ارشيف من : 2005-2008

حرب 12 تموز والقانون الدولي الإنساني

حرب 12 تموز والقانون الدولي الإنساني

احترام القانون الدولي الإنساني: أنبل وأرقى عولمة إنسانية منذ العام .1859‏

كيف تم انتهاك أحكام وقواعد هذا القانون في العمليات العسكرية إبان حرب 12 تموز 2006؟‏

أولاً في إدارة العمليات:‏

"ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو".‏

تصدر هذا المضمون مقدمة قواعد العمليات العدائية. ان تقييد حق طرف النزاع في اختيار الوسائل العسكرية لتدمير العدو هو مبدأ أساسي من مبادئ قانون النزاعات المسلحة. يتزاوج هذا المبدأ التناسب ليشكلا تحديدا إنسانيا للعمليات العسكرية.‏

أما وسائل التدمير الهائلة والجهنمية التي استخدمتها اسرائيل دون أية قيود تؤكد استعمال القوة المفرطة الهادف الى تدمير لبنان وبناه التحتية.‏

1 قيود استخدام وسائل إلحاق الضرر بالعدو:‏

تضمّن قانون النزاعات المسلحة محظورات تقيد حق طرف النزاع في استعمال وسائل ووسائط عسكرية للإضرار بالعدو وذلك في اتفاقيات دولية او خاصة. وشدّد هذا القانون على منع تدمير ممتلكات العدو إلا إذا كانت ضرورات الحرب تقتضي حتماً هذا التدمير.‏

دمّرت إسرائيل الممتلكات الخاصة والبنى التحتية العامة من دون أية ضرورة عسكرية، ومبدأ الضرورة العسكرية هو ركن أساسي من أركان القانون الدولي الإنساني.‏

وقد نشرت منظمة العفو الدولية بتاريخ 23/8/2006 تقريراً اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب "جرائم حرب" في لبنان، معتبرة ان الجيش الاسرائيلي استهدف "في شكل متعمّد" منشآت مدنية، وأن الكثير من الهجمات المركزة ضد المنشآت المدنية كانت "عشوائية وغير متكافئة وتمثل جرائم حرب". وقد غابت صدقية تأكيدات إسرائيل بأن أضرار عمليات التدمير كانت "جانبية"، لأن الكثير من الأهداف يقع في مناطق لا تتمتع بأي أهمية استراتيجية بالنسبة الى الجيش الاسرائيلي (السفير 24/8/2006).‏

2 القصف والحصار والإبقاء على الحياة:‏

يحظر قانون الحرب قصف المدن والقرى والمساكن والمباني غير المحمية أياً كانت الوسيلة المستعملة.‏

على القائد ألا يأمر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة، او تهديد الخصم بذلك. أو إدارة العمليات على هذا الأساس(2).‏

قصفت اسرائيل مساكن الضاحية الجنوبية غير المحمية وغير المستخدمة لأغراض عسكرية قصفاً تدميرياً لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب العربية الاسرائيلية. كما قصفت ودمّرت بعض المساجد والمستشفيات مهدّدة بعدم إبقاء السكان على قيد الحياة ولو تواجدوا في أماكن سكنهم.‏

وتعمدت اسرائيل استهداف قوافل الإغاثة والمستشفيات ومواقع ووسائط الخدمات الطبية ومرافق الخدمات العامة كمحطات المياه والطاقة لإجبار الناس على ترك منازلهم. كل ذلك دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعد ورود تقارير من جنوب لبنان تشير إلى وقوع إصابات في صفوف العاملين في الإسعاف الطبي، الى تذكير السلطات الاسرائيلية بوجوب احترام شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر في كل الأوقات، لأن القانون الدولي الإنساني يحمي المنشآت والمركبات التي تحمل هاتين الشارتين.‏

3 الحماية من آثار القتال:‏

خصص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف للعام 1949 والصادر في العام 1977 والذي يعنى بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية إحدى وعشرين مادة من مواد ال 102 لتأمين الحماية العامة للفئات والمواقع المعنية من آثار القتال. وحض أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية وتوجيه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها وذلك من أجل تأمين وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية.‏

