ارشيف من : 2005-2008
السلطة تتوسّل الفلتان الأمني والتحريض المذهبي والمناطقي
لا يكفّ فريق السلطة المتمظهر بحكومة فؤاد السنيورة غير الشرعية، عن السعي إلى إغراق اللبنانيين في أتون "الفوضى البنّاءة" التي لا تؤدّي إلاّ إلى الخراب والدمار على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وتقضي على مقوّمات وجود الوطن وما بناه الرئيس الشهيد رفيق الحريري طوال ممارسته للحكم، وذلك تنفيذاً للتعليمات الأميركية، وتمهيداً لتحقيق السلام والحرّيّة والسيادة والاستقلال، على غرار ما هو حاصل في ربوع العراق وأفغانستان وفلسطين المحتلّة، من هدوء تام وراحة بال واستقرار عام وطمأنينة شاملة!
فقد استلهمت عبقرية أهل السلطة المرتكزة على الثلاثي: النائبين سعد الدين الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، من وحي الإملاءات الأميركية المستعرة، صورة بهية للبنان الأفضل، تقوم على ثلاثة عناوين رئيسية هي: الفلتان الأمني، والتحريض المذهبي والمناطقي، واتباع خطاب انقسامي واستفزازي يزيد من تعميق الهوّة بين اللبنانيين، بدلاً من العمل على توحيدهم وتقريب بعضهم من بعض، وهذا ما يرشح يومياً من الأحداث السياسية المتسارعة التي يشهدها لبنان وتنذر بعواقب وخيمة. فتشاهد جريمة قتل هنا على مرأى من القوى الأمنية التابعة للسلطة وفي مقدّمتها "فرع المعلومات" التابع لتيّار "المستقبل"، وتسمع تصريحاً هناك يشجّع على ارتكاب الموبقات الأمنية ويدعو إلى القتل العلني ومبادلة الوردة بالرصاص الحيّ، وتأليب المواطنين والجيران بعضهم ضد بعض، والمسّ بالرموز الدينية وتعريض أمن الدولة للخطر وتعكير صلات لبنان بدولة شقيقة، كما فعل جنبلاط بتحريضه على قتل الرئيس السوري بشّار الأسد.
وكما فعل أيضاً النائب الديموقراطي جدّاً وائل أبو فاعور يوم الجمعة الفائت خلال ندوة في إحدى البلدات الجبلية، حيث أعطي قصاصة ورقية تزعم أنّ زميله مروان حمادة قد تعرّض لمحاولة اغتيال، فأذاعها من أجل استثارة الحساسيات وتجييش الناس وإثارة النعرات، بينما الخبر عارٍ عن الصحّة ويقع ضمن "فبركات" السلطة.
وما يزيد من ضراوة هذه البلبلة المقصودة للفريق الحاكم، استخدامه في أحيان كثيرة القضاء، وتحديداً القضاء الواقف المتمثّل في النيابات العامة، غطاءً لأعماله من أجل شرعنتها وإعطائها الصفة القانونية والرسمية، وهو ما يعتبر ضرباً لمصداقية القضاء.. وهذا ما ظهر للعيان في غير موضوع وقضية في غضون شهر واحد، إذا ما أردنا أن نتجاوز المرحلة السابقة من عمر حكومة السنيورة منذ تشكيلها، وتحديداً منذ إطلاق المعارضة تحرّكها الشعبي واعتصاماتها السلمية.
فمنذ اليوم الثالث لنزول المعارضة إلى الشارع، وتحديداً منذ يوم الأحد في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2006، بعدما سدّ أهل السلطة كلّ منافذ الحوار والتشاور، بدأت الأحياء والبلدات تشهد ممارسات تعسفية تذكّر بما تفعله عادة الأنظمة البوليسية والقمعية.. فقتل مناصرو تيّار "المستقبل" الشاب أحمد محمود في محلة أرض جلول في بيروت بسلاح أعطي صفة المرخّص، وزّعه عليهم بعض الموتورين، ولم يقم "فرع المعلومات" بواجبه لجهة إلقاء القبض على الفاعلين المعروفين بالأسماء، فتغاضى عنهم تسهيلاً لفرارهم من وجه العدالة.
وتعرّض هذا الفرع الأمني لسيل من الانتقادات اللاذعة على تهاونه في غير قضية، وسارعت مؤسّسته العسكرية إلى القيام بعملية تعويم له ورفع لمعنوياته المهزوزة بتنويهات غير منطقية لم تنفع في تحقيق مبتغاها، فكان "الاكتشاف العجيب" لمخزن أسلحة وضّبها الحزب السوري القومي الاجتماعي منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث كان يستعملها في عملياته العسكرية ضدّ العدوّ الإسرائيلي.. ولما لم يجدِ هذا "الفيلم البوليسي" نفعاً، أطلق النائب سعد الدين الحريري خطاباً مذهبياً تحريضياً عبر الهاتف من قصره في قريطم إلى المتجمّعين في بلدة عرسال البقاعية، انتهى بجريمة قتل ذهب ضحيتها الشاب مهدي علي أمهز.
