ارشيف من : 2005-2008

هُدد المفتي.. فعُزل أئمة المساجد المعارضون:هكذا تحولّت دار الافتاء الى دار "المستقبل"

هُدد المفتي.. فعُزل أئمة المساجد المعارضون:هكذا تحولّت دار الافتاء الى دار "المستقبل"

فتحت دار الفتوى أبوابها أمام تيار المستقبل ومجموعة 14 شباط القابضة على السلطة، والمتحصنة بالسراي الحكومي. ودخلت، ربما رغماً عنها، طرفاً في السجال السياسي المحلي، غير عابئة باللغة المذهبية لخطاب المفتي والمفتين التابعين له في المناطق اللبنانية، وهي لغة استحدث المحتل الاميركي مصطلحاتها في العراق لاغراق المنطقة في مستنقع الخلافات الطائفية المذهبية.‏

مراجع سنية أبدت تخوفها من استنساخ مصطلحات العنف الطائقي من العراق، ومحاولة ربط بيروت ببغداد، وتخويف اللبنانيين من أبو مصعب البيروتي الذي سيظهر، كنتيجة طبيعية فيما لو فشل سعد الحريري في تثبيت زعامته كشخصية سنية. وأكدت مرجعيات في الطائفة السنية أن المشاركة العلمائية الفاعلة في المعارضة الوطنية، عطلت مفعول الخطاب المذهبي لتيار المستقبل الذي يحاول التظلل بدار الفتوى وشرعنة مواقفه.‏

وأجرت هذه المراجع مقارنة بين حال دار الفتوى حالياً ودورها سابقاً في العمل من أجل وحدة العيش المشترك. كانت دار الفتوى سابقاً بيتاً لجميع اللبنانيين، وكانت مواقفها تتجاوز المذهب والطائفة، الى الوطنية الحقة الفاعلة في محيطها العربي ودائرتها الاسلامية الكبرى، وتعمل على تعزيز العيش المشترك لبنانياً، والاخوة مع الدول العربية وفي مقدمتها سوريا، أما الان فإن دار الفتوى وبسبب مواقفها السياسية تحولت الى طرف في الأزمة.‏

هذا الانحياز السياسي نحو تيار المستقبل، والمعطوف بمظلة شرعية، كانت نتيجته ضغطاً لا يُحتمل، مارسه النائب سعد الحريري على سماحة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، بعد سلسلة من الأخطاء السياسية ارتكبها المفتي نفسه وكادت ان تطيح به، بعدما تلقى تهديدات لا لبس فيها من النائب الحريري تنذره بإحالته الى التقاعد واستبداله بمفتٍ جديد. وعددت هذه المراجع مجموعة من الأخطاء منها على سبيل المثال:‏

ـ تنظيم تظاهرة 5 شباط في منطقة الاشرفية للاحتجاج على الرسوم المسيئة للرسول الاكرم(ص)، وأدت الى احراق مبنى السفارة الدنماركية والتعدي على ممتلكات المواطنين لأنهم من المسيحيين فقط، وقد شارك عناصر من تيار المستقبل في هذه التظاهرة التي رفعت شعارات طائفية.‏

بعد التظاهرة تبين لزعيم تيار المستقبل سعد الحريري ان سماحة المفتي، هو صاحب الدعوة للتظاهرة، استغل موقعه الديني، وطلب بتوسيع الدعوة لتشمل الى جانب تيار المستقبل، المجموعات السلفية، التي اكتشف الحريري فجأة انها تنمو في معاهد ومدارس دار الفتوى الى حد الامساك بها من خلال تنسيب الطلبة وصرف المبالغ المالية السخية.‏

على أثر ذلك طلب سعد الحريري من المفتي تحت طائلة عزله، اصلاح ما خربته التظاهرة بسرعة قبل أن تخرب جهوده لحشد جمهور غفير من المسيحيين والسنة لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولامتصاص نقمة سعد الحريري تنكر المفتي للتظاهرة، وكذب الصور متهماً مجموعات من المندسين بالتخريب، علماً ان القوى الامنية طوت فيما بعد ملف التحقيقات وأخفت الادلة.‏