نفذت إسرائيل أكثر من 7000 غارة جوية على 7000 هدف، في وقت نفذت قواتها البحرية 2500 عملية قصف أخرى، وأطلقت قطع المدفعية الطويلة المدى عدداً هائلاً مجهولاً من القذائف على جنوب لبنان (تقرير منظمة العفو الدولية بتاريخ 23/8/2006) تقول مصادر المقاومة ان عدد الغارات بلغ 9000 غارة وعدد القذائف بلغ 175.000 قذيفة.‏

دفع هذا الوضع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف الى التذكير بالواجب القانوني في توخي احترام مبدأ التناسب في العمليات العسكرية كافة لتفادي إنزال معاناة غير ضرورية بالسكان المدنيين.‏

4 المدنيون:‏

يتمتع المدنيون بحق الحماية القانونية الدولية العامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية وفق التحديدات والقواعد الدولية التالية:‏

أ لا يجوز أن يكون السكان المدنيون محلاً للهجوم وتحظر أعمال العنف او التهديد به الرامية أساساً الى بث الذعر بين السكان المدنيين.‏

ب يتمتع الأشخاص المدنيون بالحماية ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية.‏

بالمقابل: لقد كان السكان المدنيون في كل لبنان. وفي الجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك والشمال بشكل خاص، محلاً لأعمال عنف ترمي أساساً الى بث الذعر بينهم، رغم تمتعهم بالحماية القانونية كونهم لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية. والذعر هذا دفع حوالى مليون إنسان للنزوح الى مناطق أكثر أماناً، ولكن مهددة بأعمال العنف ايضاً، إنها محاولة خلق فتنة داخلية بين طائفة مناطق التهجير وطوائف المناطق التي ستستوعب النازحين. لكن الوحدة الوطنية تجلت بأبهى صورها رغم موجة الشائعات الموجهة التي اجتاحت الوطن.‏

5 الهجمات العشوائية:‏

تحظر الهجمات العشوائية. وتعتبر هجمات عشوائية:‏

تلك التي لا توجه الى هدف عسكري محدّد (أغلبية أهداف عدوان 12 تموز غير عسكرية).‏

الهجوم قصفاً بالقنابل أياً كانت الطرق والوسائل، الذي يعالج عدداً من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميز بعضها عن البعض الآخر والواقعة في مدينة او بلدة او قرية او منطقة اخرى تضم تركزاً من المدنيين او الأعيان المدنية، على أنها هدف عسكري واحد. قرى الجنوب كلها، كما أحياء الضاحية الجنوبية، كما أحياء بعلبك، وكلها سكنية، عولجت كأنها هدف عسكري واحد.‏

الهجوم الذي يمكن ان يتوقع منه ان يسبب خسارة في أرواح المدنيين او أضراراً بالأعيان المدنية، او ان يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر ان يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة. ان مجازر مروحين، صريفا، النبطية، قانا، الشياح، الضاحية الجنوبية... الخ. هي تعبير صارخ عن الإفراط في هذا التجاوز.‏

سقط ادعاء اسرائيل بأنها ترتكز في حربها الهمجية على مبدأ حق الدفاع عن النفس المكرس بمضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بسبب الضخامة الهائلة للهجمات وأعمال القصف الوحشية التي استهدفت بشكل منظم المنشآت والجسور وعناصر البنى التحتية والمدنيين الذين لم يساهموا إطلاقاً بالمجهود الحربي.‏

6 هجمات الردع:‏

تحظر هجمات الردع ضد السكان المدنيين او الأشخاص المدنيين. أغلبية الأعمال العدائية لعدوان 12 تموز كانت هجمات ردع ضد السكان المدنيين، بحيث حاولت اسرائيل استخدامهم كعنصر سياسي ضاغط في الداخل اللبناني على عمل المقاومة.‏

7 الأعيان المدنية:‏

الأعيان هي المنشآت المدنية والممتلكات الثقافية والمواد التي لا غنى عنها لاستمرار الحضارة وحياة وبقاء السكان المدنيين (آثار، أماكن عبادة، مكتبات عامة كبرى، ثروات فنية تراثية، تراث روحي، مناطق ومحاصيل زراعية، شبكات وسدود الري ومياه الشرب، ماشية الخ...).‏

