ارشيف من : 2005-2008

الاحتلال يصعّد من هجماته وإجراءاته التعسفية

الاحتلال يصعّد من هجماته وإجراءاته التعسفية

جنين ـ علي سمودي‏

اغرورقت عينا المواطنة نهاد سالم بالدموع وهي تعرض للبيع آخر ما تبقى لديها من مصاغ ذهبي لتوفر بعض النقود التي تساعدها على توفير قوت أبنائها،‏

وليس لشراء هدايا وملابس العيد.. نظرت نهاد الى مراسل "الانتقاد" طويلا بعدما سألها عن استعداداتها للعيد ثم مسحت دموعها وقالت: قاتل الله الاحتلال، فقد حرمنا حتى فرحة العيد، وفرحة هذه الأيام المباركة التي حبانا الله بها, فقد بعت آخر قطعة ذهب عندي لشراء احتياجاتنا الاساسية، وليس من أجل العيد. وتضيف: في السنوات الماضية كان زوجي يشتري لي الهدايا من ذهب وملابس وغيرها في العيد، ولكن منذ فرض الاحتلال طوقه التعسفي أصبحنا محرومين حتى من لقمة العيش.‏

فهذا هو العام الرابع الذي يمر في حياة عائلة نهاد وهي محرومة من فرحة واستعدادات العيد.. وتقول: من أين نفرح بالعيد وزوجي عاطل عن العمل منذ طرده من المصنع الذي عمل فيه أكثر من 20 عاما في حيفا؟ على مدار السنوات الماضية نفقت مدخراتنا لأن زوجي لم يتمكن من إيجاد عمل، وبعت ذهبي قطعة قطعة لمواجهة هذه الحياة البائسة.‏

أوضاع قاسية وصعبة‏

يأتي عيد الأضحى المبارك وسط ظروف صعبة وقاسية يعيشها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة جراء الحصار, حيث تؤكد المصادر النقابية أن معدلات البطالة تجاوزت 80%، بينما ارتفعت معدلات الفقر والعوز.. وتشكل الفلسطينية نهاد وعائلتها نموذجا لما يعانيه الفلسطينيون من معاناة حولت أعيادهم الى مناسبات حزينة.‏

المواطنة رهام زكي تقول إنه لم يبقَ في بيتها ما تبيعه لتعتاش وأسرتها المكونة من 10 أشخاص، وجميعم طلبة مدارس.. "تدهورت أوضاعنا المعيشية منذ فقد زوجي عمله وعجز عن إيجاد عمل آخر في أسواق جنين التي تأثرت بشكل بالغ جراء الحصار وسياسة المداهمات والتوغلات الإسرائيلية". وأضافت: "كلمة العيد أصبحت كالحلم والأمنية بالنسبة لنا في ظل هذه الظروف، فإذا كنا نفتقد أبسط مقومات الحياة ولا يوجد في بيتنا ما نتناوله بعدما أرهقتنا الديون وبعت كل اللوازم والمصاغ، فمن أين سأوفر النقود لشراء ملابس وهدايا لعشرة أبناء لم يتوفق والدهم في إيجاد فرصة عمل واحدة!".‏

البحث عن فرصة‏

وبرغم هذه الأجواء البائسة والصعبة، فإن العديد من الفلسطينيين حاول الحصول على فرصة للاستفادة من وقفة العيد. فقد لوحظ انتشار أعداد كبيرة من البسطات في الشوارع تجاوز عددها أربعمئة، وغالبيتها يمتلكها فلسطينيون يعانون بشكل بالغ من البطالة وسوء الوضع المعيشي، ممن وجدوا في العيد فرصة لمحاولة توفير مصدر دخل. ومنذ مطلع الأسبوع الحالي ازدحمت أسواق المدينة بالبسطات وعربات الباعة المتجولين وسط تنافس شديد في الأسعار.‏

صالح موسى يقول: "برغم الخسارة الفادحة التي مُنيت فيها في عيد الفطر، لم يكن أمامي طريقة أخرى لمحاولة التخفيف عن أسرتي التي تعيش أقسى الظروف منذ فقداني عملي في حيفا قبل ثلاثة سنوات، سوى فتح بسطة ملابس.. كنت حريصاً على توفير الملابس ذات الأسعار الرخيصة، وكلي أمل أن أتمكن هذا العيد من الحصول على بعض الربح لإسعاد أسرتي".‏

الى جانبه انتشرت عشرات بسطات الملابس التي تميزت بالأسعار الشعبية, بينما أقيمت بسطات أخرى للأحذية والحلويات وهدايا العيد.‏