ـ قيام سماحة المفتي محمد رشيد قباني بزيارة الى العاصمة السورية لتقديم التهنئة للشيخ أحمد حسون باستلامه منصب الافتاء في الجمهورية. قام المفتي بهذه الزيارة بدون علم أو استشارة النائب سعد الحريري الذي عبر عن غضبه للزيارة بتوجيه رسالة شديدة اللهجة للمفتي، وتحذيره مجدداً من القيام بأي تحرك ديني أو سياسي دون التشاور معه شخصياً، خصوصاً بعد الحفاوة السورية الكبيرة في استقبال الضيف اللبناني.‏

ـ وصول العديد من الشكاوى الى النائب سعد الحريري حول ادارة المفتي لدار الافتاء، لجهة فقدانه السيطرة على بعض المفتين في المناطق وبسبب تكاثر السلفيين في مؤسسات ومساجد ومدارس دار الفتوى، هذا الى جانب الخلافات الناشبة بين المفتي والمشايخ في المسائل الادارية والمالية وتحديداً فيما يتعلق بالتعيينات والمُصارفات.‏

بعد تراكم الاخطاء السياسية لدار الفتوى بحسب شخصية مقربة من تيار المستقبل بات الشيخ سعد الحريري مقتنعاً بضرورة استبدال المفتي محمد رشيد قباني بشخصية دينية ذات حضور قوي، تُمسك مؤسسة الافتاء.‏

عندما وصلت هذه المعلومات الى المفتي طار الى المملكة العربية السعودية شاكياً سعد الحريري لكنه بدل أن يسمع تطمينات من المسؤولين السعوديين تحفظ موقعيته الدينية، سمع كلاماً مختلفاً. طلبوا منه توفير الدعم الكامل لسياسة الحريري، ولو استدعى ذلك الغطاء الشرعي، والتنسيق معه في المواقف كافة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان.‏

لهذه الاسباب جنحت مواقف المفتي نحو تيار المستقبل، ووقفت دار الفتوى الى جانب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وقام مفتي الجمهورية برسم الخطوط الحمر حول السراي الحكومي، والسنيورة، والشارع، والمعارضة، مستخدماً ادوات الشحن المذهبي والطائفي.‏

لم تجد سياسات المفتي استحساناً عند غالبية الشيوخ السنة الذين اعترضوا اثر نزول المعارضة الى الشارع للمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، اعترضوا أولاً على قيام المفتي، ومدراء المعاهد التابعة لدار الفتوى بتوزيع العمائم على طلاب العلم، وحملهم بالباصات الى السراي الحكومي لمشاركة الجمهور بالهتاف للسنيورة، كما استنكروا مواقفه السياسية التي تسببت في حصول احداث عنف في أكثر من منطقة داخل بيروت وخارجها. وفي محاولة لرد المفتي عن سياسته المنحازة، تداعت شخصيات سنية ورجال الدين في الطائفة الى تنظيم سلسلة من الاتصالات والمشاورات واللقاءات مع قيادات المعارضة للتأكيد على وطنية الطائفة السنية وتحميل المفتي المسؤولية الشخصية لمواقفه.‏

هذا الحراك السياسي أزعج سماحة المفتي، وبعض المفتين في المناطق، وسارعوا الى اتخاذ تدابير ادارية بحق "المشايخ" الذين يعملون على خط الوحدة الوطنية والاسلامية، ونبذ الخطابات المذهبية، ومن الشيوخ الذين شملتهم هذه الاجراءات فضيلة الشيخ ماهر مزهر الذي طرد بقرار تعسفي من عمله في دار الفتوى على خلفية مشاركته في صلاة الجمعة خلف العلامة فتحي يكن في ساحة الشهداء.‏

وإذ ستبعدت المرجعيات السنية ان يتراجع المفتي عن سياساته، قبل ان يجنح سعد الحريري نحو حكومة الوحدة الوطنية، أملت ان يؤدي التمثيل السني بشقيه الديني والحزبي داخل المعارضة الوطنية الى تعطيل اللغة المذهبية والطائفية وصولاً الى تشكيل الحكومة الوطنية.‏

قاسم متيرك‏

الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ديسمبر 2006‏

2006-12-22