ارشيف من : 2005-2008
"محاسيب محسوبكن" "حكومة مقاومة.. بشهادة" "مش عميسمعك"، فواصل ناقدة على شاشة المنار
المباشرة، في إطار يحسن امتصاص نبض الشارع وغضبه، ثم يعمد الى إعادة تدويره في قوالب متقشفة الشكل وقصيرة الوقت، لكن صارخة في محتواها، فتعيد الضخ في شريان الغضب لترفع إيقاع نبضه.
لجمالية الفاصل القصير على شاشة المنار نكهة خاصة أو سرية، ربما يعود مردها لسرعة قطف المشهد والتشييد بخفة على أعمدته، لتخرج النتيجة باهرة بصدقها كما بتصويبها.
هنا جولة في هذا الفن الذي يثور ويخبو بحسب مؤشر السياسة في لبنان، فكيف إذا كان الحدث بضخامة استكمال حرب تموز، والتصدي بملء الساحات لرسم كلمة "لا" بالقبضات والحناجر.
حقيقة في الضباب
ان امتلاكك للحقيقة لا يبرر أن تقف مكتوف الأيدي من دون حراك دَعَوي لنشر ما تمتلك من معرفة محقة.
انطلاقاً من هذه القاعدة تنسل فروع متعددة الأساليب لتكون رافداً فعالاً في خدمة الخط العريض، والمروحة تتشعب لتكون صوتاً أو دماً، صورة أو إيماءة..
في اللحظات المصيرية حيث يكثر الضباب وينتشر المهرجون بطاباتهم الملوّنة، تصبح المسلّمات أُحجية والمبادئ وسيلة، وتُفرّغ كلمات كالوطن والحرية والاستقلال من مضامينها الأصلية.. أيضاً في وقت المفترقات الكبرى يزوغ وجه العدو، أو يصبح أكثر وضوحاً، ودائماً بحسب وجهة النظر ومنطلقاتها.
لا شك في أن الإعلام بوسائله يُعد الأرض الخصبة للصولات والجولات المنظّرة للحقيقة كما غيرها من الكلمات، لكن الجهد كل الجهد ينحصر في خانة ضيقة تتمثل بمقدرة الفرد على التمييز واختيار الطريق الصحيح، خاصة في بلد مثل لبنان تتعدد وسائل إعلامه بتعدد أطيافه السياسية.
من هنا ندخل إلى وسيلة الإعلام لنقول انها كثيرة الأبواب، منها ما هو مباشر أو مستند إلى التورية أو الإيماء، انما تبقى أهم الرسائل في القوالب المختصرة والسريعة والمتهكمة واللاذعة، وهو ما يوجد في تلك الفواصل القصيرة جداً (30 ـ 60 ثانية) على شاشة التلفزيون، والتي تعيش أياماً محددة بشكل يتقاطع مع فن الكاريكاتور، فالنموذجان يستمدان من الحدث هدفاً ومن الإبداع أسلوباً ومن النقد سلاحاً، وقد يكون هذا النقد ساخراً أو منتمياً إلى الكوميديا السوداء، في توليفات تلعب على الكلام، من أقوال وأمثال وأغانٍ، كما تلعب على الصورة مزجاً وتضخيماً ومقاربة.
يشكل الفاصل القصير بمحتواه السياسي خير وسيلة لتكثيف الخطاب الذي قد يكون متشعباً، من العنوان المحلي إلى الإقليمي فالدولي، وقد يكون على أرضيات عقائدية أو اقتصادية أو اجتماعية.
التكثيف يلغي المساحة بين ما قد يكون معقداً بمنطلقاته والمتلقي الذي ينتمي الى كل الشرائح المتنوعة بثقافاتها.
مع التحركات الأخيرة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، جرت مواكبة جرارة على محاور الشاشات، فكانت الفواصل القصيرة الناقدة على شاشة المنار أشبه برأس حربة متحركة بدينامية عالية الحساسية ومتوائمة مع إيقاع الحدث.. والمفارقة أن بعض هذه الفواصل أصبح هو الحدث في أكثر من مرة.
بيروت
التحركات الجارفة بحجمها وتأثيرها في وسط بيروت سبقتها في الطرف الآخر حملة تهويلية ممزوجة بخطابات "فتنجية" منظمة ومدروسة، كما رافقها خطاب مماثل عبر القنوات الداخلية المرتبطة بالمفاتيح الانتخابية والأزلام، وللأسف بعض رجال الدين.
من هنا كان رد فعل قناة المنار السريع، فعملت على إنتاج أكثر من فاصل قصير حول الموضوع من دون أن تدخل في زواريبه. فكانت بيروت عنواناً لفاصل يتضمن كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أثناء دعوته الجماهير الى المشاركة في التحرك الميداني الأول في 1/12/2006، حيث التشديد على عروبة بيروت في الماضي والحاضر والمستقبل، يرافق الفاصل صور عامة للمدينة في "كادرات" جوية واسعة وأخرى داخلية محددة.. تلا هذا الفاصل واحد آخر يحمل نصاً فيه من الشفافية والصدق والاختزال ما يكفي لملامسة الأحاسيس الصادقة والعميقة في نفس المتلقي، فهنا الحديث عن بيروت يذكر بماضيها وحاضرها، مع إعطاء صفة الأمومة للعاصمة. وإضافة الى الموسيقى المرافقة كانت المشهديات القديمة بالأسود والأبيض تدل على عراقة المكان وأصالته، لكن مركز القوة في هذا الفاصل هو التحية للأرض التي تحتضن الشهيد رفيق الحريري. كما تدعو كلمات الفاصل الى ان تسمح بيروت لنا بوضع قرنفلة على قبر صائب (سلام)، ونطبع قبلة على جبين سليم (الحص)، لينتهي الفاصل بعبارة بليغة في حُسن جمع أسماء رؤساء الوزراء السابقين، لتكون الدلالة غاية في السحر والعمق: "بيروت الصلح، سلام، سليم، رفيق.. سلام اليك".
