ارشيف من : 2005-2008
أميركا العرب وإيران بين الندية والارتهان
إن أميركا وفي إطار ضغوطها على إيران في الملف النووي أوحت إلى ملك الأردن التحدث عن الهلال الشيعي، فيما طلبت من السعودية إقناع تركيا بالدخول في حلف ضد إيران تحت حجة الهلال المزعوم، حيث زار الملك عبد الله بن عبد العزيز تركيا لهذا الغرض.
نجحت أميركا خلال العقدين المنصرمين في السيطرة على معظم بلدان العالم الإسلامي وسيطرت على ثرواتها، فيما تقف إيران ممانعة لهذا المد الأميركي، هذه الممانعة مردها وجود ذاكرة إيرانية طويلة مع الغطرسة الأميركية، في بلد وضعته أهميته الإستراتيجية محط أطماع وتدخلات الولايات المتحدة منذ خمسين عاما، عندما أسقطت أميركا عبر انقلاب عسكري عام 1953 رئيس الوزراء السابق محمد مصدق، ومن ثم دعمت صدام في حربه ضد إيران، وساهمت بقيام حلف عربي ساند صدام سياسيا وماليا في حربه تلك..
لقد أدى انهيار الإتحاد السوفياتي إلى بروز أولويات جديدة في سياسة الولايات المتحدة في العالم وتتلخص في أمرين:
1ـ الوقوف في وجه الصين التي سوف تمثل الخطر الأكبر على الولايات المتحدة بعد عشرين عاماً.
2ـ السيطرة على الشرق الأوسط وعلى احتياطه من البترول الذي يعادل ستين في المئة من الاحتياطي العالمي.
من هنا ازدادت أهمية إيران في إستراتيجية الولايات المتحدة، وأصبح هم السيطرة عليها أولوية لنجاح السياسة الأميركية المذكورة، فإيران تحوي ثالث احتياطي للبترول، وثاني احتياطي للغاز في العالم، فضلا عن كونها مركز طرق استراتيجياً لمرور نفط بحر قزوين نحو الأسواق العالمية. لقد أدى سقوط بغداد إلى محاصرة إيران بالجيوش الأميركية من الشمال في أفغانستان ومن الجنوب في العراق فضلا عن وجود أنظمة تابعة لأميركا في دول الخليج العربية وفي أذربيجان التي تناكفها العداء، ولو أضفنا إلى ذلك وجود ست دول نووية في محيطها الحيوي هي الهند والصين وباكستان وروسيا و"إسرائيل" إضافة إلى الولايات المتحدة، لأدركنا مدى القلق الذي يعتري الساسة في إيران على أمنهم القومي المهدد أميركياً وإسرائيلياً، حيث نجد هذا التهديد يوميا في تصريحات بوش ورايس وأولمرت وغيرهم من المحافظين الجدد في أميركا و"إسرائيل"، وهذا ما حتم على إيران البحث عن الوسائل العسكرية والتحالفات السياسية الكفيلة بحمايتها من المصير الذي آل إليه العراق.
في مراجعة لتاريخ إيران نجد أن هذا البلد لم يشن أية حرب منذ مئتي عام، وقد اعتمد في العقود الثلاثة الأخيرة سياسة مستقلة على الصعيد الدولي فيها الكثير من التحدي للهيمنة الأميركية على العالمين العربي والإسلامي.
على الصعيد العراقي وفي ظل المأزق الناجم عن الاحتلال الأميركي تبدو إيران الدولة الأكثر تأثيرا في العراق، وتحتاج الولايات المتحدة، التي يجب أن تفكّر في الاعتراف بفشلها في المغامرة العراقية بدلاً من الإصرار على البحث عن "إستراتيجية للفوز"، إلى تعاون إيران كي تنجحَ استراتيجية خروجها من المستنقع العراقي.
غير أنّ الإيرانيين يعملون لدفع واشنطن إلى إعادة النظر بمجمل استراتيجيتها في منطقة الخليج تماشياً مع مصالح شعوبه، ويأمل الإيرانيون أيضاً أن يحصلوا على اعترافٍ، وإن كان تدريجياً، بمكانة بلدهم في المنطقة، أمّا الأميركيون فيستعملون الملف النووي كأداة ضغطٍ على إيران.
إنّ الحوار بين إيران والولايات المتّحدة، لن ينجح بالضرورة في حال تمّ، خاصةً إذا أصرَّ الأميركيون على إبقاء المناقشات ضمن إطار المسألة العراقية، فيما يرى الإيرانيون في الحوار فرصةً لإدراج مسائل استراتيجية أخرى على جدول المناقشات، وهي مسائل تخصّ فلسطين وأفغانستان ولبنان، ذلك أن إيران أثبتت أنها تمارس السياسة بمفهوم دولة مستقلة ذات مصالح استراتيجية، بعيداً عن التبعية الخارجية، وهذا ما تفتقده الدول العربية.
نعود للدبلوماسي، حول الرد التركي على العرض السعودي حيث أكد أن الأتراك أفهموا السعوديين ما يلي
1ـ ليس هناك مصلحة في تحويل الخلاف السياسي في العالم الإسلامي إلى خلاف بين السنة والشيعة.
2ـ إن الإستراتيجية التركية في المنطقة أساسها منع قيام دولة كردية في العراق، وإيران حليف أساس في هذا الأمر.
قبل أن يضيف (الدبلوماسي طبعا) أن الوفد السعودي المرافق للملك عبد الله سمع من بعض مساعدي أردوغان ما مفاده أن الأتراك لا يثقون كثيرا بالعرب نتيجة ارتهان الدول العربية كليا للسياسة الأميركية، وعدم وجود استراتيجية عربية يمكن التعويل عليها، بخلاف ما هو عليه الوضع الإيراني.
الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018