ارشيف من : 2005-2008

طهران تواجه قرار مجلس الأمن بسياسة "الصمود والتدبير"وتحتفل في عشرة الفجر بالانتصار النووي الكامل

طهران تواجه قرار مجلس الأمن بسياسة "الصمود والتدبير"وتحتفل في عشرة الفجر بالانتصار النووي الكامل

طهران ـ محمد محسن‏

"من أنتم؟".. قالها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مخاطبا الرئيس الأميركي جورج بوش وحلفاءه الغربيين بعد إصدارهم القرار 1737 من "مركز عملياتهم" في مجلس الأمن.‏

"من أنتم كي تجلسوا هناك وتقرروا للشعوب ماذا ينبغي ان تفعل؟ قريبا سوف تندمون.. إن إيران هي دولة نووية شئتم أم أبيتم.. تريدون أن تعزلوا ايران, أنتم المعزولون والمكروهون في الدنيا.. أتحداكم أن تذهبوا الى مكان في الدنيا وتروا ردّ فعل الشعوب.. وقد جرّبتم وجرّبنا ورأيتم ورأينا".‏

وأخيرا.. بعد محاولات وضغوط أميركية مستميتة صدر القرار ضد ايران, هزيلا ضعيفا خاليا من الآثار العملية المعيقة للمشروع النووي السلمي الإيراني. الأميركيون وحلفاؤهم الثلاثة: فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وبعد أربعة أشهر على إصدار القرار الأول في مجلس الأمن, مرروا قرارا ثانيا يطلب من ايران إيقاف عمليات التخصيب، وحتى التحقيقات والأبحاث العلمية المتعلقة بالطاقة النووية.. ويطلب من دول العالم عدم تزويد ايران بمعدات وتجهيزات ترتبط بالصناعة النووية أو الصاروخية، وتفرض قيودا على (12) شركة وعلى سفر (13) شخصية علمية إيرانية.‏

بالطبع تعديلات كثيرة وأساسية جرت على المسودة الأولى للقرار الذي اقترحه الأوروبيون في مجموعة (5 + 1). وهذه التعديلات فرضها الروس والصينيون في المفاوضات، وكذلك دول أخرى كي تصوت الى جانبه. الإدارة الأميركية "استماتت" في اصدار القرار ولو بشكل صوري نسبيا قبل نهاية العام 2006، وبعد سلسلة نكسات وحتى هزائم أميركية متنقلة من الانتخابات التشريعية الأميركية الى العراق وفلسطين ولبنان وأميركا اللاتينية, وصولا إلى استقالات "إجبارية" لرموز محافظي بوش الجدد: رامسفيلد وبولتون، وتقرير لجنة بيكر ـ هاملتون المخالف لآراء وعمل هذه الإدارة وخاصة في العراق "والتعامل مع محور الشر", احتاج بوش وسياسته الخارجية الى إنجاز ما يمكّن هذه الإدارة من تسجيل بعض النقاط مع بداية عام جديد من المواجهة مع الإرادات وعناصر القوة في الشرق الأوسط، وخاصة ايران.‏

القرار 1337 رفضه الإيرانيون جملة وتفصيلا، وجاء الرد الأولي بالإعلان عن تسريع العمل لإنتاج ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي ـ لتخصيب اليورانيوم ـ وتحديد ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في 22 بهمن (11 شباط 2007) للاحتفال بالنصر النووي السلمي الكامل. ويتزامن هذا مع موعد الشهرين الذي ينص عليه قرار مجلس الأمن لتقديم تقرير حول استجابة ايران لشروط القرار, والذي توالت الردود الإيرانية بوصفه: "سخيف, منحاز, عديم الجدوى, متناقض مع المواثيق الدولية، وخاصة مع معاهدة (أن بي تي) وتقارير البرادعي".. وغيرها من التعابير التي تؤكد حق ايران في الاستفادة السلمية من الطاقة النووية والتعاون المنقطع النظير مع مفتشي الوكالة (2000 يوم من التفتيش والكاميرات ليلا ونهارا)، ودعم أغلب دول العالم الإسلامي ودول عدم الانحياز وغيرها للحق الإيراني.‏

