ارشيف من : 2005-2008

اضطررن للخروج بحثاً عن لقمة العيش ولمساندة أزواجهن

اضطررن للخروج بحثاً عن لقمة العيش ولمساندة أزواجهن

بها الشوارع في مدينة غزة قادمة من بيت لاهيا شمال قطاع غزة حيث تقطن في بيتها المتواضع.‏

تمتلئ عربتها بشتى أنواع الخضار الطازجة، تارة تتوقف بها أمام أحد المنازل وتارة تسير منادية بأعلى صوتها المتبقي في حبالها الصوتية لتجلب الزبائن لخضرواتها الصغيرة التي جمعتها بيديها وساعدها بجمعها أطفالها الثمانية.‏

قالت أم محمد لـ"الانتقاد" وهي متوقفة أمام منزل وسط غزة: "لا أبيع الكثير، فقط بعض الشواكل أعود بها لأطفالي، وهناك تبدأ مطالب الحياة اليومية من أكل وشرب وملابس ومتطلبات دراسية لا أكاد أقدر على الوفاء بها، فأشعر أنها لا تنتهي، ولكن الصبر مفتاح الفرج".‏

وفي صورة أخرى التقطتها "الانتقاد"، توقفت السيدة أم رأفت المدهون (60 عاماً) خلف بضاعتها التي تبتاعها بسعر الجملة من التجار وتفتتح لها محلاً صغيراً في منزلها الذي افتتحت بداخله أيضاً فرناً لتساعد زوجها المسن على تشغيله وتحصيل لقمة العيش من وراء مبيعاتها وإنتاج المخبز الذي ينضج خبز الجيران، في الوقت الذي ينضج به جيب أم رأفت وزوجها ومنزلها الصغير حيث ساعد، كما قالت، في مصاريف زفاف ابنها الأكبر رأفت وبناء غرفة صغيرة له في ذات منزل العائلة.‏

الجيران في مدينة غزة حيث منزل أم رأفت استاؤوا من جلوس المرأة أمام منزلها تبيع الخضروات وتعيش الحياة بشقائها ومرارتها وقالوا لها مستنكرين: "لديك سبعة أولاد وتبيعين أنت الخضروات وتنشئين مخبزاً وتقفين بجانب زوجك فأين أولادك؟"، فما كان منها إلا أن قالت: "المرأة كل المجتمع وليست نصفه، وأنا أساعد أولادي للدراسة ولتحصيل شهادات عليا، ولا أخجل من عملي".‏

فيما لم تستطع السيدة هيفاء أن تتوقف عن العمل في أحد أفران مدينة غزة وكانت تصنع عجينة البيتزا التي يزداد عليها الطلب المحلي لا سيما في فصل الشتاء قالت لـ"الانتقاد": "هنا أجني قليلاً من المال الذي يساعدني في حياتي وأعود ببعض الخبز والبيتزا لأطفالي بعد أن توقف زوجي عن العمل داخل الأراضي المحتلة عام 48 منذ خمس سنوات، وأستطيع أن ألبي قليلاً من احتياجات المنزل لا سيما في المناسبات الدينية مثل شهر رمضان والأعياد".‏

وعن زوجها تقول السيدة هيفاء: "منذ اليوم الذي توقف فيه عن العمل لعدم منحه تصريحا، حاول البحث في قطاع غزة من شماله إلى جنوبه عن فرصة عمل في مجال البناء الذي أفنى به حياته، ولكنه لم يجد، وكلما توجه إلى احد الأبراج السكنية التي يرى أنها قيد البناء يعده المقاول بأن يتصل به حينما يحتاج عاملاً، ولكنه ينتظر أياماً تمتد لأسابيع فأشهر ولا يحدث اتصال واحد، فيبدأ بفقدان الأمل، وهنا ارتأيت أن أخرج لأساعد زوجي الذي يدخل في حالات نفسية صعبة أخاف على حياته أحياناً من شدتها".‏

أما المواطنة أم أسامة (37 عاماً) من مخيم المغازي وسط قطاع غزة فتقول: "ليتني أجد فرصة للعمل في أي مكان، أو أجد فرصة لدورة بطالة حكومية، أو من قبل الانروا، ولكن لم أوفق بذلك منذ ست سنوات حينما توقف زوجي صالح عن العمل في احد الأفران داخل الخط الأخضر، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى لم يصدر له الاحتلال تصريح دخول إلى هناك ما اضطره للعمل في مخبز فلسطيني لا يعطيه مالكه سوى 40 شيكلاً يومياً، أي ما يعادل 10 دولارات يقتطع منها 10 شواكل للمواصلات، فيتبقى لأولاده الثمانية ولي فقط 30 شيكلاً، وهي لا تكفي، وخاصة أن ابننا الأكبر في الثانية عشرة تخصصه علوم ويحتاج إلى اهتمام خاص".‏

وتضيف قائلة: "ولكن كل يوم يزداد صبر زوجي ويؤكد لي أن الوضع هذا لن يدوم وسوف تزول الأزمة قريباً إن ازداد تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه وعاد إلى عمقه العربي والاسلامي".‏

آلاف النساء الفلسطينيات خرجن بحثاً عن عمل ولو قلّ أجره وصغرت قيمته في أعين الناس، فبعضهن تصنعن الجبن والألبان، وبعضهن الآخر تعملن في مخابز محلية، وبعضهن صنعن المفتول (أكلة فلسطينية شهيرة) وباعتها لجاراتها لا سيما العاملات في السلك الحكومي والقطاع الخاص.‏

وتشير العديد من الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) إلى ارتفاع نسبة الفقر بين العائلات الفلسطينية إلى 72% متخوفة من ارتفاع النسبة إلى 74% من مجموع سكان ا لأراضي الفلسطينية، فيما تدل كل التقارير إلى أن النساء هن الفئة الأكثر تأثراً بالفقر.‏

وتؤكد مديرة وحدة المرأة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان منى الشوا أن النساء هن الأكثر عرضة للمعاناة في ظل التردي للوضع الاقتصادي وتراجع مستوى الدخل للأزواج والآباء أو توقف هذا الدخل لأي مدة زمنية، لا سيما بعد توقف آلاف العمال عن العمل داخل الخط الأخضر، وتوقف رواتب 160 ألف موظف حكومي مع فرض الحصار الدولي على الشعب الفلسطيني وقطع المساعدات عن موظفي القطاع العام.‏

ليلى البيومي التي تدير أحد البرامج الإنمائية في طاقم شؤون المرأة تؤكد أن عدد النساء المحتاجات للعمل يتزايد يوماً بعد يوم، وتشدد على أن الكثيرات من النساء بتن يراجعن طلباً للعمل خادمات بالمنازل برغم عزوفهن عن هذه المهنة بالسابق، وخوفهن من النظرة المجتمعية لطبيعة عمل المرأة خادمة، وتضيف أن القدرة الاستهلاكية لدى العائلات الفلسطينية في قطاع غزة تراجعت بنسبة 12% منذ بدء هذا العام.‏

الانتقاد/ العدد1194 ـ 22 كانون الاول/ديسمبر 2006‏

2006-12-22