كفل قانون الحرب الحماية الدولية لهذه الأعيان، وذلك وفق القواعد والتحديدات التالية:‏

أ الحماية العامة للأعيان: لا تكون الأعيان المدنية محلاً للهجوم او لهجمات الردع. كانت الأعيان المدنية المذكورة آنفاً محلاً للقصف الجوي والبحري والبري لحرب 12 تموز، والجسور وخزانات المياه وأماكن العبادة والحقول الزراعية كانت في طليعة الأعيان المستهدفة.‏

إن التدمير الواسع لمحطات الكهرباء ومعامل معالجة المياه والبنى التحتية والطرق التي لا غنى عنها لنقل الغذاء والمساعدات الإنسانية، كان متعمداً ومثّل جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية.‏

ثانياً في وسائل القتال:‏

ليس لأطراف النزاع المتقاتلة حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو(6). وعند اقتران هذا التحديد مع مبدأ التناسب الذي يقضي بتفادي ما لا تستلزمه الضرورة العسكرية من معاناة وضرر، نستنتج حينذاك مسؤولية القادة الاسرائيليين في عدوان 12 تموز عن استخدام وسائل إلحاق خسائر او أضرار بالمدنيين والأعيان المدنية والفئات المحمية. ان مسؤولية هؤلاء القادة تتركز في التقييدات الآتية:‏

إن حق أطراف اي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتل ليس حقاً لا تقيده قيود. (استخدمت إسرائيل كل أساليب إثارة الذعر وترويع المدنيين وضرب البنى التحتية التي لا تساهم في العمل العسكري).‏

يحظر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات او آلام لا مبرر لها. ماذا فعلت أطنان المتفجرات والقنابل العنقودية والانشطارية والفوسفورية..؟؟ استعمل الجيش الاسرائيلي كمّاً هائلاً ومخيفاً من أسلحة التدمير المتطورة وبعض تلك التي تحظرها الاتفاقيات الدولية(7).‏

ثالثاً العمليات العسكرية:‏

1 احتياطات القائد أثناء القصف:‏

يلتزم القائد قبل وخلال العملية العسكرية تحقيق الضبط اللازم للقتال واستخدام وسائل التدمير بوضع القيود على مرؤوسيه لجهة إحداث أضرار بالعدو.‏

... كما يبذل القائد العسكري جهداً في إدارة العملية العسكرية من اجل تفادي السكان المدنيين والأعيان المدنية وفقاً للتحديدات والمعايير التالية:‏

11 قرار القصف:‏

يجب على من يخطط لقصف او يتخذ قراراً بشأنه أن:‏

111 يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من ان الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين او أعياناً مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية(8) ومن أنه غير محظور مهاجمتها.‏

لم تهاجم اسرائيل في عدوانها إلا القرى الآهلة بالسكان بهدف تدميرها. يقول خبير عسكري إنه من ناحية فن القتال كان يمكن تجاوز تلك القرى واحتلال أوسع مساحة ممكنة مما يجعله يعتقد ان هدف اسرائيل الأساسي هو ضرب البنى التحتية اللبنانية واقتصاد لبنان وتخطت أهداف العمليات الحدود المسموح بها في قانون النزاعات المسلحة.‏

112 يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند تخير وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، او إلحاق الإصابة بهم او الأضرار بالأعيان المدنية وذلك بصفة عرضية، وحصر ذلك في أضيق نطاق.‏

لم تتخذ اسرائيل أية احتياطات، بل تعمدت ضرب المدنيين بحيث بلغ عدد ضحاياهم أضعاف عدد العسكريين المقاتلين. وهذه نسبة مرعبة لم تكن في أية حرب عربية اسرائيلية.‏

