي لمصلحة المعارضة.‏

رابعاً: خلاصة عامة:‏

ما تقدم، يقود في مجمله الى استنتاج رئيسي، أن لا حلول سحرية قريبة، وإن نطاق الاشتباك وتعقيداته وأبعاده، ليس من السهل تصور تسويات ممكنة لها خارج إطار ما يحدث في المنطقة، لكن من الواضح أنه مهما كانت وجهة الأمور، فالمرحلة المقبلة ستشهد المزيد من التجاذب وتبادل الضغوط، لحين الوصول الى أحد أمرين: إما حسم المواجهة لمصلحة فريق دون آخر، وإما تسويات مطلبية تعكس حقيقة توازنات القوة الموجودة، وحقيقة المتغيرات الشعبية على الأرض، وهذا ما يفسر ذهاب المعارضة منذ الآن نحو رفع خيار الانتخابات المبكرة، ذلك أن شعار حكومة الوحدة الوطنية قد تصلح به الفعل التطورات الداخلية التي لن يفيد معها حينئذٍ أي دعم دولي أو إقليمي مهما كان نوعه.‏

في هذا السياق العام لا تبدو أن الظروف العامة باتت ناضجة للمبادرات الحالية، إلا إذا كان ما يحدث تحت الطاولة وفي الكواليس هنا وفي الخارج، قد قطع أشواطاً الى الأمام.. لا يعلم بها إلا أهلها.‏

الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ديسمبر2006‏

2006-12-22