ارشيف من : 2005-2008
مقترحات بيكر ـ هاملتون:إقرار بالهزيمة ومحاولة لكسب الوقت وحفظ ماء الوجه
استباقية للنظر في الإجراءات العملية التي اعتمدها المحافظون الجدد منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001: غزو أفغانستان والعراق بمبررات كاذبة.
شبكة تحالفات وتدخلات دولية ضد الإرهاب، شبكات تجسس وخطف، تضييق مالي على الجمعيات الخيرية، قوانين تنصت وملاحقة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وما يشكله ذلك من مساس بالحريات العامة والخاصة، سجون علنية وسرية شهدت فضائح تورط فيها كبار المسؤولين. دعم مطلق لإسرائيل مع تزويدها بالأسلحة المتطورة أثناء الحرب على لبنان، بشكل يتنافى مع المواثيق الدولية. تصعيد السياسات العدائية تجاه سوريا وإيران والسودان... كل تلك الإجراءات تم اتخاذها بموجب الصلاحيات شبه الإمبراطورية التي يتمتع بها الرئيس الجمهوري لأقوى جمهورية في العالم. وكل تلك الإجراءات تم اتخاذها بعد وعود أطلقها، وما زال يطلقها بوش ورايس وغيرهما بالنصر الأكيد، وبإقامة نظام شرق أوسطي يحلم بعض قصيري النظر عندنا بأنه سيكون صورة عن الهزيمة كشرط للانتصار والازدهار، وذلك على سبيل تعميم الدرس المستفاد من المثالين الياباني والألماني.
وبعد هزيمة المحافظين في مجلسي الشيوخ والنواب، جاء تقرير مجموعة دراسات بيكر ـ هاملتون كمحاولة لتطويق تداعيات الحرب الاستباقية الفاشلة في كل من العراق وأفغانستان، وما تبشر به من هزائم مسبقة في المواجهات مع سوريا وإيران ولبنان والسودان والصومال وغيرها من البلدان المعنية مباشرة بمشكلات الشرق الأوسط الذي تضعه واشنطن في قلب دائرة اهتمامها، وتحتار في اختيار اسم له بين الكبير والموسع والجديد، تغطية على الاسم الحقيقي المنشود له كشرق أوسط مفتت بالفوضى على طريق إعادة بنائه وفقاً لمقتضيات المقياس الأميركي ـ الإسرائيلي.
الخطوة بحد ذاتها، وبعيداً عن مضمون ما جاءت به طروحات جدية أو غير جدية، هي ضربة قاسية للرئيس بوش (هو نفسه وصف تقرير اللجنة بالـ"قسوة") بما هي محاولة لرأب الصدع الذي أحدثته سياساته منذ وصوله إلى الحكم، وهي السياسات التي تمحورت حول الحرب على الإرهاب. وهي بحد ذاتها، وحتى لو لم يتم اعتمادها في سياسات بوش اللاحقة، خلال السنتين المتبقيتين من ولايته، تعبير عن وجود إحساس أكيد في الشارع الأميركي، ومن ثم داخل الطبقة السياسية، باستحالة مواصلة السياسات المعتمدة من قبل المحافظين الجدد، وهذا الإحساس قابل لأن يتحول إلى ناظم للسياسة الخارجية الأميركية. ويمكن القول بأنه قد بدأ بالمسير في هذا الاتجاه مع إقالة وزير الحرب الأميركي، دونالد رامسفيلد، وممثل واشنطن في الأمم المتحدة، جون بولتون. إلا أن الحكم على مقترحات اللجنة لا يمكن إلا أن يظل رهين التأويلات التي يتم إسقاطها عليها بوحي من الخيارات السياسية المسبقة عند مطلقي الأحكام، أكثر مما هو نتيجة لدراسة موضوعية لا يمكنها، في أحسن الأحوال، أن تكشف أكثر من مدلولات الألفاظ، دون النيات الفعلية.