ان النظرة الى مضمون المادة الثالثة من الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان بأن "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، والى مضمون المادة الخامسة بأنه "يحرّم تعريض اي إنسان للتعذيب او للمعاملة الوحشية او القاسية او الحاطة من كرامته الإنسانية"، والى ما كرسّته اتفاقية جنيف الرابعة 1949 المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب.. إن النظرة الى كل ذلك تظهر انتهاك العمليات العسكرية الوحشية الاسرائيلية حقوق الإنسان، لأنها استهدفت بشكل أساسي ومتعمد المدنيين، وغالبيتهم من الأطفال والنساء، والذين لم يساهموا لا من قريب او بعيد في المجهود الحربي.‏

تعمّد القائد العسكري الاسرائيلي اختيار الهدف الذي يتوقع ان يسفر قصفه إحداث أكبر قدر من الأخطار على أرواح المدنيين والأعيان المدنية: ثم تدمير 31 منشأة حيوية من المطارات ومحطات الطاقة ومحطات المياه والصرف الصحي تدميراً جزئياً او كاملاً، يضاف إليها 80 جسراً و49 طريقاً برية، واستهدفت أكثر من 25 محطة وقود و900 مؤسسة أخرى وسوّي أكثر من 30 ألف منزل ومكتب ومتجر بالأرض!!‏

رابعاً: في قرارات القائد للعمليات:‏

إن القرار الذي يتخذه القائد هو القرار الذي يسبب أقلّ قدر ممكن من الأضرار والأخطار والآلام التي لا مبرر لها على الفئات والمواقع المحمية.‏

بالتأكيد، يستنتج مراقب حرب 12 تموز أن القائد العسكري الاسرائيلي لم يتقيّد بهذه القواعد، بل تعمّد انتهاكها في أغلب الأحيان. وبالتالي، لم يعر أهمية لاتخاذ التدابير الفورية لتعديل مسار الأعمال العسكرية المدمرة للدولة والكيان:‏

ان الانتهاكات التي ارتكبتها اسرائيل منذ عدوان 12 تموز، بما في ذلك القصف الكثيف والمركز على المدنيين وقتل ما يفوق 1400 مدني، وترهيب الآخرين وإنذارهم بمغادرة منازلهم، ومطاردة النازحين، وقصف أولئك الثابتين في أرضهم ومنع وصول الأغذية والأدوية إليهم لمزيد من التهجير والقتل غير المشروع.. كل هذه الانتهاكات مضافاً إليها استعمال أسلحة ممنوعة (بعد ثبوت ذلك)، من شأنها أن تثبت توافر نية الإبادة الجماعية بمفهوم اتفاق .1948 وتثبت النية أكثر عندما نعطف هذا الفعل على ما ارتكبته إسرائيل من أفعال في عدوان 1982 ومجازره، وعدوان ,1993 وعدوان 1996 ومجزرة قانا وما رافق ذلك من استخدام للقنابل الفوسفورية والعنقودية. وغيرها من الأسلحة الممنوعة.‏

كما تثبت هذه النية في ظاهرة جديدة "ابتدعتها" اسرائيل وهي "احتلال الأرض بواسطة الألغام" وإحجامها عن تزويد لبنان او الهيئات الدولية المتخصصة بالخرائط التي ترشد الى مواقع حقول هذه الألغام.‏

خامساً: في واجبات القادة ومسؤولياتهم:‏

أ التأكد من فهم المرؤوسين التزاماتهم: يجب على أطراف النزاع ان يتطلبوا من القادة كل حسب مستواه من المسؤولية التأكد من ان أفراد القوات المسلحة، الذين يعملون تحت أمرتهم على بيّنة من التزاماتهم كما تنص عليها مواد اتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول وذلك بغية منع وقمع الانتهاكات.‏

هل طلبت القيادة السياسية الاسرائيلية من القادة العسكريين التزام تطبيق مواد القانون الدولي الإنساني؟ الجواب لا بالطبع.‏

ب إجراءات منع الخرق والمعاقبة: يجب على أطراف النزاع ان يتطلبوا من كل قائد يكون على بينة من ان بعض مرؤوسيه او أي أشخاص آخرين خاضعين لسلطته على وشك ان يقترفوا او اقترفوا انتهاكات لاتفاقيات جنيف او البروتوكول الاضافي الأول، ان يطبق الاجراءات اللازمة ليمنع مثل هذا الخرق، وأن يتخذ عندما يكون ذلك مناسباً، إجراءات تأديبية او جنائية ضد مرتكبي هذه الانتهاكات.‏

