ارشيف من : 2005-2008
كلام الحريري عن مواجهة المشروع الإيراني يفضح ارتباطات «قوى الاكثرية»
ابراهيم ناصر الدين
«المشروع الإيراني لن يمر» كلام قاله رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري منذ ايام لإنصاره وبالأمس هدد رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط بقتل الرئيس السوري بشار الاسد مرددا المقولة نفسها بعدم عودة زمن الوصايا.
هذين الخطابين يختصران كامل الازمة الراهنة في لبنان بحسب اوساط سياسية رفيعة المستوى فالزعيم الفعلي لقوى السلطة والزعيم الوهمي الآخر الذي يتلطى وراءه الاخرون كشفا حقيقة المشروع الذي يعملان على تنفيذه انطلاقا من الساحة اللبنانية بشكل صريح وواضح وباتا يلعبان على المكشوف في اطار معادلة مفادها «نحن رأس حربة المشروع الاميركي في المنطقة في مواجهة ما تبقى من قوى الممانعة».
وتتساءل هذه الاوساط عن القدرة الفعلية التي يملكها الحريري وجنبلاط لخوض مثل هذه المعركة انطلاقا من لبنان وجعله ساحة لتجاذبات هو بغنى عنها في هذه المرحلة الدقيقة جدا على مستوى المنطقة برمتها التي تشهد لحظات صعبة ومخاضا عسيرا لتشكيل هويتها لسنوات طويلة مقبلة.
فعن اي مشروع ايراني يتحدث الحريري وهل يعرف ما يقول ولماذا وضع نفسه في مواجهة الجمهورية الاسلامية ومن قاله له ان دورها في المنطقة يتعارض مع دور لبنان الذي يدعي العمل على جعله حرا وسيدا ومستقلا؟
الحقيقة بحسب الاوساط نفسها ليست كما يدعي الحريري او جنبلاط لان من لديه مشروع في المنطقة الولايات المتحدة بإدارة الرئيس جورج بوش واعلنت عنها بصراحة بعد الحادي عشر من ايلول وجاءت لتطبقها عنوة وبأساليب ملتوية وحينها حصل الإنقسام في العالم العربي والاسلامي بين فريقين الاول رفض الانصياع لهذا المشروع الذي يريد ضمان تفوق اسرائيل وفريق اخر اختار المواجهة رفضا للتبعية ولعدم التنازل عن المصالح الوطنية.
وهنا كانت الخطيئة الكبرى لقوى السلطة الحاكمة في لبنان عندما راهنت على نجاح الخطط الاميركية ودخلت في لعبة اكبر منها بكثير وباتت اليوم اسيرة لها وغير قادرة على التملص منها خصوصا ان الاميركيين لا يتعاملون معهم كحلفاء لأنهم لا يمتلكون اي وزن في المعادلة وهم بحاجة لهم «طابور خامس» في العالم العربي وابواق تصرخ في وجه الايرانيين والسوريين وما لا يقوله المسؤولون السعوديون والمصريون علنا وصراحة لدواعي ديبلوماسية يقوله هؤلاء من بيروت ويساعدهم عليه بين الحين والآخر الملك الاردني عبدالله الثاني.
وامام هذه الوقائع لا تبدو الازمة اللبنانية الراهنة بعيدة عن البعد الاقليمي والدولي لإعادة تشكيل المنطقة وتشير الاوساط نفسها الى ان العام المقبل سيكون عام الحسم بإمتياز لأنه سيكون العام الاخير امام الرئيس الاميركي لتنفذ اجندته قبل الدخول في العام الذي يليه في «معمعة» التحضير للانتخابات الرئاسية وهو على ما يبدو مصمم على تحقيق انجاز كبير في المنطقة يساعد مرشح حزبه على الوصول الى البيت الابيض، كما يريد ان يمحو صورة الفشل الذي طبع به عهده.
وتشير هذه الاوساط الى ان استراتيجية بوش الجديدة تقوم على مبدأ واضح تم ابلاغه الى دول المنطقة، ويقوم على مد الجسور مع السنة بدءاً من العراق لتشكيل محور قوي عماده السعودية ومصر كعمق سياسي وبشري ودور امني للاردن على ان تكون الامارات العربية المتحدة جزءاً اساسياً لتمويل المشروع الذي يهدف الى اضعاف ايران وسوريا ومن يقف معهما في هذه المرحلة.
