ارشيف من : 2005-2008
دارفور: تعمق المأزق الأميركي
في آخر الأخبار ان رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، المشرف على نهايته بسبب ربط عربته بالقاطرة الأميركية المتدهورة، قد دعا إلى إنشاء منطقة حظر جوّي فوق دارفور.
دليل إضافي على سوء قراءته للتاريخ الحديث جداً عندما يستنسخ تجربة الحظر على العراق بنتائجها الوخيمة، استناداً إلى تجربة يوغوسلافيا غير الصالحة للتعميم، شأن أوكرانيا وجورجيا، لأنها جاءت في سياق نهاية الحقبة السوفياتية، بينما الاستنساخات الفاشلة تأتي للرد على حقبة ناشئة ومختلفة هي حقبة بدء العالم الإسلامي والعالم الثالث عموماً، بإمساك زمام المبادرة، عبر الاعتماد على نفسه في تلمس وسائل الخلاص.
فكرة بلير هذه جاءت موازية لفكرة أميركية تدعو إلى فرض حصار بحري هذه المرة على السودان. والفكرتان تأتيان في سياق الجدل الدائر حول تعزيز قوات الاتحاد الأفريقي المنهكة في دارفور بعشرين ألفاً من قوات الأمم المتحدة التي لا يملك أحد أي ضمانات على قدرة الأسرة الدولية على تشكيلها، ناهيكم عن قدرتها على تنفيذ مهامها في رمال دارفور المتحركة. كما تأتيان في سياق جدل آخر بين أنصار التدخل تحت علم الأمم المتحدة، وأنصار التدخل تحت علم الناتو، في وقت يعاني فيه الناتو بالذات من العجز عن ضبط الوضع الأفغاني، وسط توجه العديد من الدول المشاركة في التدخل الأطلسي وفي التحالف الدولي الى سحب قواتها من أفغانستان.
ومن الآن وحتى يعثر الأميركيون على شكل التدخل المناسب ضد السودان، تأخذ مشكلة دارفور أبعاداً جديدة وغير منتظرة. فبعد أن كانت محصورة ضمن حدود الإقليم الذي اختاروه منطلقا لعملية الزعزعة في وقت كانت السلطات السودانية قد تمكنت من تسوية مشكلة الجنوب، امتدت المشكلة واتسعت لتصل إلى تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، وسط حملات إعلامية أميركية تصور الوضع على أنه زحف للقبائل العربية في المنطقة على المناطق الأفريقية المجاورة.
وفي الوقت الذي تقوم فيه هيئات الإغاثة والمنظمات الإنسانية الموجهة أميركياً بترداد مقولات الرئيس بوش عن الإبادات الجماعية في دارفور، وتسلط الضوء على الكارثة الإنسانية فيه، تؤكد العديد من المصادر المحايدة أن هذه الحملات مجرد أكاذيب شبيهة بتلك التي استخدمت لتبرير الحرب على العراق، وبما لا يُحصى من أشكال الاختلاق الأميركي لمشكلات وأحداث خطيرة لتغطية تدخلات الهيمنة.
وإذا كان الأميركيون يحسنون الاختلاق وتنظيم الحملات الإعلامية، فإن التدخل نفسه هو ما بات يطرح مشكلات فعلية بعد إخفاقات العراق وأفغانستان والفشل الذي مُني به العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.
والأكيد في ظل هذه الإخفاقات، كما في ظل الاستحقاقات الصعبة التي يواجهها المحافظون الجدد بعد هزيمتهم الانتخابية الأخيرة، وفي ظل الصعوبات التي تواجهها قوات الاتحاد الأفريقي في دارفور، أن الرأي العام الأميركي لن يدعم تدخلاً أميركياً جديداً في المنطقة.
فآخر الاستطلاعات تظهر أن ما يزيد عن 93 في المئة من الأميركيين لا يعتبرون مشكلة دارفور بين أولويات السياسة الخارجية الأميركية. وعليه لا يبقى أمام واشنطن غير التحرك عبر أجهزتها السرية وعملائها المحليين، لإثارة فتن وحروب كتلك التي تدور رحاها حالياً في الصومال، مع احتمالات كبرى في أن تترك واشنطن حلفاءها ليواجهوا مصيرهم الصعب في اللحظة الحرجة.
ع.ح
العدد 1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018