ولا تزال الاعتداءات المنظّمة "تتدفّق" على مكاتب "التيار الوطني الحرّ" في غير بلدة ودسكرة، ويكتفي "فرع المعلومات" بتسجيل تقارير عن هذه الحوادث وتجهيل الفاعل، بدلاً من العمل على معرفته وإمساكه وتوقيفه وتقديمه للقضاء. وإذا عرف مطلق النار ترد عبارة "فرّ إلى جهة مجهولة" في هذه التقارير! فلماذا لم يجرِ تعقّبه لتوقيفه؟
وفي هذه الحالات الأربع لم يقدّم القضاء حتّى الآن أجوبة شافية عمن يقف خلف هذه الأعمال التخريبية للسلم الأهلي، ولم يقدّم أحداً للمحاكمة، وهو أساساً لم يوقف أحداً لكي تجري محاكمته بصورة علنية، باستثناء توقيف فريق عمل تلفزيون "الجديد" الزميل فراس حاطوم وعبد خياط ومحمّد بربر، ليس بسبب محاولتهم القيام بما عجز سواهم عن فعله لجهة مطاردة الشاهد السوري محمد زهير الصدّيق، وإنّما لوجود شكوك لدى "أهل الظنون" في أنّ من دفعهم لفضح مجنّدي الصدّيق هي سوريا، وهذا ما قاله أحد موظّفي الفئة الأولى المحسوبين على السلطة بصراحة ما بعدها صراحة.
وتوحي هذه الأحداث المتسارعة بأنّ هناك مخطّطاً مدبّراً وحقداً أعمى وانتقاماً مدروساً من مرحلة الوجود السوري في لبنان، التي كان أهل السلطة الحاليين من المستفيدين الأوائل منها، وفي طليعتهم "كبير المتقلّبين" وليد جنبلاط، الذي أوعز بهذا المخطط وطرحه على بساط البحث في صيف العام 2005، بعد انتهاء الانتخابات النيابية والاستيلاء على السلطة بواسطة حكومة السنيورة، وتهديد القاضي الألماني ديتليف ميليس ومعاونه الأوّل غيرهارد ليمان للواء الركن جميل السيّد بتقديم ضحيّة ما من المسؤولين اللبنانيين والسوريين في جريمة اغتيال الحريري للصفح عنه، ولمّا رفض أُدخل مع الضبّاط الثلاثة الباقين السجن. لكنّ جنبلاط جوبه بطلب التريّث في تنفيذ مضمون هذه "المهمّة الإصلاحية" التي تقضي بنشر أسلوب التخويف والترهيب والترويع والقتل وملء السجون، وتأجيلها إلى وقت آخر يبدو أنّه قد حان أوانه.
وتذكّر قضية العثور على أسلحة للحزب السوري القومي بما حصل مع حركة الناصريين المستقلين "المرابطون" في صيف العام 2005 في بيروت، حيث عُرضت أسلحة قديمة أمام وسائل الإعلام وأتبعت بسلسلة توقيفات انتقامية.
"القومي"
وبرغم مرور أكثر من أسبوع على توقيف القوميين السبعة، إلا أنّ فرع "المعلومات" لم ينهِ تحقيقاته الأولية معهم، متجاوزاً المدّة القانونية التي مُنحت له لإنهاء التحقيق وتسليم القضاء الموقوفين مع مضبوطاتهم، وهي أربعة أيّام.. وهذا ما يطرح علامات استفهام كثيرة حول أسباب هذا التأخير المقصود سياسياً.
يقول مدير دائرة الإعلام في الحزب السوري القومي معن حمية لـ"الانتقاد": إنّ الغاية من مصادرة أسلحة الحزب هي "استهداف الحزب سياسياً وأمنياً، ومن خلاله قوى المعارضة". مؤكداً أنّ الأسلحة قديمة، وهو ما أظهرته الصور المنشورة لها، وكانت تُستخدم في عمليات المقاومة.
وإذ يشدّد حمية على الثقة الكبيرة بالقضاء، يوضح أنّ "كل المعلومات المتوافرة جزمت بأنّه لم يظهر أيّ رابط بين هذه الأسلحة والتفجيرات والاغتيالات التي وقعت في لبنان، بعكس ما حاولت وسائل إعلام السلطة الإيحاء به، مستبقة كعادتها التحقيق". ويقول: "إنّ دهم منازل المواطنين في الكورة بهذه الطريقة الترويعية هو دليل إفلاس السلطة".. كاشفاً أنّ العناصر الأمنية "دخلت البيوت مقنّعة الوجوه وحطّمت وكسّرت وسرقت، بينما المواطنون استقبلوها بالترحاب".
ويبدي حمية اعتزازه "بمقاومتنا للعدوّ وبدفاعنا عن استقرار لبنان ووحدته، والحزب القومي لن يخضع لأيّ ابتزاز من أيّ جهة كانت".
أسلحة أخرى
وليس الحزب القومي الوحيد بين الأحزاب في لبنان التي أبقت على بعض سلاحها، فهناك الحزب التقدمي الاشتراكي و"القوّات اللبنانية"، صاحبا التاريخ الدموي الطويل في حروب الأزقّة في لبنان، وقد ظهر سلاحهما في غير مناسبة كلامية لجنبلاط وجعجع، حيث أطلقت النيران ابتهاجاً.. فضلاً عن توقيف تسعة عناصر من "القوّات" في بلدة شحتول الكسروانية مدجّجة بأعتى الأسلحة الحديثة الأميركية والإسرائيلية الصنع، وتعاطت معها صحف "القوى الشباطية" بلا مبالاة وكأنها لم تحدث! كما أنّ التقارير الأمنية الرسمية تحفل بكمّ هائل من الأخبار التي تتناول استخدام السلاح في مناسبات كان المتحدّث فيها إما السنيورة وإما سعد الدين الحريري.
لماذا جرى تضخيم الأمور مع الحزب القومي، برغم أن الأجهزة الأمنية غالباً ما تعثر على أسلحة مختلفة ومتفرّقة في غير مكان ومنطقة، وتقول في تقاريرها إنّها "غير صالحة للاستعمال وقديمة العهد"؟!
علي الموسوي
العدد1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018