ارشيف من : 2005-2008

إيران تضع أميركا بمواجهة أوروبا

إيران تضع أميركا بمواجهة أوروبا

الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقرر تحويل مبادلاتها التجارية خصوصاً في مجال النفط من الدولار إلى اليورو .‏

قرار يشبه قنبلة من العيار الثقيل أطلقتها إيران أخيراً بعد أن كانت مهدت لهذا القرار عبر سلسلة من الخطوات بدأت منذ نحو أربع سنوات، إلى أن وصل اعتماد إيران على الدولار إلى حدّه الأدنى، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات التي وإن تشعبت، فإنها تتمحور حول انعكاسات هذا القرار على المنظومة الاقتصادية العالمية التي يشكل الدولار العملة الرئيسية فيها، وبالتالي على موازين القوى الاقتصادية العالمية وما يمكن أن ينتج عن قرار كهذا من تراجع للدور الأميركي بصفته المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، في مقابل تقدم دول أخرى.‏

كل هذه التساؤلات تبرز في ظل توجّه بدأ يظهر لدى العديد من دول العالم، من بينها الدول النفطية، لتحذو حذو إيران، ما يطرح أيضاً علامات استفهام حول إمكانية ظهور سوق نفطية عالمية يتزعمها اليورو؟‏

يشكل اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية 30% من الاقتصاد العالمي، وعليه فإن بداية التخلي عن العملة الرئيسية تعني بداية التخلي عن دور الولايات المتحدة الأميركية كمحرك رئيسي للاقتصاد. ولعل انعكاسات القرار الإيراني على الاقتصاد الأميركي ستكون أكثر وضوحاً فيما لو أوردنا المعطيات الاقتصادية التالية، التي أفادنا بها الخبير الاقتصادي د. غازي وزني.‏

1 ـ أكثر من ثلثي حجم التبادل التجاري العالمي أو ما يوازي 65% منه يجري بالدولار الأميركي، ما يُدخل إلى الخزينة الأميركية أموالاً عن طريق سندات الخزينة.‏

2 ـ أكثر من 70% من الاحتياطيات العالمية بالدولار الأميركي.‏

3 ـ تعاني الولايات المتحدة الأميركية عجزاً سنوياً يقارب ألف مليار دولار، وهي تعتمد بشكل رئيسي على التمويل الخارجي لسد هذا العجز، وهي تحتاج يومياً إلى 2.5 مليار دولار.‏

4 ـ أكبر الشركات العالمية للنفط هي شركات أميركية.‏

في ظل هذه المعطيات فإن قراراً كالذي اتخذته إيران يحمل الطابع الكارثي بالنسبة الى الولايات المتحدة الأميركية، اذا ما شكّل سابقة تعتمدها الدول النفطية الأخرى، لما لتخلي هذه الدول عن الدولار لمصلحة اليورو من انعكاس على سعر صرف الدولار وزيادة الضغط عليه.. يضاف إلى ذلك تأثير هذا الأمر على قدرة الولايات المتحدة على تمويل احتياجاتها إن من ناحية الخلل في الميزان التجاري أو المالية العامة.‏

وينسحب هذا التأثير على البورصة الأميركية التي تشكل 30% من البورصة العالمية والقطاع المصرفي، حيث سيبرز دور أكبر للمصارف الأوروبية.‏

ولعل الهاجس الذي تعيشه الولايات المتحدة الأميركية هو ان ينسحب القرار الإيراني بتحويل المبادلات التجارية الى اليورو وخصوصاً النفطية منها، إلى منتجات أخرى كالقمح والذهب، كأن تتخذ أفريقيا الجنوبية وروسيا قراراً ببيع الذهب باليورو أو بعملة أخرى بدل الدولار.‏

يمكن القول إن هذه النتائج ترتبط بالمبادلات التجارية بشكل عام، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالسوق النفطية العالمية؟‏

هنا يبدو حجم التأثير أكبر على الاقتصاد الأميركي، إذ إن حاجة الولايات المتحدة الأميركية اليومية من النفط تبلغ 20 مليون برميل، 50% منها تؤمنه من الخارج، من ضمنها 4 ملايين برميل من منطقة الشرق الأوسط، أما النصف الآخر فتستخرجه داخلياً، وهي حاجة تزداد سنوياً وقد تصل بعد 30 عاماً بحسب د. وزني إلى ما بين 35 و40 مليون برميل يومياً. ويقول د. غازي وزني: "لهذا فإن الولايات المتحدة تعمد إلى تعزيز مكانة الدول التي تصفها بـ"المعتدلة"، لأنها ترى فيها مصلحة لتحصين دورها من خلال هذه الدول التي تمثل السياسة الأميركية".‏

انطلاقاً من هنا فإن المخطط الأميركي ـ يضيف د. وزني ـ "يقوم على دور النفط في منطقة الشرق الأوسط، وعليه فإن الولايات المتحدة تضغط في هذا الاتجاه في محاولة لتوسيع مصادرها النفطية. ومن هنا فإن الولايات المتحدة تريد بشتى الوسائل أن تتجنب من الآن أي معاهدات أو اتفاقيات نفطية بين الدول النفطية والدول الكبرى في العالم على غرار الاتفاقيات التي وقعتها إيران مع كل من فنزويلا والصين، حيث يقول د. وزني "إن الصين هي الوحيدة التي قد تشكّل الخطر الأكبر على الولايات المتحدة الأميركية".‏

