ارشيف من : 2005-2008

روجيه غارودي لـ"الانتقاد":المحرقة أسطورة عدوانية لخدمة السياسة الاستعمارية

روجيه غارودي لـ"الانتقاد":المحرقة أسطورة عدوانية لخدمة السياسة الاستعمارية

باريس ـ نضال حمادة‏

منذ الحرب العالمية الثانية واللوبي الصهيوني يسيطر على العالم، تارة باسم العداء للسامية، وتارة أخرى باسم عقدة الذنب التي سببتها أسطورة المحرقة النازية، محرقة جعل منها الصهاينة شماعة تبرر كل جرائمهم، وأداة لمحاصرة الدول الغربية والمجتمع الدولي.‏

ومنذ ذاك الوقت لم تجرؤ دولة واحدة على مجرد التفكير بحقيقة حصول هذه المحرقة، إذ أن الفكرة لم تتعدّ الأفراد الذين كان نصيبهم الاضطهاد الاجتماعي والحقوقي، إلى أن وصل رجل إلى رئاسة الجمهورية في ايران فقرر، وبرغم الحملة الشعواء التي أقيمت ضده في العالم، عقد مؤتمر بحث تاريخي حول حقيقة ما جرى، وكان الهدف فقط وضع النقاط على الحروف.‏

"الانتقاد" حاولت التقاء أحد الباحثين الفرنسيين الذين شاركوا في المؤتمر، لكن هذا الباحث الذي نتحفظ عن ذكر اسمه ـ لأسباب تعود لأمنه الشخصي ـ اعتقل فور عودته لبلاده، ووضع قيد الإقامة الجبرية وحظر عليه إجراء المقابلات أو الإدلاء بتصريحات صحافية لأسبوعين، والسبب طبعاً لأنه شارك في المؤتمر لا أكثر ولا أقل، فما كان أمامنا إلا التوجه إلى الباحث الفرنسي المعروف روجيه غارودي الذي ربما كان مصيره كمصير ذلك الباحث لولا أن المرض منعه من المشاركة في المؤتمر وجرى معه هذا الحوار.‏

لماذا لا يسمح الغرب بمناقشة موضوع المحرقة؟‏

هذا ما بقي من التراث الجميل للاستعمار. في البلدان الغربية لا يحبون طرح تاريخهم الاستعماري ان كان بالنسبة لإبادة هنود أميركا البالغ عددهم سبعين مليون قتيل، أو بالنسبة للرق الذي تسبب بهلاك أناس كثر، صديقي سنغور رئيس السنغال السابق قال لي إنه من أجل القبض على رقيق واحد كان هناك عشرة قتلى من الأفارقة، ولو حسبنا عشرة ملايين انسان أخذوا عبيداً يعني ببساطة كان هناك مئة مليون قتيل من الأفارقة، بالنسبة للمحرقة ورقم الستة ملايين المقدس لست أدري، ولكن لا يجب استغلال هذا الأمر سياسياً، المشكلة أنه في الحرب كان هناك انتهاك لحقوق الإنسان بالعموم، كل انسان وليس فقط اليهود. أنا قلت إنه لو قتل انسان واحد كان هذا جريمة ضد الإنسانية انطلاقاً من مبدأ أن هذا الإنسان قتل بسبب جنسيته أو دينه أو معتقده السياسي، أنا لم أنف شيئاً في كتابي، ولكن قلت إنه تم اختلاق أسطورة أبدية، أسطورة عدوانية لخدمة السياسة الاستعمارية الغربية والإسرائيلية في مطالبتها بالأرض وبالسيطرة التي لا تنتهي.‏

