ارشيف من : 2005-2008
الحج في أقوال الإمام الخامنئي: ساحة التوحيد والوحدة
الحج لهذا العام فإنه من الأهمية استعادة بعض مضامين تلك النداءات لما فيها من بيان جلي لبعض معاني وأسرار فريضة الحج.
التوحيد روح الحج: يوضح سماحته هذا المعنى بقوله: "والتوحيد بمفهومه القرآني العميق يعني التوجه والحركة نحو اللّه ورفض الأصنام والقوى الشيطانية. أخطر هذه القوى في داخل وجود الكائن البشري، هي النفس الأمارة والأهواء المضللة الدنيئة. وعلى ساحة المجتمع والعالم هي تلك القوى الاستكبارية المشاغبة المفسدة المسيطرة اليوم على حياة المسلمين والمهيمنة بسياستها على جسم وروح كثير من الشعوب الإسلامية بأساليبها الشيطانية". ويضيف قائلاً: "ومراسم البراءة في الحج انما هي اعلان البراءة من هذه القوى. وهذه أول خطوة على طريق تجسيد الإرادة الإسلامية في دحر هذه الظاهرة الشيطانية وإحلال حاكمية الاسلام والتوحيد في جميع المجتمعات الإسلامية".
الجانب المعنوي للحج: يقول الإمام الخامنئي في ذلك: "لفريضة الحج منذ بدايتها حتّى نهايتها روحيّة هي عبارة عن التوجُّه والإخلاص للذات الربوبيّة المقدّسة، وإبراز للعبوديّة أمام الباري عزّ وجلّ. فكل ما في الحج من إحرام وطواف وصلاة ووقوف في المشعر وعرفات ومنى بما فيها من ذبح ورمي وحلق، ليس إلا تجسيداً لخشوع الإنسان وخضوعه أمام الله سبحانه، وفي رحاب ذكره والتضرع إليه والتقرب منه". ويضيف سماحته قائلاً: "وهذه الميزة لا يمكن مشاهدتها بهذه الكيفيّة وبهذا الحجم في الفرائض الأخرى. وبرغم أنّ قوام كلّ فريضة وكلّ عبادة قائم على التوجُّه وذكر الباري سبحانه وتعالى، إلاّ أنّ الحج يبدو أنّه فرض بصورة بحيث يجذب الناس من الحيّز المادّي للحياة نحو مركز إقامة هذه الفريضة الإلهيّة، حيث يقوم الإنسان بغسل روحه بشكل حقيقي في هذا الجوِّ المعنوي، ومن ثمّ يعود إلى وطنه". ويتابع سماحته بقوله: "فالحجّ يبدأ بـ(لبّيك)، أي بالاستجابة للّه سبحانه وتعالى، وحالة الإحرام ولباس الإحرام ومحرّمات الإحرام، والأعمال الّتي يجب القيام بها في أيّام الحجّ أو العمرة من طواف وسعي وصلاة ووقوفين (في عرفة والمشعر الحرام)، والمناسك الأخرى للحج، كلّ واحدة منها تجذب جزءاً من وجودنا ـ بنحو من الأنحاء ـ نحو المعنويّة ونحو الباري تبارك وتعالى".