من جهته يشرح راجح نصري المعاناة بقوله: "خلال السنوات الماضية كنت أوفر ربحاً كبيراً في وقفة العيد، وأملي برغم الظروف الصعبة أن أتمكن من البيع وتسويق الحلويات التي استدنتها من أحد معامل الحلويات في المدينة، فلا يوجد للعاطلين عن العمل أمثالي سوى هذه الفرصة.. أملي أن أعود في نهاية أسبوع العيد لأطفالي بملابس جديدة وبالهدايا التي حرمهم الاحتلال منها. فهذا الطوق خنقنا ودمّر حياتنا".‏

استعدادات وخوف‏

أما المحلات التجارية فإن معدلات الاستعداد فيها كانت متواضعة جدا كما يقول علام صدقي، صاحب محل للمواد التموينية: "خلال السنوات الماضية لم نحصد سوى الخسارة، ولذلك وفرت بعض اللوازم الأساسية للعيد".‏

ويقول المواطن جودت عبد الرحمن الذي حرص على تزيين واجهة محله بأجمل الملابس واللافتات التي أعلنت عن عرض بأسعار مغرية: "هذه الطريقة الوحيدة لنحاول الخروج من حالة الركود.. وبصراحة نعرض الملابس بأرباح قليلة وأسعار رخيصة".‏

فعلى مدى أسبوع يقول صاحب محل "نوفوتية فلسطين" المتخصص في ملابس الأطفال: "لم تتجاوز المبيعات مئة دولار". أما أحمد الشريف صاحب أكبر معارض النوفوتيه الخاصة بالأطفال فقال: "ان غالبية التجار يعانون انعدام البيع، وهناك وضع مأساوي يحمل في طياته خسائر كبيرة". وجلس زكي الدربي على بوابة محله يطالع الصحف ويقول: "ثلاثة أيام مرت ولم يدخل محلي زبون، فالحصار دمّر كل مقومات الحياة، ويهددنا بانهيار تجاري شامل". وبرغم نداءات البائع سمير سلامة المتكررة التي عرض خلالها أسعار بضائعه الرخيصة جدا، فإنه كما يقول لم يبع بأكثر من عشرين دولاراً. وأكد جلال زيدان صاحب محل مواد تموينية ان غالبية مبيعاته للأهالي بالدَّين، بينما لم يقبل أحد على شراء أي من احتياجات العيد. وأضاف: "حتى الكعك الذي يجهزه المواطنون في المنازل بأسعار رخيصة لم يعد يفكر فيه أحد.. فمن لا يقدر على شراء الرز والحليب واحتياجاته الأساسية لن يفكر بالكعك والحلويات".‏

الحسرة أيضا عند الأهالي‏

وبرغم ازدحام الأسواق، فإن الحركة التجارية عشية العيد بقيت مشلولة كما يؤكد التجار والأهالي. صبري عبد الخالق قال: "أتجول في السوق وقلبي يتحسر ألما لأني عاجز عن شراء أي شيء لأبنائي وأسرتي.. حاولت الاستدانة من بعض أصحاب المحلات، ولكن لم أجد من يقرضني، لأني عاطل عن العمل منذ أربع سنوات". أما المواطنة أريج محمد فقالت إنها حضرت للسوق لشراء بعض الأغراض الأساسية.. وأضافت: "كنت نسيت العيد حتى ذكرني سؤالك به، لذلك أقول إن العيد النسبة لنا أصبح حلماً بحاجة لمعجزة، فأسرتي كبيرة وزوجي لا يعمل".‏

التصعيد الإسرائيلي‏

وفي الوقت الذي يصر فيه الفلسطينيون على الصمود والصبر برغم المعاناة القاسية التي يواجهونها والاحتلال الذي يحاصرهم ويمنع عنهم حتى لقمة عيشهم, فإن الاحتلال يصر على التنغيص عليهم عشية العيد، حيث تصاعدت الهجمة الإسرائيلية خلال وقفة العيد, وشنت قوات الاحتلال حملات دهم واعتقال واسعة النطاق وسط تهديدات بأقسى العقوبات للمواطنين. زوجة الشيخ محمود السعدي قائد حركة الجهاد الإسلامي في جنين قالت: "عيد جديد يأتي علينا لنحرم من الشيخ، فبعد تحرره من السجن الذي أمضى فيه ثلاث سنوات ونصف السنة، عادت قوات الاحتلال لتحرمنا فرحة اللقاء به.. في العيدين الماضيين بسبب ملاحقته، واليوم يأتي العيد وقوات الاحتلال قد اعتقلته".‏

ولم تختلف الحال كثيرا لدى زوجة ياسر نزال قائد ألوية الناصر صلاح الدين، الذي حرمت عائلته كما تقول زوجته من الاجتماع به حتى في العيد طوال السنوات الأربع الماضية بسبب ملاحقة الاحتلال له. وتضيف: اليوم عشية العيد يعتقلونه ويزجونه في سجونهم، فمن أين يأتي فرح العيد وسط هذه الأجواء الحزينة؟!‏

العدد 1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29