استمرت انتهاكات حرب 12 تموز 33 يوماً. هل اتخذ اي مسؤول حكومي سياسي او اي قائد عسكري كبير الإجراءات اللازمة لمنع الخروقات الهائلة المتراكمة، او هل تم اتخاذ اجراءات تأديبية بحق المرتكبين؟ على مدى شهر ونيف، القانون الدولي الإنساني حبر على ورق، والحبر ليس على الرف، بل تحت الأقدام وعيون العجز الدولي جاحظة.‏

ج إجراءات قمع الانتهاك والتقصير: يفرض القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتعاقدة وأطراف النزاع المسلح قمع الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف (1949) وبرتوكولها الإضافي (1977) التي تعتبر جرائم حرب(10). كما على تلك الاطراف العمل على اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع الانتهاكات كافة الاخرى التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء وفق مضمون القانون(11).‏

لم تتخذ إسرائيل أي إجراء خلال شهر ونيف رغم نداءات أمين عام الأمم المتحدة وقادة العالم والمنظمات الإنسانية.‏

د مسؤولية الرئيس (المدني او القائد العسكري) الجنائية او التأديبية: لا يعفي قيام اي مرؤوس بانتهاك اتفاقيات جنيف او البروتوكول الاضافي الأول رؤساءه من المسؤولية الجنائية او التأديبية. حسب الأحوال، اذا علموا او كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف، ان يخلصوا الى أنه كان يرتكب، او أنه في سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع او قمع هذا الانتهاك.‏

ان تكرار الانتهاكات في حرب 12 تموز على مدى شهر ونيف دون إجراءات منع أو قمع يؤكد مسؤولية الرئيس المدني السياسي الى جانب مسؤولية القائد العسكري في ارتكاب المخالفات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.‏

بالمقارنة نقول: كان هناك "القتل الإبادة" العمد، والمعاملة اللاإنسانية الوحشية، وتعمد إحداث الآلام بأطفال في الأشهر الأولى من عمرهم. وتدمير منهجي لمواقع مدنية، وتهجير قسري ل1/4 سكان لبنان، واحتجاز رهائن ليسوا مقاتلين.‏

نجزم بأن استهداف حرب 12 تموز بصورة متعمدة الفئات المحمية (مدنيين، أعيان...) والبنى التحتية والاقتصادية للبنان ينتهك قواعد القانون الدولي الانساني في جرائم حرب خطرة يعاقب عليها القانون الدولي الجزائي، وعلى المتخصصين في هذا المجال المبادرة الى إعداد الملف القانوني لمقاضاة إسرائيل. على المجتمع الدولي أن يهتم بإحقاق العدالة الدولية ويثبت أنها ليست رهينة مصالح عواصم القرار.ان كل تلك المخالفات الجسيمة وجرائم الحرب كانت موضع انتقاد وإدانة لاسرائيل من قبل قادة ومنظمات المجتمع الدولي. هل يعقل ان تمتنع دولة معتدية عن تأمين ممرات آمنة للمساعدات الانسانية؟ (يراجع موقف رئيس بعثة المفوضية الاوروبية في بيروت باتريك رينو/ النهار/ 8 آب 2006 ص. 7). هل يعقل أن تتباحث الدول والهيئات الإنسانية الدولية في إمكان اعتماد سيارات مصفحة تنقل الأشخاص الذين يواكبون قوافل المساعدات الإنسانية؟ يتساءل "رينو":‏

"في أي عالم نعيش اليوم إذا أصبح هذا الحل لنقل المساعدات؟!!".‏

باختصار، كان القانون الدولي الإنساني إبان حرب 12 تموز حبراً على ورق، كما قالت منذ سنوات "إيفا نوفيتش" التي تركت البوسنة لاجئة، حبراً داسته أقدام العدوان وعيون الشرعية الدولية جاحظة عاجزة..‏

إنه حبر الإنسانية تحت الأقدام..‏

(?) عميد ركن متقاعد‏

أجزاء من نص أطول‏

المصدر: صحيفة السفير‏

2006-11-08