ويمكن التكهن من خلال المخطط الأميركي الهادف للسيطرة على نفط المنطقة بمدى تأثير تحول المبادلات النفطية من الدولار إلى اليورو، وهو ما كان كتب عنه أحد المحللين الأميركيين حين قال: "لقد كشف عدد كبير من المقالات عن وضع البنتاغون لخطط عمليات ضد إيران، وفي حين ستقدم تبريرات تتعلق بطموحات إيران النووية في العلن، فإن ثمة دوافع ماكرو ـ اقتصادية غير معلنة تفسر الأسباب الحقيقية التي تتصل بالوفرة البترودولارية. وذلك يعني أنه دون تدخل الولايات المتحدة فإنه سيكون لليورو موطئ قدم راسخ في تجارة النفط الدولية، وبالنظر إلى مستويات المديونية الأميركية والمشروع المقرر من قبل المحافظين الجدد، فإن مشروع طهران يشكل تعدياً على سيادة الدولار الأميركي في السوق النفطية الدولية".‏

ولعل أيضاً في القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة الأميركية بعيد غزوها للعراق بإعادة الاعتماد على الدولار في المبادلات النفطية بعد أن كان حوّلها صدام حسين الى اليورو عام 2000، دليلاً يضاف إلى جملة المعطيات السابقة لتظهير مدى تأثير الخطوة الإيرانية المدروسة على الاقتصاد الأميركي.‏

أما على صعيد نتائج قرار تحول المبادلات التجارية على البلد الذي يتخذ هذه الخطوة كإيران مثلاً، فلا انعكاسات كبيرة له، إذ ان الأمر يرتبط بحجم التبادل التجاري بين إيران والدول الخارجية. فعلى سبيل المثال لو كان التبادل التجاري بين إيران وأميركا كبيراً فهي بحاجة إلى الدولار، إلا أن التبادل التجاري بين إيران وأوروبا أكبر، وبالتالي يصبح لليورو الأفضلية. ويرى د. وزني "أنه على صعيد الدول العربية فإن اليورو يصبح أفضل، حيث تشكل نسبة التبادل التجاري بين البلدان العربية وأوروبا 43%، فيما هي 12% مع الولايات المتحدة الأميركية". يضيف: "ان التنوع في العملات يؤدي إلى تحصين النقد الوطني.. من هنا فإن دولاً كثيرة تفكر في إعادة النظر في احتياطياتها، بحيث تصبح بعملات متنوعة"، الأمر الذي يشكل خطراً على سعر صرف الدولار الذي شهد تراجعاً بنسبة 40% منذ العام 2002.‏

يضاف إلى ذلك قوة الاقتصاد الإيراني المتين، وهو ما يجعل العقوبات التي فرضها قرار مجلس الأمن الأخير غير ذات تأثير فعلي على الاقتصاد الإيراني، وهو لا يتعدى كونه ضغطاً سياسياًَ. ويقول د. وزني في هذا الصدد: "إن الوضع الإيراني اليوم غير الوضع الليبي حين فرض الحصار على ليبيا، فالاقتصاد الليبي كان قائماً على بيع النفط من دون تطوير يذكر في البنية الاقتصادية الليبية، أما بالنسبة لإيران فهي دولة اقتصادية قوية ومتينة تتطور منذ عشرات السنين، وهي تتمتع بمناعة تزيد فيها الاتفاقيات التي توقعها بين الحين والآخر مع الصين وروسيا وبعض دول أوروبا".‏

وفي خضم التوجه نحو اليورو فإن سؤالاً يطرح حول إمكانية أن تحلّ هذه العملة عملة أساسية مكان الدولار، وهو الأمر الذي اعتبره د. وزني مستبعداً، أقله في المدى المنظور، لسببين أساسيين: "الأول هو أن القوة العسكرية هي التي تفرض القرارات الاقتصادية، فميزانية وزارة الحرب الأميركية تبلغ 500 مليار دولار، أي 50% من الميزانيات العسكرية لدول العالم مجتمعة، لذلك فإن أميركا تستعمل قوتها العسكرية لتفرض شروطها الاقتصادية والمالية، وهو الأمر الذي لا تملكه الدول الأوروبية. أما السبب الثاني فهو العمر الصغير لليورو الذي يحتاج الى بعض الوقت لكي يصبح العملة العالمية الرئيسية".‏

وفي انتظار أن تحذو بعض دول أوبك وفي مقدمتها فنزويلا ودول أميركا اللاتينية حذو إيران، فإن الخطوة الإيرانية أتت بالتزامن مع بيانات حديثة لبنك التسويات الدولي أظهرت أن الدول المنتجة للنفط عملت على تقليص استخدام الدولار كوعاء ادخاري لعائداتها البترولية، والتحول بدلاً من ذلك الى اليورو والين والإسترليني، الأمر الذي يقودنا إلى آراء كبار المفكرين الأميركيين أمثال بريجنسكي الذي كتب يقول: "لقد بدأنا نشهد بداية نهاية الحقبة الأميركية".‏

ميساء شديد‏

العدد1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29