ارشيف من : 2005-2008

قانونيون يؤكدون أنّ بقاء بوجي في الأمانة العامة مخالف للقانون

قانونيون يؤكدون أنّ بقاء بوجي في الأمانة العامة مخالف للقانون

أوقعت رئاسة مجلس الوزراء نفسها في المزيد من الأخطاء القانونية الجسيمة التي تضاف إلى سلسلة خرقها المستمرّ للقانون والدستور معاً في غير ملفّ وقضية، وذلك في ردّها المتسرّع على ما كشفته "الانتقاد" في عددها الصادر في الأسبوع الفائت عن انتهاء مهلة انتداب القاضي الدكتور سهيل بوجي من مجلس شورى الدولة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، حيث عمل طوال ستّ سنوات مديراً عاماً أو أميناً عاماً، وبات من الواجب عودته إلى منصبه الأساسي مستشاراً في مجلس الشورى، والمحفوظ له بموجب المادة 17 من نظام المجلس المذكور، وما استمراره في منصبه الموقّت إلا انتهاك فاضح وواضح للقانون، وتحديداً للمادة 16 من نظام هذا المجلس.‏

وقد أجمع عدد كبير من القضاة والحقوقيين الذين استندت "الانتقاد" إلى آرائهم وطروحاتهم في تفسير النصوص القانونية اللازمة في هذا الموضوع، أنّ استمرار بوجي في منصبه مخالفة كبيرة لا يمكن السكوت عنها، ويترتّب عليها إبطال محضري جلستي مجلس الوزراء اللذين وقّع عليهما بوجي إلى جانب السنيورة، كما تنصّ على ذلك المادة 11 من نظام مجلس الوزراء، بعد انتهاء مدّة انتدابه المسموح بها والمحدّدة حصراً بستّ سنوات غير قابلة للزيادة ولو لثانية واحدة.‏

ولم تكتف رئاسة مجلس الوزراء بالفضيحة القانونية والسياسية التي كشفتها "الانتقاد" وتناقلتها عنها مختلف وسائل الإعلام وكانت مدار أحاديث المجالس والصالونات، بل أصدر مكتبها الإعلامي ردّاً مليئاً بالأخطاء، أكّد بما لا يقبل الشكّ أو التأويل، ومن حيث يدري أو لا يدري، وفي كلتا الحالتين المصيبة عظيمة، أنّ ما نشر هو صحيح.‏

وبدلاً من أنْ تعمل رئاسة مجلس الوزراء المطعون بشرعية وجودها، على إعادة بوجي إلى مركزه الأساسي في إحدى غرف الطابق الخامس من قصر عدل بيروت، ركنت إلى تفسير القانون بما يناسبها، حتّى ولو كان مخالفاً للقانون نفسه، وهو ما فعلته بمناداتها بأنّ بوجي مستمرّ في منصبه وفقاً لنظام ملاك المديرية العامة لمجلس الوزراء، وبالتالي فإنّه في معرض وجود النصّ العام والنصّ الخاص فإنّه ما يسري على بوجي هو النصّ الخاص، أي برأي رئاسة مجلس الوزراء، نظام ملاك المديرية العامة لمجلس الوزراء وليس نظام مجلس شورى الدولة، بينما الصواب هو العكس، لأنّ بوجي موظّف بالأساس في مجلس شورى الدولة، وهو انتدب موقّتاً إلى المديرية العامة لمجلس الوزراء، ويبدو أنّ الموقّت هو دائم وأبدي في شريعة رئاسة مجلس الوزراء الحالية.‏

ويؤكّد رئيس سابق لمجلس شورى الدولة ما نشرته "الانتقاد"، ويقول في حديث خاص بـ"الانتقاد" إنّ "نصّ نظام مجلس شورى الدولة هو نصّ خاص، بينما نصّ المادة الثامنة من قانون ملاك المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء هو نصّ عام، وعندما يتعارض نصّ خاص مع نصّ عام، فاجتهاداً وحسب المبادئ العامة للقانون، فإنّ النصّ الخاص يغلب النصّ العام، وبالتالي فإنّ النصّ الواجب تطبيقه على الدكتور بوجي هو نظام مجلس شورى الدولة باعتباره منتدباً وهو لا يزال قاضياً في ملاك مجلس شورى الدولة".‏

ويهمّ "الانتقاد" التأكيد على أنّ حكومة السنيورة تمعن في خرق القانون، وهذه المرّة من خلال جعل النصوص العامة تتقدّم على النصوص الخاصة في القانون، وليس بحسب ما صوّر خطأ، المكتب الإعلامي المذكور.‏‏

وتوضيحاً للحقيقة فإننا نقول:‏‏

أولاً: إنّ النصّ الخاص في الحالة المعروضة هو نصّ المادة 16 من نظام مجلس شورى الدولة وليس نصّ المادة الثامنة من قانون ملاك المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء، إذ أنّ معرفة أيّ من النصّين هو الخاص، توجب العودة إلى معايير منطقية لا تقبل الردّ، فالنصّ الأول يتحدّث عن كيفية انتداب قضاة مجلس شورى الدولة إلى الإدارات العامة، والنصّ الثاني يتحدّث عن كيفية تعيين أمين عام مجلس الوزراء.‏‏

