ارشيف من : 2005-2008
الموضع المقدس للكعبة المشرفة (أعزها الله)
الصحراء بين أقصى الشمال في أراضي فلسطين إلى أقصى الجنوب في أراضي اليمن.. إنها مكة المكرمة.
ومكة التي عرفت بعدة أسماء مثل: مكة وبكة وأم القرى، هي مدينة في جزيرة العرب ترتفع عن سطح البحر 330م، وترجع عمارتها إلى عهد النبي إبراهيم (ع) وابنه إسماعيل (ع)، وفيها وُلد نبينا محمد (ص)، ومنها انطلقت أول أنوار الإسلام والدعوة النبوية الكريمة في غار حراء، وفيها المسجد الحرام، أول مسجد وُضع في الأرض، حيث تواترت الأحاديث بحقه، فالصلاة فيه تعادل ألف صلاة.. وفيها مقام إبراهيم (ع) وبئر زمزم ودار الأرقم. وفيها الكعبة المشرفة أعزها المولى تعالى، وهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وسط المسجد الحرام، التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً.. وهي مربعة البناء.
الكعبة المشرفة (أعزها الله)
تعد الكعبة المشرفة أقدم معبد وأقدم بيت للتوحيد، وقد جاء في سورة آل عمران: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين".
وتروي الروايات أن آدم (ع) لما هبط إلى الأرض استوحش لما رأى سعتها فقال: يا رب، أما لأرضك هذه عامر يسبّحك فيها ويقدس لك (بقدسك) غيري؟ فقال الله تعالى: "إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري ويسبحني فيها خلقي، وسأبوئك فيها بيتاً أختاره لنفسي، وأختصه بكرامتي.. إلى أن قال: أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً، أحرم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرّمه بحرمتي فقد عظم حرماتي، ومن أحله فقد أباح حرماتي..".
وحول وجوده سُئل أمير المؤمنين (ع): ما البيت المعمور؟ فقال: "هو الضراح، وهو حذاء هذا البيت، وهو في السماء السادسة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبداً". وقال النبي (ص): "البيت الذي في السماء يقال له الضراح، وهو مثل هذا البيت الحرام".
اذاً نستنتج أن البيت العتيق بُني في موضعه المقدس لوجود بيت معمور في السماء يمتد إلى نفس مكان وجود الكعبة المشرفة أعزها المولى تعالى، وأن تاريخ بنائها كان بعد هبوط آدم (ع) إلى الأرض. ورُوي أنه قبل نزول آدم (ع) بنت الملائكة المكرمون الموضع كأساس ثم بناه آدم (ع) ليتعبد لله فيه، فأذهب الله عنه الغم واستجاب له ربّه فغفر له.
ثم ما بعد آدم (ع) بقي الموضع المبارك للكعبة المشرفة (أعزها الله تعالى) معموراً بالطين والحجارة، حيث تولى أبناء آدم (ع) تعميره، ولم يزل معموراً حتى كان زمن النبي نوح (ع)، فخفي موضع الكعبة ودرس بسبب الطوفان.. وحيث ان الموضع كان أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول، والناس كانوا يعلمون بوجود مكان مقدس في تلك البقعة، فما من مظلوم أو صاحب حاجة إلا ويتوجه إلى تلك البقعة المباركة، حتى كان عهد إبراهيم (ع) الذي توجه مع زوجته هاجر وابنهما إسماعيل (ع) إلى تلك المنطقة قادمين من أرض فلسطين، وتركهما هناك بأمر من الله تعالى. وامتثل إبراهيم (ع): "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع.... بيتك الحرام.." إبراهيم 37..
وكانت نتيجة طاعته السعي لهاجر بين الصفا والمروة، الذي بات أحد أركان حج الإسلام.. وكانت المياه "زم زم" ورجم الشيطان، وباتت تلك الأحداث رمزاً وتحمل قداسة لكل حاج وحاجّة ومعتمر ومعتمرة وزائر للبيت العتيق.. وجاء رد الله تعالى على طاعة إبراهيم له بما حدث لاحقاً..
فبعد أن تمت حكاية هاجر (ع) وإسماعيل (ع) ونبعت المياه وعاشت فترة قليلة.. (ومكثت غير قليل..) ليستأذنها بنو جرهم للقدوم قرب تلك المنطقة التي توجد فيها المياه.. ثم عاد إبراهيم (ع) من فلسطين ليجد أن قوماً كثيراً يعيشون قرب المكان الذي ترك فيه هاجر وابنه، فعلم أن ذلك كله إنما لطاعته وقدسية المكان الموجود فيه.. وكان بناء الكعبة الأول: "اذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".. البقرة 127.
وتتالت الأمم بعد ذلك، فمن بعد إبراهيم (ع) وقدوم قبيلة جرهم الى الموضع المقدس جاءت خزاعة ثم بنو قصي من قريش، ثم عمرته قريش قبل النبوة، ووضعت هي ومن كان قبلها موضع الكعبة المشرفة وحولها التماثيل والأصنام العديدة التي كانت القبائل تعبدها.. وكان أشهر تلك الأصنام: اللات والعزى وهبل.
حين جاء الإسلام جرى تحويل القبلة الى اتجاه الكعبة المشرفة بعنوان توجيه كبير للمسلمين ولغيرهم ممن كان ينتقص من شأنية الكعبة بأن قبلة المسلمين باتجاه آخر، وقد جاء النص القرآني بذلك صريحا: "فلنولينّك قبلة ترضاها".
