ارشيف من : 2005-2008
بعد أفغانستان والعراق.. وبعضلات أثيوبية!
الحكومة الانتقالية في الصومال، وهي الحكومة التي لم تسيطر منذ تشكيلها في العام 2000، على أكثر من بعض الأحياء في العاصمة مقديشو وعدد من المدن الأخرى، أعلنت من بيداوة، معقلها الأخير المحاصر من قبل قوات المحاكم الإسلامية، إقفال حدود الصومال البرية والبحرية والجوية لأسباب أمنية.
إجراء يبدو أن أثيوبيا هي التي تسعى إلى تنفيذه بعدما أعلنت بلسان رئيس وزرائها ميليس زيناوي، أنها قد دخلت مرغمة في ما أسماه "حرب الدفاع عن النفس ضد قوى التطرف الإسلامي العدوانية وحلفائها من الجماعات الإرهابية الأجنبية".
الحرب كانت معلنة فعلاً منذ أشهر ولكن بصورة "تقنية"، وفقاً للمصطلح الأثيوبي، من خلال وجود مئات العسكريين الأثيوبيين الذين يضطلعون بمهام تدريب القوات الموالية للحكومة الموقتة، وبصورة فعلية على ما تؤكده المحاكم التي أعلنت قبل أيام قتل ما يزيد عن مئتي جندي من أصل آلاف الجنود الأثيوبيين الموجودين داخل الأراضي الصومالية.
ومع قصف مطار مقديشو والعديد من المدن الصومالية الأخرى، يبدو أن الحرب قد دخلت في طور الحرب الشاملة، في ظل التحرك العسكري الأثيوبي الواسع على طول الحدود الصومالية، في وقت كانت قوات المحاكم تستولي بسرعة على المدن الصومالية الواحدة تلو الأخرى، وتحكم الحصار على بيداوة، المعقل الأخير للحكومة الموقتة.
وفي مقابل الهجوم العسكري الأثيوبي الذي جاء أيضاً رداً على ما يقول الأثيوبيون إنه محاولات دائمة من قبل المحاكم لإرسال عناصر تخريبية إلى داخل أثيوبيا، أعلنت المحاكم أن الهجوم يسعى إلى فصل مناطق وسط الصومال عن جنوبه. وأكدت عزمها على تدمير المعتدين، ودعت المسلمين إلى المشاركة في صد العدوان. وهددت بالتوازي مع إعلان الجهاد، بنقل المعركة إلى داخل أثيوبيا وبعدم إيقاف الحرب قبل سقوط أديس أبابا.
ويلاحظ أن الحرب قد تحولت في ظل حالة انعدام الوزن التي تعاني منها الحكومة الصومالية الموقتة، إلى حرب أثيوبية ـ صومالية، حيث تحظى المحاكم بتأييد شعبي واسع منذ نجاحها في حزيران/ يونيو الماضي، في وضع حد للحرب الأهلية المندلعة منذ العام 1991 بين أمراء الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على مليون شخص من أصل سكان الصومال البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة. كما يرجع هذا التأييد إلى حالة الاستقرار النسبي التي فرضتها المحاكم بعد أن كانت مقديشو قد أصبحت ـ باعتراف المراقبين الغربيين ـ أكثر مدن العالم انكشافاً أمام الإجرام والتسيب وغياب الأمن. كما أن اتخاذ المحاكم قرار منع استهلاك القات اضافة الى عدد من الإجراءات الهادفة لتحسين الوضع المعيشي في بلد أصبح الأكثر فقراً بين بلدان العالم، قد أسهم أيضاً في تنامي الالتفاف الشعبي حولها.
وبالطبع يصعب التكهن بالتطورات التي قد تشهدها هذه الحرب، لكن الأكيد أن التوترات القائمة بين أثيوبيا وأريتريا، وبينها وبين السودان الذي يشهد بدوره صدامات ذات تداعيات إقليمية ودولية في دارفور، وتداخل الجماعات الإتنية والدينية العابرة لحدود الدول، تخلق وضعاً يهدد بإشعال منطقة القرن الأفريقي بأكملها، في وقت تراقب فيه بلدان المنطقة تدهور الوضع في الصومال عن كثب، في ظل تحالف معلن بين الولايات المتحدة والنظام الأثيوبي، وكذلك في ظل الحديث عن دعم عسكري تحصل عليه المحاكم من أريتريا، وأشكال أخرى من الدعم بالمال والسلاح والرجال من بلدان مجاورة وغير مجاورة.