فعلى سبيل المثال، هنالك، بين المهوِّلين من المنتقدين، من اعتبر مقترحات بيكر ـ هاملتون بمثابة كارثة ستفضي إلى زوال "إسرائيل" وتراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط أمام القوة الإيرانية الصاعدة. وهنالك من اعتبر أن أفضل ما يمكن أن تأتي به اللجنة لا يمكن أن يكون مختلفاً عما جاءت به السياسات المعتمدة، في ظل تداول السلطة بين الجمهوريين والديموقراطيين، أي العمل بأشكال أخرى، أكثر ناجعية لخدمة المصالح الأميركية. وهنالك أيضاً الأحكام التي تريدها اللجنة نفسها، والتي شددت على المكاسب الكثيرة التي يمكن أن يحصل عليها جميع الأفرقاء فيما لو تم التوصل، على أساس المقترحات، إلى شراكات بناءة بين واشنطن و"إسرائيل" ودول المنطقة، في جو من الاستقرار الإقليمي المفقود منذ عشرات السنين، والقابل للتدهور في ظل تفاقم المواجهات الحالية واللاحقة.
لذا، وبدلاً من تفسير المقترحات بطريقة التكهن المشبع بالبروباغندا، قد يكون من الممكن التوصل إلى فهم لهذه المقترحات بالحد الأدنى، وانطلاقاً من المعطيات الملموسة. فهذه المقترحات تنطلق من أن الحرب في العراق قد أصبحت طويلة ومكلفة، وأن استمرارها ستكون له انعكاسات خطيرة من شأنها أن تضعف موقع الولايات المتحدة في العالم. ولمواجهة ذلك، تطلّب اتخاذ إجراءات لتحسين الوضع وحماية مصالح الأميركيين. وتمر تلك الإجراءات بتحقيق انسحاب للقسم الأكبر من القوات الأميركية من العراق خلال الربع الأول من العام 2008، مع الإيكال التدريجي لمهام الأمن للجيش العراقي وقواه الأمنية، أملاً بالوصول إلى الاستقرار، قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، خلال الربع الأخير من العام 2008. ويصمت التقرير عن الفترات اللاحقة لذلك التاريخ، مستبطناً في ذلك فكرة الاستعداد للتصرف وفقاً لما تمليه مصالح الأميركيين، دون أن يحدد طبيعة هذه المصالح التي بات من المعروف أن حدها الأدنى هو النفط الذي يمكن، في أسوأ الاحتمالات تأمين الحصول عليه بشروط تجارية معقولة. وبالطبع، فإن حماية مصالح الأميركيين قد تتطلب حلولاً أخرى، عسكرية، يمكن طرحها في حينه، وبأشكال تختلف عن الطريقة التي اعتمدها المحافظون الجدد والتي أفضت إلى الكارثة الحالية.
أما النقطة الثانية التي يتركز عليها اهتمام المقترحات فتؤكد أن المحافظة على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم إلا من خلال حل شامل للصراع العربي الإسرائيلي يمر بتوقيع اتفاقيات سلام مع سوريا ولبنان والمنظمات الفلسطينية التي لا تزال ترفض هذه الاتفاقيات. والملاحظ أن التقرير قد عاد للحديث عن صراع عربي ـ إسرائيلي وعن حل شامل، بعد أن كان الصراع قد قلص، بعد خروج مصر والأردن من دائرة المواجهة، إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي، وبعد أن تحول الحل الشامل إلى حلول منفردة وفقاً للمشيئة الإسرائيلية. وقد أوجس الإسرائيليون خيفة من هذا التوجه الذي سيعيد، لا محالة، إلى دائرة الضوء مسألة الانسحاب حتى حدود الـ67، وبدأت الأوساط الصهيونية بتحريض مستوطني الجولان والضفة الغربية على الاستعداد للتحرك ضد التسوية المقترحة. وتذهب اقتراحات بيكر إلى حد التوصية بعقد مؤتمر دولي تحضره إيران وسوريا ولا تدعى إليه "إسرائيل" بهدف مناقشة مستقبل العراق والانسحاب الإسرائيلي حتى حدود الـ67، وذلك تحت عنوان "مدريد 2" الذي يريد لنفسه، ظاهرياً على الأقل، أن يعدل الوجهة التي تطورت من خلالها الأمور بعد "مدريد 1". وتؤكد المصادر أن البيت الأبيض يعكف حالياً على دراسة هذا المقترح.
