ارشيف من : 2005-2008
سباق محموم بين التسوية والتصعيد
كيف يمكن تلخيص المشهد السياسي دولياً وإقليمياً ومحلياً ونحن على أبواب توديع عام واستقبال عام جديد؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة خصوصاً في ما يتعلق بالملفات الرئيسية الساخنة في الساحات: العراقية والفلسطينية واللبنانية والإيرانية؟
نمهد للإجابة عن التساؤلات الآنفة بالمقدمات التالية:
أولاً: منذ حدث الحادي عشر من أيلول وما تركه من تداعيات وانعكاسات وآثار دولية وإقليمية، وشروع إدارة بوش الحالية بعدوانها الأول على أفغانستان، وعدوانها الثاني على العراق، وإمعان العدو الإسرائيلي في حروبه الإبادية للشعب الفلسطيني، وصولاً إلى عدوانه الأخير على لبنان.. منذ هذه التطورات والمنطقة تشهد حضوراً ودوراً مباشراً للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على مسرح الأحداث والتطورات الإقليمية.
ثانياً: مع انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان تحديداً بدأنا نشهد محاولات أميركية وإسرائيلية للتواري وراء ستار الأحداث، والاكتفاء بإدارتها عن بعد وبالواسطة، تاركين الدور المباشر للقوى المحلية والإقليمية.
ثالثاً: تجري محاولات حثيثة أميركية ـ إسرائيلية بامتياز وبالاتكاء على دولٍ عربية معروفة وقوى محلية أيضاً معروفة، من أجل إبراز البعد المذهبي عنوانا جديدا للانقسامات والصراعات على حساب العناوين المركزية، كالصراع العربي ـ الإسرائيلي والصراع مع الاحتلال الأميركي ومرحلة الاستعمار الأميركي الصهيوني الجديد للمنطقة، وكذلك على حساب عناوين القضايا والتحديات الداخلية، كقضايا الحريات والإصلاح السياسي والديموقراطي.. إلخ.
والهدف الأهم من تركيز العنوان المذهبي هو كونه الوسيلة الفضلى لنقل الصراعات والانقسامات إلى الداخل، حيث هناك إمكانية موضوعية، وإلى صراعات بين العالم العربي بشكل رئيسيباعتبار غلبة الطابع السني عليه، وإيران باعتبار غلبة الطابع الشيعي عليها.
ما تقدم أفضى إلى مرحلة جديدة في المنطقة سمتها الرئيسية دخول العديد من البلدان حالا من الاستقطاب الحاد الداخلي وصل إلى حدود المواجهة. ففي فلسطين توزع الانقسام على كل من فتح وحركة حماس، وفي لبنان توزع على المعارضة وحكومة السنيورة ومعها فريق 14 شباط. والواضح هنا هو أخذ الطرف الأميركي والإسرائيلي جانب الرئاسة في فلسطين وحكومة السنيورة في لبنان.. وفي العراق شرع الجانب الأميركي ـ في سياق ترتيب عملية مقاربته لمأزقه هناك ـ في التراجع تاركاً عمليات التصفيات الدموية والفتنوية تأخذ حدها الأقصى، وذلك كوسيلة تغذية مكثفة للمناخ الفتنوي في المنطقة.
والاستقطاب عينه أخذ يشهده الوضع الصومالي، وذلك بين المحاكم الإسلامية والحكومة الموقتة. وهنا أيضاً أخذت واشنطن جانب الحكومة من خلال قوات دولية قرر مجلس الأمن إرسالها.
أما على الصعيد الإقليمي فأخذنا نسمع عن محور "عرب الاعتدال" في مواجهة كل من سوريا وإيران. ولواشنطن هنا دور المحرك والصانع لمحور "عرب الاعتدال" الذي تتشكل قاعدته العربية من ثالوث الأنظمة: المصري والسعودي والأردني، وذلك في محاولة واضحة لإعطائه بعداً مذهبياً، سيما بعدما جرى التنظير لفكرة "الهلال الشيعي"، ولتحويل ايران وسوريا عدوا بديلا للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة بالنسبة الى شعوب المنطقة.
ان التحولات الآنفة ما كانت لتكون لولا:
أولاً: سلسلة الإخفاقات التي مُنيت بها ادارة بوش الحالية بدءاً من أفغانستان مروراً بالعراق وانتهاءً بلبنان. هذا إلى جانب إخفاقاتها الدولية، سيما في أميركا اللاتينية.
ثانياً: الهزيمة المدوية للكيان الإسرائيلي إبان عدوانه الأخير على لبنان، والذي كانت له آثار وتداعيات بالغة الأهمية، سواء على الكيان الإسرائيلي نفسه أو على صعيد شعوب المنطقة.