ولا بد من الإشارة الى الأهمية الكبرى التي أدتها الكعبة وموضعها المقدس، فقبل الإسلام اتخذ أحبار اليهود والرهبان أماكن خاصة للتعبد بانتظار النبي الموعود، ولكن خاب ظنهم حين كان النبي محمد (ص) من غير ما أرادوه.. فحاولوا تأليب الناس عليه وقالوا "معلم مجنون" وحرضوا الناس عليه.. "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".. فمع بداية وجود النبي محمد (ص) على ظهر هذه البسيطة وفي العام الذي وُلد فيه، كانت حكاية أبرهة الحاكم المتجبر في اليمن، الذي أراد تحويل الناس الى كعبة اصطناعية ودفع المال وصرف الوقت الكبير لهذا الأمر، لكن الناس بقوا يقدسون الكعبة الأصلية، ما دفعه لاتخاذ قرار بهدمها.. فسيّر جيشاً كبيراً على رأسه فيل كبير وتولى هو بنفسه قيادته.. وكلنا يعلم ما حدث، فقد امتنع الفيل عن التقدم باتجاه الكعبة المشرفة (أعزها الله)، وكانت كلمة عبد المطلب لأبرهة: "للكعبة ربّ يحميها".. وجاء نص ذلك الحدث في سورة الفيل في القرآن الكريم: "ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.. ألم يجعل كيدهم في تضليل.. وأرسل عليهم طيراً أبابيل.. ترميهم بحجارة من سجيل.. فجعلهم كعصفٍ مأكول".. وفي هذا العام، عام الفيل، كان انبعاث نور محمد (ص) في أرجاء مكة.. فقد وُلد النبي (ص) في ذلك العام الذي شهد معجزة حماية الله لبيته العتيق، وتدمير أعتى الغزاة في ذلك العصر..
وتتالت أحداث مهمة في ذلك البيت العتيق.. فبعد أن كانت قريش تعبد الأصنام وتجعل التماثيل بجوار الكعبة المشرفة، كان بعض المؤمنين ممن هم على دين إبراهيم (ع)، ينتظرون ما وعد الله به حين بلّغ النبي عيسى (ع) أنه "سيأتي نبي من بعدي اسمه أحمد فاتبعوه".. ولما اكتملت العلامات وكان النبي محمد (ص)، وحيث ان الناس كلهم عرفوا يتمه وفقره وصدقه وأمانته وحلّه للكثير من مشاكل قومه في أرجاء الكعبة المشرفة.. شهدت مكة المكرمة والكعبة المشرفة حدثاً هو بعث النبي (ص) بالرسالة، فكانت الرسالة النبوية (اقرأ)، وكانت بدايات الدين، فحارب الأحبار والرهبان تلك الدعوة، إضافة الى الجهلة والمتضررين من دعوة النبي (ص)، فبعد أن توقع الرهبان وكذا الأحبار أن العلامات تؤكد ولادة النبي المرسل، وهمت كل طائفة بزعمها أنه منها، فكانت الأمور تسير بغير ما أرادوه، إذ كان النبي من بني هاشم، وباتت آيات الله تتنزل عليه تباعاً، وباتت مكة المكرمة مكاناً لأنصار هذا النبي العربي، فلم يكن من أنصارهم أو أعوانهم، وهذا ما استدعى موقفاً متشدداً منه ومن أتباع هذا الدين الجديد.. فكانت المحاربة الاقتصادية وبعدها القتل والأذية، وكان اليهود وأتباع الأوثان من أشد الناس تحريضاً على الدين الإسلامي.. وبعد أحداث كثيرة وهجرة النبي (ص) الى المدينة المنورة، عاد الى مكة بشكل سلمي وكسر الأصنام بيده وبيد أمير المؤمنين (ع).. وانتشرت الدعوة في أرجاء المعمورة برغم كيد الكائدين ومكر الماكرين.
أبرز محطات الكعبة المشرفة:
ومن الجدير الالتفات الى بعض أبرز المحطات التي حدثت للكعبة المشرفة أعزها الله.
قبل بعثة النبي (ص) كان حدث ثانٍ دل على قدسية موضع الكعبة المشرفة (أعزها المولى)، فقد جاءت السيدة فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب (عبد مناف)، وهي حامل باتجاه الكعبة، وتوسلت برب ابراهيم الخليل ورب موسى وعيسى أن يخفف عنها ولادتها ويبارك لها مولودها، فكان انشقاق جدار الكعبة المشرفة وولادة أمير المؤمنين علي (ع) داخل الحرم الآمن. ولم يولد أحد قبله أو بعده داخل جوف الكعبة، وقد علمت بتلك الحادثة أهل قريش وكل قاصدي مكة المكرمة..
ـ وقبل المبعث النبوي الشريف بنت قريش البيت الحرام، وكان النبي (ص) معهم..
ـ تحويل القبلة الى الكعبة المشرفة (أعزها المولى).
ـ بعد عدة معارك: (بدر وأُحد وغيرهما) كان فتح مكة.. دخلها النبي (ص) بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل وهم يرددون شعارات واحدة.. دخلها فاتحاً ولم تشهد تلك الواقعة حرباً، وتم تكسير كل الأصنام بيده الكريمة ومعه الإمام علي (ع)، وأقيمت الصلاة في الكعبة المشرفة.
ـ بعد حج الوداع وغدير خم كانت مرحلة رحيل النبي (ص) الى الملكوت الأعلى، فشهدت الكعبة خاصة ومكة وشبه الجزيرة بل العالم أجمع حداداً وحزناً على وفاة النبي (ص)، وبالتالي توقف الوحي النازل من الباري (عز وجل).
وتوالى الحكام والأنظمة والثورات وبقيت الكعبة المقدسة محجة للمسلمين ومكان توجههم وقبلتهم ومكان اجتماعهم وتجمعهم، وباتت كما كانت تجسد البراءة من كل المشركين.. وسيبقى أول بيت بُني للناس حتى آخر الزمان ليجتمع فيه أقدس أهل الأرض والسماء، ولتعلو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018