والأكيد أيضاً، وهذا مظهر آخر من مظاهر الخطورة، أن هذه الحرب هي أيضاً تعبير عن الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وامتداد مباشر للتدخل الأميركي في الصومال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي اتخذ شكلاً عسكرياً مباشراً منذ أوائل التسعينيات.
وقد جاء التدخل الأميركي في سياق الحرب التي اندلعت عام 1979، واستمرت عشر سنوات بين أثيوبيا المدعومة يومها من قبل السوفيات والكوبيين، والصومال المدعومة من الولايات المتحدة وبلدان الغرب التي كانت تتقاسم النفوذ فيها منذ القرن التاسع عشر. وقد انتهت الحرب باستيلاء أثيوبيا على أوغادين وتمزق الصومال بين أمراء الحرب، ما أفسح المجال أمام التدخل العسكري الأميركي المباشر. ففي العام 1992 وفي إطار المحاولات الغربية للهيمنة على الصومال بوصفه منطقة استراتيجية على مدخل البحر الأحمر والسواحل الشرقية للمحيط الهندي، جرى إنزال قوات الأسطول الأميركي في مقديشو بأوامر من جورج بوش (الأب)، وتبع ذلك إرسال قوات دولية تحت راية الأمم المتحدة. لكن التدخل انتهى بهزيمة موجعة للأميركيين الذين أجبروا على الانسحاب في العام التالي، بعد ارتكابهم العديد من الفظاعات، بينما انسحبت القوات الدولية بدورها عام 1995، وبقيت الصومال في حالة التمزق بين أمراء الحرب، وعانت من التدهور الاقتصادي بفعل الحرب والجفاف والحصار الذي فرضته الولايات المتحدة عندما منعت تحويل الأموال إلى داخل البلاد، وأسهمت فيه بلدان الخليج التي توقفت عن استيراد المواشي من الصومال بحجة إصابتها بمرض لم يثبت وجوده حتى الآن.
واستمر الوضع على هذه الصورة حتى سيطرة المحاكم على البلاد في حزيران/ يونيو الماضي. وفي هذه الأثناء استمرت الولايات المتحدة بوضع خطط التدخل، فأنشأ وزير الحرب السابق دونالد رامسفيلد مركزاً لقيادة القوات الأميركية في أفريقيا، ونفذت القوة الأميركية الموحدة للقرن الأفريقي المتمركزة في جيبوتي عمليات في الصومال وأثيوبيا وكينيا.. وقام جون أبي زيد بزيارة إلى أثيوبيا، وصولاً إلى إصدار مجلس الأمن في السادس من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، قراره رقم 1725 الذي سمح بتشكيل قوة سلام أفريقية لدعم الحكومة الموقتة في الصومال. والواضح ان الحرب الحالية تأتي في سياق تنفيذ ذلك القرار الذي اختارت واشنطن تنفيذه بالعضلات الأثيوبية، بعد أن وهنت عضلاتها في العراق وأفغانستان، وبعد هزيمتها القاسية في الصومال بالذات عام 1993.
ولكن هل تفلح أديس أبابا حيث أخفقت واشنطن؟ وخصوصاً أن ميليس زيناوي يدير وضعاً أثيوبياً متدهوراً بجميع المقاييس، ويحكم بلاده ـ باعتراف الكونغرس الأميركي ـ بقوة الحديد والنار؟
يبدو من الآن فصاعداً أن واشنطن تتصرف مع زيناوي وأمثاله من الحكام فاقدي الشرعية، وفقاً للقاعدة الانتهازية القائلة: "أركب على الفرس عبدك، فإن هلك هلك، وإن ملك فلك"!
عقيل الشيخ حسين
العدد1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018