ارشيف من : 2005-2008
مناعة حزب الله من الاختراق الاستخباري أسست للإعداد وتضليل العدو وللنصر
كتب جهاد حيدر
بادر جيش العدو الإسرائيلي في أعقاب التوصل إلى وقف إطلاق النار بعد 33 يوما من العدوان على لبنان، إلى تشكيل لجان تحقيق عسكرية متعددة، وصل عددها إلى 40 لجنة، منها عشر لجان أساسية لدراسة أسباب هزيمة وفشل الجيش في تحقيق الأهداف العسكرية التي رُسمت له.
وفي الوقت الذي نفترض فيه انه لم، وربما لن، يُكشف عن كل النتائج التي توصلت إليها لجان التحقيق العسكرية، فإن ذلك لا يُقلِّل من أهمية ما خرج وسيخرج منها إلى العلن، وأورد بعضها المعلق العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، (15/12/2006). منها أن الجذور التي أوصلت الواقع الجبهوي في مقابل حزب الله الى ما هو عليه، ومن ثم إلى انتكاسة عسكرية خلال المواجهات، تعود الى أن الجيش اعتمد خلال السنوات الست الماضية (2000 ـ 2006) استراتيجية ترتكز على أولوية مواجهة الأخطار النابعة من المناطق الفلسطينية خلال انطلاقة انتفاضة الأقصى، على الخطر الكامن والمتعاظم في الشمال (لبنان)، "وكان التوجيه الأساسي خلالها منع اشتعال جبهة ثانية في الشمال وضمان سلامة السياح..". وفي الوقت نفسه كان الجيش يبني كل خططه العملياتية على أساس نظرية إمكانية تحقيق كل الأهداف العسكرية المطلوبة عبر سلاح الطيران، إضافة إلى عدم امتلاك القادة العسكريين صورة صحيحة عن الواقع الميداني.
في هذا السياق لا بد من إيراد بعض الملاحظات المحددة:
سبق لجيش العدو أن خاض حروبا مع عدة جيوش عربية في وقت واحد، خلال حرب حزيران عام 1967 وحرب تشرين عام 1973، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن تبني الجيش سياسة تجنب فتح جبهة ثانية إلى جانب المواجهات مع الفلسطينيين. ومن هنا نسأل: لو كان الجيش يُقدِّر انه يمكن له في الوقت الذي يخوض فيه مواجهات مع الفلسطينيين، أن يحقق أهدافه العسكرية في لبنان عبر عملية عسكرية خاطفة ومحددة زمنيا، هل كان سيتردد في الإقدام عليها؟ في هذا السياق ينبغي أن يحضرنا وبقوة، أن خروج قوات الجيش الإسرائيلي من لبنان لم يكن ناتجاً عن قرار سياسي ابتدائي اتخذته القيادة السياسية آنذاك، وإنما كان اندحاراً ناتجاً عن هزيمة وفشل واستنفاذ لكل خياراته العسكرية والأمنية والإجرائية الممكنة في تلك الفترة. وهو ما ترك أثره في الاستراتيجيات العسكرية التي تبناها الجيش في المرحلة التي تلت الاندحار في أيار عام 2000.
ان حزب الله لم تدفعه نشوة النصر حينها إلى أن يغفل عما يتهدد لبنان من أخطار مستقبلية، وإنما اعتبر ان مرحلة جديدة قد بدأت قد تكون فيها الأخطار على لبنان أكبر وأشد، وهو ما دفعه للتوجه نحو الإعداد بما يتلاءم مع حجم التحديات والتهديدات، وبما يقتضيه واجب الحرص والدفاع عن الوطن. وكان ما كان من الإعداد الذي ظهرت نتائجه. وبالتأكيد كان لحصانة ومناعة حزب الله من الاختراق الاستخباري الدور الأساس لنجاح هذه المرحلة. وقد ظهرت معالمها وآثارها ليس فقط في أصل بناء واستكمال حزب الله لعملية الإعداد، وإنما أيضاً في التفاصيل المرتبطة بذلك. ويمكن تلمس هذه الحقيقة من خلال ما نقله هرئيل عن لجان التحقيق المختصة بأن القادة العسكريين لم يكونوا يمتلكون "فهما صحيحا للواقع الميداني!!". وللتذكير نحن نتحدث عن جيش بقي محتلا للأراضي اللبنانية 22 عاما، فضلا عن المفاجآت التي شهدها الميدان خلال المعارك.
