ارشيف من : 2005-2008
استمرار التعطيل الاميركي ـ السلطوي للمبادرة العربية
مرحلة جديدة وحاسمة ستنتقل اليها المعارضة بعد الأعياد في سياق تحركها لإسقاط حكومة الوصاية والاستئثار، عنوانها تشكيل حكومة انتقالية تعد قانوناً عادلاً للانتخاب تمهيداً لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وذلك بعدما عطلت واشنطن بإملاءاتها للفريق السلطوي الحاكم في لبنان مبادرة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية. وعليه فإن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً اضافياً من قبل المعارضة في موازاة استمرار الاعتصام المفتوح في وسط العاصمة والذي شارف دخول أسبوعه الرابع محرجاً بحضاريته وسلميته الفريق الحاكم ورعاته في الخارج، وأسقط أهدافه في إحداث فتنة مذهبية، هذا في وقت لم تسفر الجولة الجديدة لعمرو موسى عن أي جديد حيث بدا أنها لم تتعدّ تقطيع الوقت مع استمرار العرقلة الاميركية للحلول، فضلاً عن أن نتائج محادثاته أظهرت أن الأمور بلغت حد تلويح موسى بإعلان فشل مهمته.
تحدثت "الانتقاد" في عددها الجمعة الماضي عن "افشال اميركي لمبادرة موسى" فيما كانت الصحف تتحدث في اليوم نفسه عن نصف نجاح للمبادرة وذلك بناءً على كلام الأمين العام في مؤتمره الصحفي بعد ظهر الخميس الذي تحدث فيه عن تقدم بنسبة خمسين بالمئة، وهذا التقدم الذي جرى الحديث عنه تناول نقطتين:
الأولى: موافقة المعارضة والفريق السلطوي على حكومة وحدة وطنية على أساس تمثيل 19 - 10 - 1 والوزير "الملك" تسميه المعارضة ضمن سلة من خمسة أسماء على أن يكون للفريق السلطوي امكانية الرفض حتى الاسم الرابع.
الثانية: تشكيل لجنة سداسية تضم قضاة مستقلين، وتمثيلا متساويا للمعارضة والسلطة لمناقشة مسودة المحكمة الدولية وإحالتها على حكومة الوحدة لإقرارها، ومن ثم سلوكها للأطر الدستورية وصولاً إلى اقرارها في مجلس النواب.
مضى حينها يوم او يومان على هذه المسحة التفاؤلية التي ما لبثت أن تبددت في اليوم الثالث، مع ظهور مؤشرات انقلاب الفريق السلطوي على تعهداته بناءً على التعليمات الاميركية، حيث أعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط رفضاً قاطعاً لأي تعديل في نظام المحكمة "فطارت اللجنة السداسية"، ثم جاء موقف آخر على لسان أكثر من قطب في الفريق الحاكم يعلن أن الوزير "الملك" يجب أن يأتي بالتفاهم بين الفريقين وليس بتسمية من المعارضة "فسقطت حكومة الوحدة الوطنية"، وبالتالي عادت الأمور إلى نقطة الصفر أو ما دون ذلك.
في هذه الأثناء كان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى يقوم بزيارة إلى الرياض ويلتقي بالملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ويعلن من الرياض عن دعم سعودي للمبادرة العربية، وعليه عاد موسى إلى بيروت وأجرى سلسلة اضافية من المحادثات مع فريقي السلطة والمعارضة، بدت أنها لم تحقق أي تقدم، بل عادت إلى ما قبل انطلاق المبادرة، وذلك حسبما توافر من معلومات عن الاجتماعات التي عقدها، ومنها اجتماعه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة حيث حمل معه موسى نقاطاً من الفريق السلطوي بعد اجتماع عقده مع أقطابه في قريطم. وقد فاجأت هذه النقاط الرئيس بري حيث أنها تتحدث عن إقرار المحكمة في مجلس النواب كما أقرتها الحكومة غير الشرعية بعد فتح دورة استثنائية للمجلس، اضافة إلى عودة الوزراء إلى الحكومة، ولاحقاً يجري البحث في توسيع الحكومة، وأن الوزير "الملك" يجري اختياره بالتفاهم بين الطرفين ولا تسمّيه المعارضة، وهو ما لاقى رفضاً قاطعاً من بري الذي أكد على مطلب المعارضة بالثلث الضامن الصافي، وأن "الوزير الحادي عشر يجب أن يكون كالوزير الأول"، وشدد على رفض تجاوز الأصول الدستورية في ملف المحكمة بعدما لمس أن الفريق السلطوي بدأ يفتح المعركة مع مجلس النواب في ملف المحكمة وذلك من خلال نشر نظامها في ملحق الجريدة الرسمية، والعريضة التي وقع عليها سبعون نائباً من الفريق السلطوي، وتدعو رئيس المجلس إلى عقد جلسة عامة طارئة لإقرار مشروع المحكمة كما أقرّته الحكومة اللادستورية.