هذه التطورات أفضت إلى اختلال كبير في موازين القوى بين التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي وعرب الاعتدال ـ والقوى المحلية المندمجة معه، والقوى الممانعة والمقاومة له، بدءاً من ايران مروراً بالعراق وسوريا وفلسطين وانتهاءً بلبنان. وهذا بدوره أفضى إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى تراجع كل من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة إلى خلف الستار، والثاني تقديم ما يلزم من دعم للقوى المحلية والإقليمية لمنع أي ترجمة سياسية لهذا الاختلال الجديد في موازين القوى لمصلحة الأطراف المقاومة والممانعة، ما أدخل المنطقة والساحات الأساسية والمحورية فيه: الساحة الفلسطينية والساحة اللبنانية والساحة العراقية، في حالة استقطاب حاد تصل إلى حدود المواجهة.
إن الواقع السياسي الحالي لا يترك أمام القوى الملتحقة بالمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي سوى أحد خيارين: إما القبول بتسوية داخلية يسلم نتيجتها ولو نسبياً، بنتائج موازين القوى الجديدة بانتظار ما يمكن أن تأتي به الأيام من متغيرات، وإما التشبث بالمعادلة القائمة وصولاً إلى دفع الأوضاع إلى حافة المواجهة الشاملة. وفي المقابل لم يعد بإمكان قوى الممانعة والمقاومة القبول بالمعادلة القائمة، لما يعنيه ذلك من استمرار اندفاعة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي داخلياً، ما يدفعها للضغط بكل الوسائل السياسية المتاحة لفرض التغيير المطلوب ووقف توازنات القوة الجديدة.
إقليمياً بات الثالوث العربي: المصري والسعودي والأردني، أو ما يعرف بدول (الستة زائد اثنين)، أمام أحد خيارين أيضاً: إما القبول بتسوية إقليمية مع محور المقاومة والممانعة، أي سوريا وإيران، وإما الذهاب نحو الاصطفاف مع المحور الجاد، وأخذ المنطقة نحو أشكال جديدة من المواجهات الشاملة.
أما دولياً، فقد بدا أن أوروبا هي بصدد التطلع إلى دور أكبر في منطقتنا وفي العالم. وعلى الطرف أخذت كل من روسيا والصين تكرس دورها قوة دولية صاعدة. باختصار ثمة حراك دولي متنوع البؤر والمراكز يهدف إلى الاستفادة من لحظة التراجع الأميركي، لإيجاد معادلة دولية جديدة.
كل ما تقدم يفضي إلى الاحتمالات التالية:
الأول: أن تعي القوى الملتحقة بالمشروع الأميركي خطورة عنادها غير المبرر بالتشبث بالمعادلة القائمة، وأن يعود اليها حسها الوطني، فتقبل بالحلول الوسط أو التسويات الممكنة، التي من شأنها إنتاج توازن وطني دقيق يقفل منافذ التدخلات الخارجية. وهذا الاحتمال وارد، سيما اذا توافرت له قوى دفع عربية وإقليمية ودولية، وانطلاقاً من المصالح الخاصة لهذه الأطراف التي لن يكون من مصلحتها اندفاع الأوضاع نحو حافة الهاوية والفوضى الشاملة.
الثاني: أن تصرّ القوى الآنفة على التشبث بالمعادلة القائمة مهما كلف الثمن، بما في ذلك دفع الأوضاع نحو الخيارات الحدية، وبالتالي نحو الهاوية. هنا ستخوض هذه القوى مغامرة بل مقامرة كبرى، ستكون عرضة فيها للخسارة الكاملة.
يبدو أن المناخات الحالية في لبنان وفلسطين والعراق، اضافة الى مناخات الفتنة في المنطقة والإصرار الأميركي على تقديم كل ما يلزم من دعم لتوجهات كهذه، تشير الى أن هناك من يعمل على دفع الأمور الى حدود المواجهات الشاملة، وهو يعد العدة لها.
الثالث: ما يقوي الاحتمال الثاني هو عدم صدور أي مؤشرات فعلية تدل على أن الإدارة الحالية هي بصدد التسليم بهزائمها وإجراء مراجعة فعلية لسياساتها في المنطقة، بل على العكس من ذلك، يبدو ان الخطة البديلة هي ما نشهده اليوم من العمل على صناعة اصطفافات جديدة، والدفاع عن المعادلات القائمة، وقطع الطريق على أي تغيير مطلوب، من دون أن يعني ذلك أن النجاح سيكون مكتوباً لهذه الخطة. مع الإشارة الى ان مركز الاختبار الأساسي لتجنب لفشل ـ الهزيمة في المنطقة عموماً، أو حلول الفشل الكبير مع كل تداعياته في المنطقة، ستكون الساحة العراقية.
مصطفى الحاج علي
العدد1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018