ارشيف من : 2005-2008

تستطيع المقاومة مجابهة اسرائيل ومن هم وراءها ولكنها تأنف ان تجرب قدرتها - كغيرها - على ابناء وطنها !‏

تستطيع المقاومة مجابهة اسرائيل ومن هم وراءها ولكنها تأنف ان تجرب قدرتها - كغيرها - على ابناء وطنها !‏

كتب محمد باقر شري‏

ـ ماذا ينفع السنيورة ان يلتقي كل قادة العالم من البيت الابيض الى الكرملن اذا كان لا يكلف نفسه عناء تفقد مناطق بلاده المهدّمة‏‏

ـ اولمرت الذي يهيم به حبا اكثر منه اهتماما «بشعبه»‏‏

ـ لماذا تخصص واشنطن مليار دولار تقوية «لحكومته الساقطة»‏ وتتحدث عن مساعدات مالية للجيش بدلا من السلاح؟‏

قد يستطيع المرء ان يواجه السباع الضارية ولا يهابها، ولكنه قد يهرب من الذباب والحشرات ‏والافاعي. وهو قياس مع الفارق. فإن المقاومة تستطيع التصدي لاسرائيل ومن هم وراءها، ‏ولكنها «تأنف» ان تنازل من ليس نداً لها في «الزواريب» ونذكر انه في التاريخ العربي ‏عندما اراد من كان يلقب بـ «اسد الله الغالب» ان يهوي بسيفه على احد عتاة الوثنيين ‏وعبدة الاصنام وتوجه الوثني اليه بالشتيمة فكف «اسد الله» عن قتله مؤقتا ريثما يهدأ ‏غضبه ثم يعود الى منازلته لكي لا يكون قد قتله لاسباب شخصية، وهو يريد منازلته دفاعا عن ‏الحق وفي سبيل المثل العليا التي يؤمن بها: فنجا الوثني ولو موقتا فعاد اسد الله الغالب بعد ‏ان سكن غضبه لمنازلته وكانت النهاية المحتومة للوثني!‏‏

وفي موقف آخر اراد «مجلس الشورى » الذي يتكون من ستّة من كبار الصحابة ان ينتخبه ‏للخلافة شريطة ان يعمل بغير اجتهاده وقناعاته بل ان يعمل باجتهاد سواه، ولكنه اعلن ‏انه يكتفي بسنّة صاحب الدعوة.. فكان ذلك سبباً في تخليه عن فرصة تولي الخلافة، لأنها كانت ‏مشروطة..‏‏

وقد يرى من يسمون انفسهم واقعيين، ان هذا الالتزام الصارم بالثوابت قد يكون دليلاً على ‏عدم دراية بالسياسة رغم الدراية بالحرب المشهود له بها حتى من الذين يغارون منه ‏ويحسدونه. ولكنه كان يرد عليهم بما معناه انه قد يرى وجوه الحيلة ولكن حريجته في الدين ‏‏(والاخلاق) تمنعه من أن يسلك سلوكاً يثقل ضميره، بينما يرى المتفلت من الالتزام بالعهود ‏والمواثيق والثوابت والذي ليس له حريجة (حرج) في دينه، ان المهم عنده هو الوصول الى ‏غايته ومبتغاه!‏‏

وهذا النوع من الناس يطلق عليه في زماننا اسم الوصولي الذي يؤمن بأن «الغاية تبرر ‏الواسطة أو الوسيلة»، وقد «فلسف» مكيافيللي للوصوليين السياسيين الذين يريدون السلطة ‏ولو على «جثة الحقيقة» في كتابه «الامير أو السلطان» نظرية الوصول الى السلطة والحكم، ‏وكيفية الاحتفاظ بالحكم، استباحة كل المحرمات والدوس على كل عرف، وعدم اقامة اعتبار لما ‏يسمّى الضمير البشري، ولكن مكيافيللي يحذر «الأمير» (وكان قد ألف كتابه الى امير توسكانه ‏في فترة السعي لتوحيد ايطاليا، التي كان بطلها غاريبالدي) بأن خداع الحاكم صاحب السلطة، ‏سوف يبطل خداعه عندما يصدف أن يأتي من تعامله بنفس الاسلوب والطريقة، وعندئذ يصبح ‏خداعه فاقد المفعول. وهو امر قال به الكتاب المقدس عند سائر المسلمين، وهو القرآن الكريم ‏الذي تقول احدى آياته «ان كيد الشيطان كان ضعيفاً»! وفي مكان آخر وردت الآية التي تقول ‏انهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً، فمهل الكافرين (بالله) امهلهم رويداً»!‏‏

وقد برهنت تجارب الدهر على مرّ العصور ان الغلبة تكون للخير اذا عمل له اهل الخير ‏واتقنوا العمل لتغليبه على الشر. ولكن اذا اهمل اهل الخير السعي لهذا النصر ولم يوفروا ‏له الاسباب، وكان اهل الشر اكثر فطنة وسعياً ويقظة، فانهم يستطيعون ان يهزموا اهل الخير، ‏وهناك آية تؤكد هذا المعنى بالحرف عندما تقول: «وان ليس للانسان الا ما سعى».. والسعي قد ‏يكون لاحراز الفوز في الدنيا او لاحراز الفوز بآخرة تزجيه على اعماله المتقنة والصالحة..‏‏

