ارشيف من : 2005-2008

العراق: أسبوع حافل بالاستياء الرسمي والشعبي من قوات الاحتلال

العراق: أسبوع حافل بالاستياء الرسمي والشعبي من قوات الاحتلال

بغداد ـ عادل الجبوري‏

اتسعت هذا الأسبوع مساحات الاستياء والغضب حيال ممارسات قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني في العراق على خلفية أكثر من حدث شهدته الساحة العراقية.‏

الأول تمثل بقيام القوات البريطانية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد) باقتحام أحد مقرات مديرية الجرائم الكبرى التابعة لوزارة الداخلية العراقية، ونقل السجناء البالغ عددهم مئة وسبعة وأربعين سجينا منه الى مكان آخر، بعد إطلاق سراح عشرين منهم، ومن ثم تدمير مبنى المقر بالكامل وتسويته بالأرض.‏

أما الحدث الثاني فتمثل بقيام القوات الأميركية باعتقال اثنين من الدبلوماسيين الإيرانيين مع مرافقيهما، علما بأن هذين الدبلوماسيين كانا مدعوّين لزيارة العراق من قبل رئاسة الجمهورية.‏

في حين تمثل الحدث الثالث ـ وهو سابق للحدثين الأول والثاني من الناحية الزمنية ـ بهروب أيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق في حكومة إياد علاوي من سجنه داخل المنطقة الخضراء، ومغادرته العراق بجواز سفر أميركي وعلى متن طائرة أميركية الى الأردن.‏

هذه الحوادث الثلاثة وإن بدا كل واحد منها لا يلتقي في سياقاته مع الحدثين الآخرين، لكنها تشير الى مسألة خطيرة هي في واقع الأمر قديمة ـ جديدة، وتتمثل بتعاطي قوات الاحتلال مع الواقع العراقي بطريقة سيئة وسلبية منذ اليوم الأول للوجود الأجنبي في العراق حتى هذه اللحظة.‏

ولم تعد تلك الحقيقة خافية على أي طرف كان، بل لم يعد ممكنا لأي كان إخفاؤها او القفز عليها.‏

فالإجراء البريطاني باقتحام مركز الشرطة في البصرة ونقل سجنائه الى مكان آخر ومن ثم تدميره، قيل إنه أريد من ورائه إطلاق سراح عدد من الأشخاص المرتبطين بالقوات البريطانية.‏

وبما ان البريطانيين كانوا يدركون ان إشعار الجهات العراقية المعنية في المحافظة بنيتهم اقتحام المركز لن تلقى تجاوبا وقبولا، لا سيما ان العلاقات بين الطرفين ليست على ما يرام على خلفية حوادث وقعت في المحافظة قبل بضعة شهور كان للقوات البريطانية دور غير قليل في إذكائها، لذلك عمدوا الى اعتماد عنصر المباغتة والمفاجأة. لكن من غير الواضح فيما اذا كانوا قد وضعوا في حسبانهم ردود الفعل الرسمية والشعبية التي يمكن ان تتولد حيال تصرف غير مسؤول لهم.‏

أغلب الظن أنهم لم يحسبوا الأمور بالشكل الصحيح، او ربما أنهم تعمدوا ذلك واضعين في حسابهم أنهم من خلال ذلك يمكن ان يضربوا عصفورين بحجر واحد: الأول يطلقون سراح من يريدون إطلاق سراحه، والثاني محاولة خلق فتنة بين أطراف الساحة السياسية في محافظة البصرة من خلال الافتراض بأن تلك الأطراف ستتبنى مواقف مختلفة حيال اقتحام القوات البريطانية مركز الشرطة وتدميره. بيد ان شيئا من هذا القبيل لم يحصل، خصوصا بعد إعلان مجلس محافظة البصرة تعليق تعاونه وتنسيقه مع القوات البريطانية، وورود تصريحات شديدة اللهجة على لسان قائد شرطة المحافظة وشخصيات أخرى عبّرت عن سخطها واستيائها لما قام به البريطانيون.. ناهيك عن استياء وغضب الشارع البصري.‏

وإذا كان البريطانيون لم يحسبوها بدقة في البصرة، فإن الأميركيين هم أيضا على الأرجح لم يأخذوا كل الاحتمالات بعين الاعتبار حينما أقدموا على اعتقال الدبلوماسيين الإيرانيين بحجة الاشتباه بعلاقاتهما بالتخطيط لعمليات إرهابية في العراق. علما بأنهما جاءا الى العراق بدعوة رسمية من ديوان رئاسة الجمهورية، الأمر الذي دفع الرئيس العراقي جلال الطالباني الى التعبير علنا عن استيائه الشديد مما قامت به القوات الأميركية.‏

وفي سياق عملية خلط الأوراق فإن وسائل إعلام وجهات سياسية أميركية سربت معلومات بدت متناقضة وغير مترابطة ومنسجمة حول ملابسات اعتقال الدبلوماسيين الإيرانيين، لم تختلف الى حد كبير عن مبررات وحجج الاعتقال التي لم يكن من الممكن الاقتناع بها.. اذ إنه من غير المعقول ان الأميركيين يجهلون حقيقة من يريدون اعتقاله، لا سيما اذا كان شخصا يحمل صفة سياسية ودبلوماسية ويمثل دولة ما، وهو قادم بدعوة رسمية من قبل واحد من أبرز مراكز القرار في العراق.‏

وفي كل الأحوال فإن الخطوة الأميركية لم تكن موفقة، لأنها من جانب تسببت بإحراج القريبين منها من السياسيين العراقيين في بغداد، ودفعتهم الى التعبير علنا وبوضوح عن استيائهم وغضبهم.. ومن جانب آخر أظهرت الأسلوب البراغماتي الخاطئ للأميركيين في تعاطيهم مع الواقع العراقي، الذي تجلى أيضا من خلال قضية تهريب الوزير الأسبق أيهم السامرائي الذي كان يقضي محكومية بالسجن مدة عامين في سجن داخل المنطقة الخضراء المحصنة والخاضعة لإجراءات أمنية مشددة من قبل الأميركيين أنفسهم، بتهمة الاختلاس وتبديد المال العام حينما كان وزيرا للكهرباء في حكومة مجلس الحكم الأولى، وكذلك حكومة إياد علاوي.‏

والغريب في الأمر انه بينما أعلن الأميركيون عدم علمهم بهروب السامرائي وادعوا أنهم يبحثون الأمر مع المسؤولين العراقيين، كان الوزير الهارب قد وصل الى العاصمة الأردنية عمان بجواز سفر أميركي الى جانب جنسيته الأميركية، وعلى متن طائرة أميركية انطلقت من مطار بغداد الدولي لتحط في مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية.‏

وبعد هروب أيهم السامرائي وقبله هروب نجل شقيق صدام أيمن سبعاوي الحسن من سجن بادوش في محافظة الموصل (400 كم شمال بغداد)، بات العراقيون يتندرون على التعاطي الأميركي، ولسان حالهم يقول: "لا يستبعد ان يقوم الأميركان بتهريب صدام والمجرمين الآخرين من سجونهم بعد صدور حكم الإعدام عليهم.. اذ ما الذي يمنعهم من ذلك؟".‏

بالفعل ما الذي يمنعهم من ذلك، وهم لم يفعلوا شيئا حتى الآن من شأنه ان يصلح الواقع السيىء في العراق، أو بأدنى تقدير يضع حدا للتدهور والانزلاق الخطير فيه؟!‏

العدد 1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29