"الصمود والتدبير" هو الشعار والرد الدبلوماسي والسياسي على القرار والحملة التي تقف خلفه، والتي تخالف القوانين والأعراف الدولية بشكل سافر.‏

يقول محمد كيارشي المندوب السابق لإيران في الوكالة الدولية للطاقة النووية: "لا نحتاج الى الغرب الآن ولم نحتج اليه سابقا لإنتاج الطاقة النووية، وهذا القرار لا يؤثر أبدا ولن يمنع الاستكمال السريع للدورة النووية". فيما قال النائب علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى: "إننا برغم كل الصلف الأميركي سندرس إجراءات دقيقة لتحديد التعاون مع الوكالة النووية، وليس الانسحاب من معاهدة (أن بي تي)، فهي تؤكد حقنا النووي، والانسحاب منها هو من أهداف أميركا لتصوير ايران خارجة عن القانون الدولي".. وهو سخر من ازدواج المعايير، حيث "لم يجف الحبر عن توقيع وثيقة التعاون النووي بين أميركا والهند ولم تنقضِ أيام على اعتراف رئيس وزراء العدو بامتلاك الأسلحة النووية، ومجلس الأمن لم يحرك ساكنا"! هذا المجلس الذي لم يبقَ له ماء وجه لم يُرق في جميع أنحاء العالم، كما عبّر الرئيس الإيراني.‏

ما هي عناصر هذا الصمود والتدبير الإيراني؟‏

يتابع بروجردي: "ان ميزان القوى هو لمصلحتنا، وسنتجاوز هذه القرارات التي لم تفاجئنا ولا تؤثر عمليا في إنتاج الطاقة النووية السلمية. هذا قرار وطني وتاريخي ومورد إجماع عند جميع الإيرانيين. المشاركة العظمى في الانتخابات دليل واضح على مدى الانسجام الوطني والشعبي. عملنا قانوني بالكامل وتحت إشراف الوكالة, وعلاقاتنا بأغلب دول العالم قوية، والجميع يعترف بحقنا ويتعاون معنا. أوروبا تخسر سياسيا واقتصاديا من مواجهتنا, والصين وروسيا لهما موقف متمايز، ظهر في استثناء مفاعل بوشهر من القرار 1737 ومن التعديلات. بعد القرار مباشرة جاءتنا الرسائل والوفود والإشارات التي ترفض القرار سرا او علانية، وتؤكد دعم ايران والعمل على الحل عبر إرجاع الملف الى الوكالة النووية. نحن لم نغلق الباب على المرونة السياسية والتجاوب مع المبادرات برغم الظلم اللاحق بنا من مجلس الأمن، ونحن نعرف خفّة الكثير من قرارات مجلس الأمن وتسييسها وانحيازها وعدم تأثيرها العملي".‏

الشارع الإيراني تحرك بسرعة رافضا القرار، وداعيا مجلس الشورى الى تجديد النظر في التعاون مع الوكالة الدولية. طلاب الجامعات كانوا السباقين كعادتهم، فتظاهروا واعتصموا أمام شركة النفط المتعددة الجنسيات، داعين الى مقاطعة شاملة للمصالح الأوروبية. وزارة الخارجية تحركت واستدعت السفير البريطاني استنكارا لتصريحات طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني المتحاملة على ايران لمصلحة أميركا و"إسرائيل".‏

الحرس الثوري أصدر بيانا أكد جاهزيته مع قوات التعبئة والشعب للدفاع عن حقوق ايران في مواجهة التهديدات، ساخرا من منع المعدات الصاروخية وهو الذي اعتمد على الاكتفاء الذاتي في تطوير أسلحته الصاروخية الدفاعية منذ بداية الثورة حتى الآن.‏

العقوبات الخفيفة التي صدرت في القرار هي جزء بسيط من لائحة ممنوعات ـ تشمل 200 مادة صناعية ـ أقرتها أميركا وحلفاؤها منذ 27 سنة، ولا شيء جديد.‏

طهران تستخف بالقرار، ولكنها تتابع سياسة الصمود والتدبير، وتعد الأيام للاحتفال بـ"إيران النووية" في "عشرة الفجر".. والمواجهة مستمرة.‏

العدد 1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29