وللوهلة الأولى يمكن تصديق قول ردّ المكتب الإعلامي بأنّ النصّ الأخير هو النصّ الخاص، ولكنّ التدقيق البسيط والأولي في الموضوع يظهر العكس تماماً، فالنصّ الثاني يتحدّث عن كيفية تعيين أمين عام مجلس الوزراء عن طريق الانتداب، وهو نصّ عام نسبة إلى النصّ الخاص الذين يعنى بكيفية انتداب القضاة الإداريين.‏‏

وبمعنى آخر وللتدليل على ما نقول، فلنفترض، على سبيل المثال، أنّ المراد انتدابه كان موظّفاً في مصرف لبنان وهناك نصّ في نظام مصرف لبنان حول كيفية الانتداب، فهل يجوز وصف هذا الأخير بالنصّ العام أم أنه بالفعل نصّ خاص بالنسبة للنصّ العام المتعلّق بكيفية اختيار أمين عام مجلس الوزراء؟‏‏

إنّ نظام مجلس شورى الدولة هو النصّ الخاص في حالة القاضي بوجي وليس العكس. والمبدأ القانوني يوجب تطبيق النصّ الخاص على النصّ العام.‏‏

ثانياً: إنّ المرسوم الفردي الرقم 4340 والمتعلّق بانتداب القاضي بوجي من مجلس شورى الدولة للقيام بمهام وظيفة مدير عام رئاسة مجلس الوزراء، لا يمكن الاستناد إليه بأيّ شكل لتحديد مشروعية الوضع.‏‏

ثالثاً: إنّ مجرّد استناد المرسوم المذكور، وباعتراف بيان المكتب الإعلامي، إلى نظام مجلس شورى الدولة يوجب تطبيق هذا الأخير، أو على الأقل عدم تجاهل أحكامه. وكان حرياً بأن يضمّن المرسوم نصاً يحسم موضوع المدّة، لأنّ ترك العبارة مطلقة ومن دون تحديد، لا يعني أنّ القصد هو الاستناد إلى نصّ قانون ملاك رئاسة مجلس الوزراء، ما دام أن هناك نصاً مقابلاً يقف بالمرصاد، ويحدّد مدّة قصوى للانتداب.‏‏

رابعاً: لماذا الحديث عن عدم مشاركة الأمين العام في اتخاذ قرارات مجلس الوزراء ما دام أنّ أحداً لم يقل ذلك من جهة، وما دام أنّ المكتب الإعلامي على ثقة تامة من مشروعية الوضع؟‏

خامساً: إنّ قول بيان المكتب الإعلامي بأنه "لا تأثير لوضعية مدير عام مجلس الوزراء ـ أمين عام مجلس الوزراء، في معرض قيامه بوظيفته الإدارية، على صحّة قرارات مجلس الوزراء ومشروعيتها وقوّتها التنفيذية"، هو قول يستوجب الردّ تماماً، إذ إنّ عدم مشروعية الوضعية المذكورة للأمين العام يؤثّر بالفعل وبالتأكيد على كيفية إنفاذ قرارات مجلس الوزراء ما دام أنّه هو من يوقّع جدول الأعمال، وما دام أنّه هو من يوقّع المحاضر بالاشتراك مع رئيس مجلس الوزراء بحسب المادة 11 من نظام مجلس الوزراء، وبالتالي فإنّه لا يمكن القول إنّ عدم قانونية الوضع المذكور ليس له أيّ تأثير على ما يأتيه الموظّف المعني به من تواقيع وتصرّفات وأفعال.‏‏

أما مقرّرات الحكومة التي يطالها البطلان المطلق بسبب توقيع بوجي على محضر الجلسات المتخذة فيها، فهي على الشكل التالي:‏

أولاً: الموافقة على مشروع الاتفاقية بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان ومشروع النظام الأساسي المتعلّق بها، وتفويض وزير العدل أو من يكلّفه التوقيع على هذه الاتفاقية مع الأمم المتحدة، والموافقة على مشروع مرسوم بإحالة مشروع قانون معجل على المجلس النيابي، يتعلق بالإجازة للحكومة إبرام الاتفاقية المبرمة والنظام الأساسي المتعلق بها، وذلك في جلسة يوم السبت في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، ثمّ الإصرار على قرار الموافقة ومشروع الإحالة المذكورين وذلك في جلسة يوم الثلاثاء في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2006.‏

ثانياً: الموافقة على مشروع مرسوم إحالة جريمة اغتيال الوزير والنائب بيار أمين الجميل ومرافقه سمير الشرتوني على المجلس العدلي في جلسة مجلس الوزراء يوم السبت في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، ثمّ الإصرار على هذه الإحالة في جلسة يوم الثلاثاء في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2006.‏

يذكر أنّ القاضي بوجي المولود في بيروت في العام 1947، حقوقي بارع، وخبير في التشريع، وله الكثير والمثير من الكتب والمقالات والاجتهادات في مجال القضاء الإداري الصرف، ويحال على التقاعد في العام 2015، أي بعد ثماني سنوات تقريباً.‏

علي الموسوي‏

العدد1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29