ارشيف من : 2005-2008

من النشيد إلى الرسم والشعر في ساحتي رياض الصلح والشهداء

من النشيد إلى الرسم والشعر في ساحتي رياض الصلح والشهداء

اللوجستية. والأمر الذي قد يبدو بديهياً عند البعض، يواجَه بانتقادات من الآخرين، وخاصة طبقة النخبة من المثقفين الذين ينادون بفن رؤيوي عام شامل، يتخطى اللحظة نحو حدود أوسع للعمل الفني الذي يُفترض برأيهم أن يستمر على مدى الأجيال.‏

حالياً يشهد لبنان حدثاً يمتلك كل شروط المشهد التاريخي انطلاقاً من الساحتين المكسوّتين بقماش الخيام، وأيضاً بالإبداعات البصرية والصوتية التي قد يتقاطع أكثرها مع الإشكالية المطروحة آنفاً حول الإبداعات اللحظوية وصلاحيتها للزمن القادم.‏

مفاجآت‏

في أحيان كثيرة تصبح مفاجأة أكبر من المفاجأة نفسها، فتزوغ العيون عن تلمس الواقع لمصلحة النفخ في المجهول السوريالي الغرائبي.‏

نقول هذا لأن فعاليات المعارضة وأنشطتها حملت منذ اللحظة الأولى الخامات البكر للمفاجأة. كيف لا وقد ظهرت في وقت واحد سلسلة من الشعارات المطبوعة والموحدة الألوان والدلالات ضمن سياق مختصر، شديد التصويب وعالي الحرفة! أيضاً كانت الأناشيد بإيقاعاتها الهادرة المستنهضة لمادة الأدرينالين في أجسام الجماهير، وهي المادة التي ينتجها الجسم في لحظات التفاعل والانفعال والثورة والغضب والحماسة.‏

في العادة يحتاج ما ذكرنا من إنتاجات إبداعية، أوقاتا طويلة من الإعداد والتحضير والوقوف ملياً عند تخوم النقطة وحدود الفاصلة. كيف لا والحدث يتناول مفصلاً من نظام وتاريخ بلد؟ وكيف لا وتكوين المعارضة يشتمل على أوسع مساحة من بيكار الطوائف والأيديولوجيات؟‏

من نسغ الحياة‏

اذاً أطلت الأناشيد واللافتات والفواصل الإعلانية التلفزيونية مع النشاطات الميدانية المشتملة على فنون الرسم والشعر والمسرح في قالب دل على شدة في التنظيم كما الليونة في استخراج الأفكار الإبداعية من نسغ الحياة اليومية في الساحتين، أو حتى من التفاعلات السياسية المواكبة للحدث، حيث تغيير ملامح المشهد لا بد من أن تواكبه تغيرات مماثلة في الإبداعات اللحظوية المشخصة له.‏

مع أناشيد مباشرة في رسالتها مثل "ما بدنا طائفية.. دروز وشيعة وسنية.. إسلام ومسيحية".. وصولاً إلى المطالبة بـ"حكومة وحدة وطنية"، نلاحظ أن الكلمات برغم شموليتها في أماكن عدة، لكنها تصبح حدثية في جمل مثل "حكومة وحدة وطنية". وهنا موضع الإشكالية عند البعض، أي اقتصار عمر العمل الإبداعي على عمر الحدث نفسه.‏

الثابت والزائل‏

من هنا ننطلق لنشير إلى نقد مماثل وُجّه إلى الشاعر التمثيلي بابلو نيرودا الحائز جائزة نوبل، والذي وصل في بعض قصائده المعادية للهيمنة الأميركية أن يصرخ ويشتم ويسمي ويعدد دون الوقوف كثيراً عند تنظيرات النخب. كما أن جدارية بيكاسو "غير نيكاهيا" ترجمة مباشرة للتفاعل مع الحدث الراهن، والتجارب العربية لامتناهية لناحية الغزل على النول الفلسطيني.‏

وعليه يجب أن نفرغ القالب ونشذّبه من العناوين المفخمة، ثم ننظر مرة أخرى إلى الإشكالية بهدوء وتأمل كاملين. فالنشيد (مثلاً) الذي ينطلق من مكونات اللحظة قد "يموت" فعلاً مع انتهاء دوره، حتى لو حقق مراده وأهدافه.. لكن من قال إن جل إنتاجات البشرية ـ حتى لو كانت إبداعية ـ يجب أن يُحنط في قوالب التاريخ لمخاطبة الأجيال القادمة؟‏

وإذا تبحرنا في تفنيد الإشكالية لوجدنا أن اللحظات التاريخية الكبرى تُصنع بمزيج من المكونات التي يمكن أن تكون جماهيرية أو نخبوية أو مرتبطة بعوامل خارجية، كالطبيعة والزمن وغيرهما. لكن التاريخ وكتبه لا تدوّن هذه التفاصيل عادة، أو لا تتوقف عندها كثيراً. علماً بأن مكونات مثل الرسم والشعر والنشيد قد تكون من العناصر الرئيسية في احداث الانقلاب.‏

الخيمة بمواجهة البيروقراطية‏

نعود إلى الساحتين لننطلق نحو جنود مجهولين كتبوا ورسموا ولحنوا وأنشدوا من دون الخضوع لرفاهية المزاج وانتظار الإلهام.. هؤلاء عرفوا كيفية تطويع الموهبة لتأخذ شكل الصنعة. وهنا أذكر فنان الكاريكاتور المصري محيي الدين اللباد الذي نظّر وكتب عن جمالية الفن الناتج عن مهارات اكتسبت بعامل الوقت والتعب، لتكون الموهبة حرفة، والحرفة موهبة، ـ فن الكاريكاتور يعد مثلا مباشرا على المزج بين الموهبة والحرفة ـ فالمواكبة اليومية تكشف ديناميكية عالية الأداء، وتظهر سرعة تلقف المستجد ليكون في واجهة إنتاج إبداعي.. وأيضاً يكشف الأمر سرعة في أخذ القرار وترجمته بعيداً عن البيروقراطية الوظيفية المكتبية.‏

شجرة الميلاد‏

مشهد في غاية الجمالية والدلالة هو ذلك المؤلف في وسط بيروت، حيث تطل أشجار الميلاد بين خيم المعتصمين، ومنه قد ندل على آلية التفاعل مع ما هو مستجد. فالخيمة تجاورها شجرة، ومع زمن الاعتصام تزامنت الأعياد، فكان أن فرض الحدث نفسه على قاطني الخيمة، فقرروا تزيينها احتفالاً. ولأن قاطني الخيمة ينتمون ـ مثلاً ـ إلى التيار الوطني الحر، قرروا أن تكون طابات الزينة من اللون البرتقالي ولا لون آخر.. هكذا بكل بساطة تُنسج رسائل عدة في وقت واحد: أولاً أنا أعتصم، وأيضاً يمكنني أن أحتفل.. ثانياً أنا أحتفل وأبتكر عبر اختيار ألوان جديدة لشجرتي.. ثالثاً "أنا أحب الحياة" وأفرح بأعيادها.‏

هنا مربط الفرس، فجمالية اللحظة والتفاعل مع نبضها والتحرك على إيقاعها لا يلزم المعتصم أو يغويه بدخول التاريخ على المستوى الفردي، والمعتصم عينه متنازل مسبقاً عن هذه الرفاهية لمصلحة أن يفتح التاريخ صفحاته لجملة واحدة: "المعتصمون يسقطون الحكومة".‏

عبد الحليم حمود‏

الانتقاد/ العدد 1194 ـ 22 كانون الاول/ديسمبر2006‏

2006-12-22