رجالات الدولة
من ذات المنطلق ظهر جهد المنار في البحث داخل أرشيف طويل من الكلمات والخطب القديمة لاختيار جمل تشدد على الوحدة الوطنية والعيش المشترك، لرجالات دولة كبار عرفهم لبنان كما العاصمة تحديداً، فكانت أقوال لسامي الصلح ورشيد الصلح ورفيق الحريري وغيرهم، وذلك في قالب جمالي مبسط مستشف في ألوانه من العلم اللبناني. فكان الأحمر عن الطرفين والكلام المختار باللون الأخضر، ثم تظهر صورة الشخصية التي قالت الكلام.
.. بشهادة
بعد فضيحة الرسالة الموجهة من النائب سعد الحريري الى الأمين العام لحزب الله بواسطة وخط يد مساعده وسام الحسن، التي كشفها المعاون السياسي الحاج حسين الخليل، بعد هذه الفضيحة عمدت قناة المنار الى وضع شريط للرئيس الفاقد للشرعية فؤاد السنيورة، وهو يتحدث عن حكومته المقاومة، ثم قسمت الشاشة قسمين، لنشاهد الحاج حسين الخليل وهو يعرض وثيقة سعد الحريري.. ثم يُكتب على الشاشة: "حكومة مقاومة.. بشهادة".
مش عميسمعك
في أحد الفواصل المعنونة بجملة "الحكومة بألف خير"، يُعد 14 عنواناً للفضائح الحكومية، من خرق الدستور الى الفساد، ثم تكتمل الجملة أخيراً: الحكومة بألف خير لولا هالـ14 علّة"!. لكن الفاصل الشديد القوة والذكي الفكرة كان في وضع السنيورة جالساً على كرسي وهو يهزّ رأسه في حركة تشبه الاعتراض على خلفية سوداء، وعند الزاوية العليا من الشاشة هناك كلمة "معك".. ومعك هنا سببها في الظاهر كلام يورد للرئيس رفيق الحريري بصوته عن الوحدة الوطنية وضرورتها، لكن المفاجأة الصاعقة في آخر الفاصل تتجلى حينما تضاف أحرف جديدة الى كلمة "معك"، لتكون أخيراً "مش عميسمعك".
محاسيب
بعد استعراض وجوه لنواب حاليين لا يمثلون شيئاً على المستوى الشعبي، يسأل شريط أزرق يمر على الشاشة عن هؤلاء وتمثيلهم، ثم تأتي الإجابة بـ"محاسيب محسوبكن". وطبعاً لا تخفى عن المشاهد الغاية من عبارة "محسوبكن"، التي أطل بها سعد الحريري إبان الانتخابات النيابية.
كليلة ودمنة
بعد لقاء سريع لنا مع مصطفى نور الدين، وهو من صنّاع الفواصل الإعلانية القصيرة والناقدة على شاشة المنار، أخبرنا أنه بصدد وضع اللمسات النهائية على فاصل جديد بموضوعه كما بشكله. فهو مستمد من قصة واردة في كتاب كليلة ودمنة، جرى الإسقاط عليها لتكون أكثر معاصرة. أما لناحية التنفيذ فهي مرسومة بخطوط شبه كاريكاتورية، تظهر الثعلب ببذلة رسمية مع ربطة عنق، كما يرافق الفاصل موسيقى جميلة وطبعاً صوتية حكائية هزلية.. أما أبطال القصة ذات المضمون السياسي فـ: حمار وثعلب وملك الغاب.
اذاً إنها الحرب الاعلامية الدعائية في كامل تألقها على شاشة المنار التي تعدنا بالمزيد من الإبداعات المفندة لسلبيات المناخ السياسي "الأكثري" الراهن. علماً بأن شاشات أخرى مثل التلفزيون الجديد والمؤسسة اللبنانية للإرسال وتلفزيون لبنان لم تدخل على هذا الخط، في حين تميزت شاشة الـ"إن بي إن" بفواصل تظهر الحرص على الدستور وتدل على خرق اتفاق الطائف ونقض ميثاق العيش المشترك. أما "المستقبل" فهو يعرض فواصل اعلانية متخبطة تتداخل فيها صور سياسيين مع صور اللحظات الأولى للانفجار الذي استهدف الرئيس رفيق الحريري، مع أقوال تتحدث عن المقاومة وبقائها من دون رابط منطقي، إلا إذا أرادت المستقبل أن توجد ربطاً ما فيه اتهام وأيضاً تهديد.. وهنا نكتشف الخلفية السوداء التي تقف وراء أنواع كهذا من الإعلام الهدّام.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ العهد الثقافي ـ العدد 1195ـ 29 كانون الاول/ ديسمبر 2006.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018