للأسف ما حصل في الحرب العالمية الثانية لم يكن الجريمة الوحيدة التي عرفتها الإنسانية, ولو افترضنا وجود المحرقة هل هذا يعطي الحق لليهود بالانتقام من الفلسطينيين, لو بدأ السود وهنود أميركا بالمطالبة بالتعويض سوف تبدو قضية "إسرائيل" هامشية، لا يمكن استخدام الماضي في أساطير لأهداف سياسية. الفلسطينيون كانوا تحت الاستعمار الذي أعطى قسماً كبيراً من فلسطين لليهود من أجل بناء "إسرائيل". هنا الفلسطينيون كانوا ضحية الاستعمار، والمشكلة أنه تم الانتقام من الذين لا علاقة لهم بالأمر بتاتاً، ألمانيا كانت مذنبة وتدفع الثمن من وقتها... جيد، ولكن، الفلسطينيون ما ذنبهم في كل ما جرى، فرنسا كان لها دور هامشي ودفعت تعويضات، ولكننا أمام مطالب إسرائيلية بدون نهاية، غير شرعية، وتشكل خطراً على السلم العالمي.‏

لماذا تساند الولايات المتحدة "إسرائيل" لهذه الدرجة وتمنع البحث في حقيقة المحرقة؟‏

لأنهم رابحون من هذه القضية، الحرب لم تجلب لهم الكثير من القتلى ولكنها بالمناسبة جلبت لهم الكثير من الأموال، الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الأولى في العالم عقب حربين عالميتين في أراضي الغير، حرب 1914ـ 1918 وحرب 1939ـ1945.‏

لقد حصل استغلال لجرائم هتلر ومنها قضية المحرقة التي تستخدمها أميركا للوجود في الشرق الأوسط والسيطرة على مستعمرات هناك مكان الاستعمار القديم الفرنسي والانكليزي ولكن بطريقة أخرى، هنا تم إنشاء كيان غريب عن المنطقة ومن جانب واحد، وليس له علاقة بقضية التعويض عن الجريمة، هذا ليس صحيحاً، هناك تزوير للتاريخ للأسف.‏

هل هناك إمبراطورية أميركية قيد التحضير؟‏

هي موجودة فعلاً، لو نظرنا إلى آسيا نجد أن أميركا قد ورثت كل المستعمرات الأوروبية، حصل فقط تغيير في الواجهة، لم يعد هناك فرنسا وبريطانيا، أصبح هناك أميركا، وهذا الأمر ينطبق على الشرق الأوسط حيث الأمور أكثر تعقيداً، ما يجعلهم يستخدمون "إسرائيل" في ما يمكن تسميته استعماراً مقنّعاً، وهذا ما يبرر حركات المقاومة ضد هذا الاستعمار، أميركا قوة استعمارية تبدأ من أوروبا التي تشكل نصف مستعمرة، وتمتد في جهات المعمورة الأربع، أنظر إلى آسيا والشرق الأوسط ومؤخرا أفريقيا التي يحل فيها النفوذ الأميركي بسرعة مكان النفوذ الفرنسي، هذه الدولة تسيطر على ثمانين بالمئة من نفط العالم وتستهلك الثلث لوحدها.‏

هل تعتقد أن السيطرة الأميركية على العالم سوف تستمر طويلاً؟‏

هذا ليس مُنزلاً، أميركا مستفيدة من تخاذل الآخرين، إذا لم نفعل شيئاً سوف تستمر سيطرتها على العالم، يجب تغيير قواعد التعامل الاقتصادي في العالم والانتهاء من إرث الحقبة الاستعمارية الذي يعتبر العالم الثالث مصدراً للعمالة الرخيصة والمواد الأولية، علينا التخلص من كل ذلك لوقف الغطرسة الأميركية، التاريخ يعطينا الأمثلة على ذلك، الإمبراطورية الرومانية انهارت في نهاية الأمر وغيرها أيضاً، وهذا ما سوف يحدث لأميركا، ولكنها لن تنهار لوحدها. على الجميع مواجهتها عبر تغيير المعادلة الاجتماعية القائمة منذ الحرب العالمية الثانية بحيث تستطيع الشعوب الضعيفة تحقيق استقلال كامل، ولكن للأسف أميركا ترفض كل ذلك، ومن هذا المنطلق أعتبرها الخطر الأول على السلام العالمي.‏

أين أوروبا من كل هذا؟‏

الأوروبيون متواطئون مع الأميركيين بسبب قبولهم الوصاية الأميركية, لقد حسبوا الأمر جيداً واعتبروه في مصلحتهم، على اعتبار أنهم كانوا أيضا مستعمِرين.‏

العدد 1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29