ارشيف من : 2005-2008
وظيفتهم توهين العزائم وتثبيط الهمم: "المنافقون"
جُحر) اليربوع، يكتُمُها ويُظهرُ غيرها. والنِّفاقُ هو فعل المنافق، وهو مشتق من نافقاء اليربوع، لأن صاحبه يكتم خلاف ما يُظهر. أما المنافق فهو من ستر الكفر بقلبه وأظهر الإيمان بلسانه، وعليه يكون ـ اصطلاحاً ـ كل من ستر الشر في نفسه وأظهر الخير على لسانه منافقاً.
النفاق حالة قديمة
شكّل "المنافقون" إبان الدعوة المحمدية لخاتم الأنبياء (ص) "حالة خاصة" أخذت اسمها منهم، وصارت مفردة "المنافقون" رديفة ومعطوفة على كلمة "الكافرون"، حيث مرت هذه المفردة في القرآن الكريم عشرات المرات: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم".. بل نزلت سورة كاملة في المنافقين، وكانت جل آياتها تتحدث عنهم، وسُميت بسورة "المنافقون". وكانت آياتها ـ كما الآيات الأخرى التي تتحدث عن المنافقين ـ تذمهم وتصفهم بما هم عليه من الكذب والخداع والصلف والكبر، لتضاف الى الآيات الأخرى التي وردت في غيرها من السور، والتي تتوعد المنافقين بالعذاب الأليم في الآخرة.
خطر المنافقين
كان خطر المنافقين على الإسلام كبيراً، فهم دأبوا على التشكيك في صدق النبي (ص) ودعوته، وكانوا يتحينون الفرص لتوهين عزيمة المسلمين وتثبيطهم. وحسبنا شاهداً ما جرى في معركة الخندق، حيث إنه لما باشر المسلمون بحفره اعترضتهم صخرة لم تعمل فيها معاولهم وأدواتهم، فجاء النبي (ص) وتوضأ وملأ فمه ماءً وصبه على الصخرة، ثم أخذ معولاً وضرب به الصخرة فبرقت برقة وانكسر ثلثها، فكبَّر النبي (ص) وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة. ثم قال: بسم الله وضرب ضربة ثانية على الصخرة، فانكسر ثلث آخر منها وبرق من ضربته برقة، فكبَّر مرة ثانية وقال: أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض (قصر كسرى). ثم ضرب ضربة ثالثة وكبَّر وقال: أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني هذا، أما إنه سيفتح عليكم هذه المواطن، وقد أخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا. فاستبشر المسلمون بذلك، وخاصة بعد معاينتهم الصخرة التي عجزوا عن قلعها وهي مفتتة، وقد صارت كومة من التراب. أمّا المنافقون فكان موقفهم السخرية والاستهزاء من النبي وقوله، وكانت كلمتهم: "يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب للخلاء، ألا تعجبون منه، يُمنِّيكم ويعدكم بالباطل، ويزعم أنه يبصر من المدينة قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها ستفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون للخندق من الخوف، ولا تستطيعون أن تخرجوا من المدينة.. هذا والله الغرور". فنزلت الآية الكريمة: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً".. ولكن صدق الله ورسوله، وهُزم الأحزاب في معركة الخندق هزيمة مدوية، حيث قتل الإمام علي (ع) بطلهم عمرو بن عبد ود العامري الذي كان يعد بألف فارس، فتضعضعت أركان المشركين، ودبت الشجاعة في قلوب المسلمين الذين شعروا بأن الله معهم، وأنه صدقهم الوعد.. وولى المشركون الأدبار بعد ليلة ليلاء عاصفة، اقتلعت خيامهم وألقت الرعب في قلوبهم، ففروا من أمام المسلمين، وخسئ حينها المنافقون، ثم فتح الله بلاد فارس والشام واليمن على يد المسلمين، وصدق وعد رسول الله (ص) لهم.
النفاق مجدداً
ما أشبه اليوم بالأمس، حتى ليمكن القول إن التاريخ يعيد نفسه، وإن اختلف الزمان والمكان، والأشخاص، ولكن العنوان لم يختلف: صراع الحق مع الباطل، حيث نجد أن من نصر الحق هم أحفاد رسول الله (ص) وأحفاد أنصاره من المسلمين، ومن نصر الباطل هم أحفاد المنافقين وأحفاد أنصارهم. وها نحن اليوم قد عاينا "حالات النفاق" الكثيرة التي مارسها مُدَّعو الإيمان بالمقاومة والتحرير، حتى ظننا أنهم فعلاً يتبنون حالة المقاومة والممانعة في وجه العدو الإسرائيلي الذي يحتل أرض المسلمين ويغتصب خيراتها، ولكن شاء الله تعالى أن يفضح هؤلاء "المنافقين الجدد" ويخذلهم، حيث إنهم لما عرفوا نية العدو في مقارعة المقاومة الإسلامية واستئصال شوكتها، دب الرعب في قلوبهم وأخذوا يتبرأون منها ومن أفعالها، بل ويهاجمونها ويشككون بشرعية سلاحها، وصار بعضهم يصف سلاحها بأنه سلاح غدر، وآخر يطالب بتسليمه، لعلهم يحظون برضا أعداء الأمة.. وظلوا على هذه الحال الى أن بدأت المواجهة المصيرية بين أهل الإيمان، أهل المقاومة، ومعهم الشرفاء، وبين أهل الشرك، أهل الاحتلال، ومعهم العملاء (المنافقون)، واحتدمت المواجهة، وكان سيد المقاومة يعد بالنصر الإلهي الآتي، بجهاد المجاهدين، وتضحيات أهلنا الصابرين، وكان أهل النفاق يمنُّون النفوس بانتصار العدو على المجاهدين، ويمارسون "الدور التاريخي" للمنافقين في توهين العزائم وتثبيط الهمم، ولكن خاب ظن المنافقين وأملهم، وانتصر الحق على الباطل، وخسئ المرجفون والمبطلون والمنافقون.
عدنان حمود
الانتقاد/ العهد الثقافي ـ العدد 1195ـ 29 كانون الاول/ ديسمبر 2006.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018