ارشيف من : 2005-2008
درس آخر..
إنه مشهد آخر من التخريب الأميركي، وهذه المرة جاء دور القارّة السمراء، وتحديدا القرن الأفريقي.
وكما في كل فوضى، باتت الأصابع الأميركية واضحة في ما يجري في الصومال، حيث النفط الذي اكتشف مؤخرا، وحيث الموقع الاستراتيجي الذي ـ علاوة على كونه لا يبعد سوى أميال عن العربية السعودية ـ يشرف على كل ما يخرج ويدخل من وإلى البحر الأحمر، من ناقلات النفط إلى حاملات الطائرات والسفن الحربية.
وكما في كل كارثة تتسبب بها واشنطن، فإن الإدارة الأميركية في هذا المشهد التخريبي تقف مع أمراء الحرب الصوماليين الذين أذاقوها الذل والمهانة في العام 1993 ضد المحاكم الإسلامية، التي أمّنت للصوماليين في نطاق سيطرتها الأمن والاستقرار الاجتماعي برغم مدّة حكمها التي لم تتجاوز الأشهر.. وهو ما يبدو أنه أثار قلق الأميركيين من تحول الصومال إلى بلد مستقر يأخذ موقعه الحقيقي على الخارطة الجيوسياسية العالمية، بعد عقود من الفوضى والاقتتال وحكم أمراء الحرب الذين أذاقوا الشعب الصومالي الأمرّين، لدرجة أن الفرد هناك لم يعد يستطيع أن يجد ما يسد به رمقه بالمعنى الحرفي للكلمة.
فإدارة البيت الأبيض منعت مع لندن مجلس الأمن من إصدار حتى بيان يطالب بوقف النار وانسحاب القوات الأثيوبية من الأراضي الصومالية واستئناف الحوار بين الأفرقاء الصوماليين (مشهد يتكرر عن العدوان الصهيوني على لبنان)، وكيف لا تفعل والتقارير تفيد بأن الطائرات الأميركية تجوب سماء الصومال وتنقل المعلومات للقوات الأثيوبية؟ بل كيف تسمح لمجلس الأمن بتعطيل ما خططت له هي! حيث تفيد المعلومات أيضا بزيارة قام بها رئيس القوات الأميركية في المنطقة والعراق جون أبي زيد إلى أثيوبيا هذا الشهر.
ولكن يبدو أنه خفي على الأميركيين، أو هم أخفوا على أنفسهم، أن المحاكم الصومالية تتمتع بشعبية داخل الصومال وخارجه من الدول المجاورة، وأن البلد الذي يستعملونه لتنفيذ خطتهم ليس سوى بلد فقير، حيث شعبية المحاكم فيه تفوق تلك التي يتمتع بها النظام الأثيوبي الديكتاتوري المهدد داخليا بفصيلين كبيرين ينتظران الفرصة السانحة للانقضاض عليه.
الخبراء والمحللون ومن بينهم أولئك الذين ينتمون إلى الاتحاد الأوروبي، يحذرون من أن ما تقترفه الأيادي الأميركية في القرن الأفريقي سيهدد المنطقة برمّتها.. لكن كما كل معركة تفتحها واشنطن في العالم الإسلامي، سينتهي بها الأمر إلى درس يبدو أنها بحاجة إلى مراجعته كثيرا حتى تفهمه.
محمد يونس
العدد 1195 ـ 29/12/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018