هذه المعطيات جعلت اللقاء عاصفاً بين موسى والرئيس بري، ووصل الأمر بالأول إلى القول إنه سيخرج ليعلن المبادرة وليس المعارضة.
مصادر واسعة الإطلاع في المعارضة تؤكد أن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى "لم يحمل معه أي جديد"، وبشأن ما قيل عن دعم سعودي له تقول المصادر "لو كانت السعودية راغبة في إعطاء تسهيلات لحل الأزمة السياسية في لبنان وحصول انفراجات لكانت قامت بهذا الأمر بنفسها واستثمرته سياسياً لدى الأطراف في لبنان والخارج"، ولما أعطته للأمين العام لجامعة الدول العربية، وترى المصادر أن ما يحاول موسى القيام به هو إحداث نوع من الانفراج في العلاقة المتوترة بين السعودية وسوريا، وهي تتخوف من جهة ثانية من أن تكون جولات موسى لا تعدو كونها تقطيعاً للوقت.
وسط هذه المعطيات كان التفشيل الاميركي لمهمة موسى يستمر "على عينك يا تاجر"، وهو ما عبّر عنه تصريح الرئيس الاميركي جورج بوش الذي أشاد وأعرب عن افتخاره برئيس الحكومة اللادستورية فؤاد السنيورة الذي أثبت حسب بوش "صلابته وحزمه إزاء الضغوط الهائلة التي يتعرض لها من حزب الله وسوريا".
بالمقابل كانت مبادرة موسى تلقى دعماً اضافياً من الجمهورية الاسلامية في ايران عبّر عنها وزير الخارجية منوشهر متقي الذي تحدث عن تواصل سيحصل خلال أيام مع السعودية بشأن حل الأزمة السياسية في لبنان، وجاء في السياق نفسه الاجتماع المطول بين موسى ونائب وزير الخارجية الايراني لشؤون الشرق الأوسط في مقر السفارة الايرانية في بيروت قبل أيام. كما أجرى موسى جولة من المحادثات في سوريا مع الرئيس السوري بشار الأسد وعدد من المسؤولين السوريين.
وترى أوساط متابعة أن هذه المحادثات ركّزت على تحسين العلاقة بين دمشق والرياض أكثر من الملف اللبناني، وفي هذا السياق تذكّر بعض الأوساط بموقف رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الذي جاء واضحاً عندما قال لعمرو موسى خلال اجتماعه به في قصر بعبدا ان الحل يكون هنا في لبنان، وما قلناه لكم ستسمعونه من القادة في سوريا، والحل هو بتشكيل حكومة وحدة وطنية.
"تصعيد الخطوات"
وسط هذه المعطيات كانت المعارضة تدرس الخيارات وتستشرف آفاق المرحلة المقبلة للتحرك الذي كانت بدأته في الأول من كانون الأول الحالي عبر التظاهرة المليونية ثم التظاهرة الثانية في العاشر منه. ولهذه الغاية كانت الخطوة الهامة عبر اللقاء الذي عقد في منزل الرئيس عمر كرامي في طرابلس وحضره المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل والنائب علي حسن خليل وزعيم تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية ورئيس الحزب الديمقراطي النائب السابق طلال ارسلان والعضو القيادي في التيار الوطني الحر جبران باسيل وباقي ممثلي المعارضة حيث جرى الاعلان عن تطور مطلب المعارضة من حكومة الوحدة الوطنية إلى الحكومة الانتقالية التي تكون مهمتها اقرار قانون انتخاب عادل وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، مع الإعلان عن تصعيد التحرك بعد الأعياد إذا فشل الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في تحقيق تقدم في جولته الأخيرة وهو ما بات مؤكداً.
وتبع هذا اللقاء اجتماع للقاء الوطني في منزل الرئيس عمر كرامي الثلاثاء الماضي في الرملة البيضاء أيّد مقررات لقاء المعارضة، كذلك عقد تحالف الأحزاب المعارضة لقاء في مقر حزب الاتحاد في بربور أمس الخميس للغاية نفسها.
وعليه فإن الأمور تتجه نحو التصعيد بعد الأعياد لتحقيق مطالب المعارضة وسط تكتم عن نوعية هذا التحرك الذي ستناقش تفاصيله في اجتماع آخر لأركان المعارضة بعد الأعياد، ومن غير المستبعد أن يكون هذا الاجتماع على مستوى قيادات الصف الأول.
في مجمل الأحوال فإنه ما لم تحصل معجزة فإن الأفق يبدو مسدوداً أمام مهمة موسى المعقدة بسبب التعطيل الاميركي والذي تظهر ترجمته في تصرفات الفريق السلطوي في بيروت.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ ديسمبر2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018