ولا تستبعد المصادر عينها ان يلجأ الرئيس بوش الى توجيه ضربة عسكرية الى ايران اذا لم تنجح السبل الاخرى في اضعافها خصوصاً ان من يعرف «الف باء» السياسة بات يدرك ان المشكلة مع طهران ليست الملف النووي او القنبلة النووية بل التقنية النووية التي تجعل من الجمهورية الاسلامية دولة متقدمة وتعزز دورها كدولة اقليمية يصعب تجاوزها، وهو ما لا يريده الرئيس بوش والمحافظون الجدد الذين يريدون مغادرة البيت الابيض مطمئنين على مصالحهم النفطية في المنطقة وايضا على اسرائيل التي تقلص حجمها امام تصاعد المارد الايراني، وهي تعلمت درساً مؤلماً في عدوان تموز اعتبرته «بروفة» مصغرة لاي مواجهة محتملة مع ايران التي يرغب جيرانها في الخليج اضعافها لانها برأيهم تتمدد على حساب مصالحهم وازاء ذلك فان الازمة في لبنان مرشحة لمزيد من التصعيد والتعقيد في مطلع العام المقبل بالتزامن مع تصعيد مشابه في الاراضي الفلسطينية المحتلة التي تشهد سيناريو «عكسياً» ولكن هدفه واحد هو القضاء على قوى الممانعة ، وفي هذا الاطار تريد ابقاء سيف المحكمة الدولية مصلتاً فوق رأس سوريا.
وتشير الاوساط نفسها الى ان الحريري وجنبلاط يدركان ان «اللعبة» الداخلية قد خرجت من أيديهما واصبحا غير قادرين على التحكم بالمسار السياسي للامور بعد نجاح المعارضة في انتزاع المبادرة وباتا يتحدثان باسم اكثرية لا تحكم اي شيء في البلاد واصبحت «خارج نطاق الخدمة»، وعلى ما يفعلانه اليوم هو الرهان على تقطيع الوقت بانتظار الخطوة الاميركية المقبلة باتجاه ايران ودمشق وهما يعتقدان بانها ستنعكس سلباً على المعارضة في الداخل، على رغم ان جنبلاط غير مطمئن للنتائج وهو ما ينعكس توتراً واضحاً على تصريحاته. ولكنه غير قادر على التراجع ولا يملك سوى الانتظار وتعطيل اي مبادرة يمكن ان تخرج البلاد من المراوحة الراهنة وكان آخرها مبادرة امين عام الجامعة العربية عمرو موسى الذي فشل لسببين الاول عدم قدرة قوى السلطة القبول باي حل في الوقت الراهن لان الاميركيين لا يريدون ذلك، اما السبب الثاني فهو موقع موسى والجامعة العربية التي لا حول لا ولا قوة وكل ما كان يفعله هو نقل الرسائل والافكار بين الاطراف الداخلية المعنية في ظل غياب القدرة على فرض الحلول عليها، فكيف بالاحرى على الدول الاقليمية التي تتعامل بلغة المصالح ولا تعطي اي شيء من دون مقابل.
واذا كانت قوى السلطة لا تملك سوى الانتظار فقد فاتها بحسب المصدر نفسه ان المعارضة لن تنتظر لانها في سباق مع الزمن والفرصة التي اعطاها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لهذه القوى لخلق شراكة تحمي لبنان من الصراع القائم في المنطقة لا يبدو انها فهمت جيدا من قبلهم واعتبروها ضعفاً ويأساً وافلاساً، ولذلك لن تسمح المعارضة بجرها الى لعبة تضييع الوقت «القاتل» وهي اتخذت قراراً حاسماً بتغيير جذري للواقع السياسي في البلاد واخراجه من حلقة الرهانات الخاطئة مهما كان الثمن مؤلماً، وعندما يقول السيد نصرالله ان النصر آت لا محالة فهو يعرف ما يقول وماذا يحضر، واذا كانت قوى السلطة اخذت فرصة للاحتفال بطقوس الاعياد، فهناك من لا تعني له بهرجة العيد شيئاً وهو «لا ينام» لانجاز التحضيرات للمرحلة المقبلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018