الجانب الاجتماعي: يقول الإمام الخامنئي في هذا الصدد: "إن أكثر الفرائض العبادية في الإسلام ـ حتى الصلاة ـ لها جانب اجتماعي، إلاّ أنه في الحج غريب في بابه، عظيم وكبير في عمقه، خالد في محتواه، لا في ذاكرة فرد فقط، وإنّما في ذاكرة أمةٍ وفي ذاكرة شعب". يتابع سماحته قائلاً: "ولو تمّت الاستفادة حقاً من موسم الحج من الجانب الاجتماعي، لكانت شعائر الحج هذه التي تقام مرّة سنوياً كفيلة بإيجاد تغيير في العالم الإسلامي". ويضيف: "إنّ الحجّ شيء عجيب حقّاً، فأناس من قوميّات مختلفة وبعادات مختلفة وبلغات متنوِّعة، الشرقي والغربي والأبيض والأسود، يجتمعون في مكان واحد ويقومون بعمل واحد ويمارسون العبادة في مكان واحد وينامون ويجلسون في مكان واحد، ويمارسون هذه الأعمال في أيّام معيّنة ومعلومة، كلّ ذلك من أجل تحقيق أمر تتعدّى أبعاده المصالح القوميّة والشخصيّة للإنسان". ويتابع قائلاً: " فلماذا يُدعى الناس إلى مكان خاص ومعيّن؟ إنّهم يدعون لكي يكونوا معا، لكي يشعروا بالوحدة فيما بينهم. وهذا جانب أوسع بعداً من المشاعر القوميّة، أي ليفهموا معنى الإسلام ومعنى الوحدة الإسلاميّة. إنّ الحج هو من أجل أن يتعرّف المسلمون بعضهم الى بعض، ومن أجل أن يتّحدوا في ما بينهم، ليشاهدوا بأم أعينهم تجسيداً حياً لوحدة المسلمين. وهو عملية تدريبية لتحقيق الوحدة والتلاحم بين الأمة الإسلامية،
ومن أجل تحقّق المصالح المشتركة للأمّة الإسلاميّة والاحتراز من العدوّ المشترك والبراءة منه، لأنّ ذلك المكان المقدّس هو مركز الإسلام، وروح وحقيقة الإسلام هو التوحيد، وبيت اللّه هو مركز إقامة التوحيد ومظهره وما يرمز إليه. ولذا فالشعار الذي يُرفع هناك هو شعار توحيدي، والبراءة أيضاً هي براءة من الشرك، وهذا أمر واضح وبيّن". ويختم سماحته بالقول: "ولو كان الأمر غير ذلك لأمكن للإنسان أن يقوم بهذه الأعمال والمناسك في المسجد الجامع لمدينته، ولأمكن أن يكون ذلك طوال أيام السنة وليس في أيام معيَّنة ومعلومة".
درس الحياة المتحركة الهادفة: شرحاً لهذا الأمر يقول سماحة الإمام الخامنئي: "إن الحج يعرض على شاشته المضيئة البينة تصويراً كاملاً لحياة الإنسان الموحِّد، وبعملٍ رمزي يُلقِّن المسلمين درس الحياة المتحركة الهادفة". ويتابع قائلاً: "منذ ورود الميقات وحضور ساحة الإحرام والتلبية والترك حتى الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف في محشر عرفات والمشعر وما فيه من ذكر وتضرع وتعارف، وحتى وصول منى وأضحيتها ورمي الجمار والحلق، ثم العودة الى الطواف والسعي، في كل ذلك يتلقى المسلم دروساً واضحة بينة في الحركة الهادفة والجماعية والعارفة في ساحة التوحيد وعلى درب الحياة وحول محور "اللّه" سبحانه". ويضيف: "والحج هو الدرس العملي الحي البنّاء الذي إن وعيناه فإنه يرسم لنا طريق حياتنا في صورة عملية مشرقة. هو ميعاد جماعي ينعقد كل عام كي يتعلم المسلمون في ذلك الجو المفعم بالوحدة والتفاهم، وفي ظلال الذكر الإلهي، درب الحياة واتجاهها. وهذا هو ينبوع المعرفة الذي يغدق كل عام في موسم الحج بعطائه الفياض الأبدي على الجموع البشرية المحتشدة في حرم الأمن الإلهي. وكل من فتح وعاء ذهنه وقلبه فهو من زلال المعرفة هذا في ارتواء". ويتابع سماحته قائلاً: "ثم يعودون الى أصقاعهم وأهلهم، وفي الأعوام التالية تقدم مجموعات أخرى وتعود، وتتعلم وتتزود، وتتكلم وتعمل، وتسمع وتتدبر، لتصل الأمة جميعا في النهاية الى ما أراده اللّه من تعليم دينه".
الانتقاد/ العهد الثقافي ـ العدد 1195ـ 29 كانون الاول/ ديسمبر 2006.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018