والملاحظ أن أكثرية الأوساط السياسية الإسرائيلية قد رأت في مقترحات بيكر ـ هاملتون انتصاراً لـ"الإرهاب الإسلامي" ولمحور الشر، و"انقلاباً" أميركياً على "إسرائيل" حيث اعتبرتها ورقة بيد الإرهاب، تماشياً مع وجهات النظر التي تربط بين تعسفات "إسرائيل" وتوسع الظاهرة الإرهابية. كما أعربت مصادر إسرائيلية عديدة عن أملها بإلقاء المقترحات في "سلة المهملات"، وذلك في ظل التحفظات عليها من الرئيس بوش والكثير غيره من المسؤولين الأميركيين.
لكن المتحفظين لا يبدو عليهم أنهم فهموا الهاجس الرئيسي الذي دفع باتجاه تشكيل لجنة بيكر ـ هاملتون، وباتجاه ما تحاول الوصول إليه من حلول توافقية، ولو موقتة، مع إيران وسوريا، كقوى فاعلة في المنطقة. فذلك الهاجس ينطلق من الباب المسدود الذي ارتطمت به السياسة الأميركية في أفغانستان والعراق، والتي كانت تطمح من خلال احتلال هذين البلدين ووضعهما في دائرة "الاستقرار الأميركي"، إلى قطع جناحي إيران الشرقي والغربي، بعد إحاطتها بالقواعد العسكرية من آسيا الوسطى والقفقاس إلى الخليج، مع فصلها عن، سوريا، البلد العربي الوحيد الذي لا يزال يعارض التسويات الانهزامية المملاة إسرائيلياً، وعن لبنان الذي استطاع، بالمقاومة، أن يخرج لبنان من دائرة تلك التسويات، وأن يعيد، عام 2000، ثم عام 2006، عقارب الصراع إلى فلكها الحقيقي: صراع مصيري حول فلسطين، قضية العرب باختلاف أديانهم، وقضية المسلمين باختلاف مذاهبهم.
ما الذي كان يمكن، بدلاً من مقترحات بيكر ـ هاملتون، للأميركيين أن يفعلوه غير التصعيد العسكري ضد إيران وسوريا والعراق؟ وما الذي كان يمكن لهذا التصعيد أن يؤول إليه بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما كشفته من قدرات غير متوقعة عند حزب الله، ليس فقط للتصدي، بل أيضاً لتوجيه الضربات الموجعة، بكل ما حملته من شحنات نضالية للوعي العربي والإسلامي والعالمي، وبكل ما سببته من إحباطات ومخاوف مرعبة لـ"إسرائيل"، لأول مرة في تاريخ الصراع؟ وإذا كان حزب الله الذي قاتل بيده اليسرى، بينما يده اليمنى على الجبهة الداخلية، قد تمكن من تحقيق هذه الخطوة الهامة نحو الانتصار النهائي، فكيف يكون الأمر مع سوريا وإيران اللتين تمتلكان جبهتين داخليتين متراصتين، وما يكفي من الأسلحة الكفيلة بقلب المعادلات في المنطقة والعالم، برغم التهويل النووي الإسرائيلي وغير الإسرائيلي؟
الأميركيون والإسرائيليون وحلفاؤهم يعملون بدأب منذ سنوات على الإطاحة بالنظامين الإيراني والسوري. وقد ظن ضيقو الأفق أن قوة "إسرائيل"، والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وتكثيف الضغط على الملف النووي الإيراني هي بوادر الانهيار الكبير.
لكن الأمور سارت في الاتجاه المعاكس، ولم يعد أمام الأميركيين وحلفائهم غير خيار الحرب الشاملة، لكنه خيار مستحيل ما دام أن الهزائم كانت من نصيبهم حتى في الحروب المحدودة.
لذا، فإن مقترحات بيكر ـ هاملتون هي، إن في الشأن العراقي، أو في الشأن المتعلق بالقضية الفلسطينية، محاولة للخروج بماء الوجه، بدلاً من التعويل على الرهانات الخاسرة سلفاً. لكن هذا لا يعني نهاية الرهانات، لأن هزيمة مشروع المحافظين الجدد القائم على البطش العسكري، ستفسح المجال على الأرجح لنقل القسم الأكبر من المواجهة إلى ميادين الاحتلال عبر التفكيك الاقتصادي والثقافي التي قد تكون أشد نكاية من ميادين المواجهات العسكرية.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ديسمبر2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018