نموذج آخر للعمى الاستخباراتي الذي أصيب به العدو، هو وفقا للجان التحقيق أيضا، أن الجيش الإسرائيلي عندما "خرج للحرب، كان لا يزال يفكر بمفاهيم المناطق الفلسطينية (نشاط أمني جارٍ مقابل عدو ضعيف)، وعمل بما يلائم ذلك"، ما أدى إلى أن فاجأ حزب الله الجيش بقدراته ومهاراته. ويكفي في هذا الإطار ما أقر به قائد سلاح البحرية اللواء "دودو بن ـ بعشط"، أنه نظر إلى "إمكانية وجود صاروخ بر ـ بحر إيراني في أيدي حزب الله هو سيناريو "خيالي ومدحوض" (هآرتس/15/12/2006)".
أما في ما يتعلق بالعجرفة الجوية التي أوقعت القادة العسكريين في المغالاة بقدرات سلاح الجو، فيعود إلى مستوى التطور التكنولوجي الذي بلغه سلاح الطيران الإسرائيلي. وساهم في تغذيتها ونموها في عقولهم تحقيق الجيش الأميركي إنجازات عسكرية في المعارك التي خاضها في كوسوفو، وخاصة خلال احتلال العراق وإسقاط النظام العراقي في نيسان عام 2003، وهي التي ارتكزت بشكل أساس على استخدام سلاح الطيران والصواريخ الموجهة.
أما الحديث عن ضعف القوات البرية فينبغي وضعه في إطاره الصحيح والمنطقي: اذا كان التعبير يراد به القياس الى مدى تطور سلاح الطيران ومدى الاهتمام به فيمكن الموافقة على استخدام هذه العبارة مع بعض التجاوز أيضا، أما تبني هذه الكلمة بما تحمله من معانٍ دقيقة واعتبارها تعكس واقع سلاح البر الإسرائيلي، فهذا من المبالغة ما لا يقبله عاقل ولا يصدقه الواقع، وخاصة أننا نتحدث عن سلاح يضم سلاح مدرعات يرتكز الى الدبابات الأحدث في العالم. ونسأل: هل القوات البرية للجيش الإسرائيلي الآن أقل تطورا وقوة مما كانت عليه خلال حربي 73 و67 ؟!
وختاما، لا بد من الإشارة الى ملاحظة أن لجان التحقيق العسكرية التي شكلها جيش العدو ما كانت لتتشكل لولا ان هزيمة مُرّة ومفاجئة قد لحقت بجيش العدو. وكل ما قيل ويُقال في لجان التحقيق هذه، ما كان ليُتطرق اليه لو ان هزيمة لحقت بالمقاومة الاسلامية ـ لا قدر الله ـ وخرج جيش العدو منتصرا، بل لشهدنا محاضرات ودراسات تتحدث عن مزايا هذا الجيش وتكنولوجياته وعبقرية جنرالاته.
وما لم تنقله وسائل إعلام العدو عن لجان التحقيق المذكورة، ومن الصعوبة تصديق انه لم يُبحث عنه، هو السؤال عن العوامل المرتبطة بالطرف الآخر للصراع، أي حزب الله، التي أدت إلى النتائج العسكرية التي يصفونها بالفشل والهزيمة؟ وخاصة ان كبار قادة الجيش الذين كُلِّفوا بإجراء التحقيقات، أقروا ـ وفقا لهآرتس /15/12/2006 ـ "أنه حتى الحرب المحدودة التي قمنا بها في مواجهة حزب الله، تبين أنها أكبر منا!!".
العدد1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018