وهكذا، فان الانسان قد يكون على حق، ولا ينقصه اي مقوّم من مقومات الانتصار على الشر ‏والظلم، ولكنه لم يهتد الى استخدام ما يتوفر لديه من طاقات اسباب النصر والنجاح، وان ‏كونه على خير دون عمل او سعي، فلا يجب ان نفاجأ اذا تغلب الشر على الخير، اما اذا تصرف ‏اصحاب الحق كما تصرف ابطال تموز من حيث توفير اسباب النصر ولو بحده الأدنى الممكن عملاً ‏بالنصيحة الالهية التي يخاطب المقاتلين دفاعا عن حقهم والقائلة: «واعدوا لهم ما استطعتم من ‏قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم» وهذا ما حدث بالفعل في حرب تموز المجيدة..!‏‏

ولكن «الحرب السياسية» اذا صح التعبير والتي تكون ضد العدو بالفعل وليس ممارسة «الحرب ‏السياسية» ضد المواطن الآخر تحتاج الى اعداد واتقان لا يقل عن الاعداد والاتقان في حرب ‏الميدان، بل تحتاج الى عناية ويقظة وفطنة اكثر من حرب الميدان، لأن لها تعقيداتها التي تحتاج ‏الى عقول متفوقة. وصحيح ان ما ينجز على الارض في الداخل من عمل سياسي ناجح ومتقن هو ‏الاساس لفرض النصر السياسي على اي عدو، سواء كان على من اطلق عليهم اسم «يهود ‏الداخل» او يهود الكيان الصهيوني، والمتهوّدين سياسياً في اميركا واوروبا، ونحن آسفون ‏لاضطرارنا لاستخدام تعبير قد يرى «الحداثيون اللفظيون»، انها منافية «للاخوة الاممية» فان ‏هذا التعبير «يهود الداخل والخارج» ينطبق على الأقل على ما يجري على يد العدو في فلسطين ‏المحتلة وكل من تعامل او يريد التعامل مع الكيان العنصري الذي قام ونشأ وترعرع واقتات ‏وتغذى على الممارسات الوحشية. وكل من يتسامح مع جرائمه يكون عدواً للانسانية وشريكاً ‏للكيان العنصري في ذبح الأطفال «وابادة الجنس» العربي في فلسطين، هذا «الكيان» المتخصص من ‏دون الكيانات العنصرية التي سبقته في قتل الاطفال والمدنيين، استناداً الى نصوص تلمودية ‏ظلامية، انتقلت عدواها الى «المحافظين الجدد» الذين يمسكون بناصية المصير العالمي ويشيعون فيه ‏‏«فلسفة حلّية» وجواز القتل، والتعذيب والاغتيال وما صدر عن المحكمة الاسرائيلية العليا ‏امس الاول، فانه يطبق بشكل حرفي على يد ادارة بوش في العراق وقبل ذلك في افغانستان ضد ‏‏«الافغان العرب» بايعاز صهيوني في غوانتانامو، وقد خص «العرب منهم» بالتعذيب وسوء ‏المعاملة، تطبيقاً للنظريات التلمودية التي اعتنقها «المحافظون الجدد» نقلاً حرفياً اعمى ‏وطبقوها في الاماكن التي حلوا فيها مسخرين في تطبيقها طاقاتهم المادية الهائلة وجاعلين ‏‏«وقودها الناس والحجارة»! وقد تعاون التلموديون «الأصلاء» في الكيان الصهيوني مع ‏‏«اتباعهم» «التلموديون الاميركيون» الذين يمسكون بالقرار في البيت الابيض والبنتاغون ‏والـCIA‏ والـ‏FBI‏ وهم يريدون تعميم حضارتها لاقامة شرق اوسط تلمودي» الاتجاه بدءاً من ‏لبنان.‏‏

وعندما يقول قادة المعارضة عندنا، الذين يمثلون جميع اطياف ومكونات بلدنا السياسية ‏والشعبية، بأنهم سيواصلون اعتراضهم الحضاري السلمي على الوباء التلمودي الذي يتمثل ‏بتدمير الحجر وقتل البشر وقطع الشجر في طول لبنان وعرضه، بأننا حتى لو اعتدي علينا ‏كمعارضة فاننا لن نرد الاعتداء، فان هذا القول من شأنه ان يغري اصحاب النوايا المبيتة ‏من المتعاونين السياسيين مع العدوان، والذين يواصلون «رسالتهم» لإشاعة الروح الانهزامية في ‏شعبهم، ومحاولة ثنيه عن مواجهة العدو المتربص الذي يعتبر نموذج العيش المشترك قذى في عينيه ‏وتحدياً دائماً له، حتى ولو لم يطلق رصاصة واحدة في مواجهته، ويسعى «يهود الداخل» الذين لا ‏ينتمون في الواقع لاي من العائلات الروحية، فهم غير محتسبين على أي طائفة، فقد خرجوا من ‏انتمائهم حتى الى تراب الوطن، وحتى لو تسلموا مراكز مسؤولية ولها مظاهر سلطوية، فانهم من ‏طائفة ملتحقة بالاشكناز والسفرديم، حتى لو كانوا يحملون اسماء اسلامية ومسيحية، وهم اعداء ‏طوائفهم التي ينتسبون اليها على تذكرة الهوية. فلقد «مسخهم الله» وحل عليهم غضبه، ولن ‏تكتب لهم الهداية حتى لو عوملوا معاملة ملائكية فقد اقاموا عهداً مع الشيطان، ولا نقصد ‏هنا بالشيطان، دولة عظمى من الدول التي اطلق عليها هذا الاسم سياسياً، بل نقصد الشيطان ‏الخناس الذي يمثل النزعة النيرونية الجهنمية، والتي هي اقرب الى مدرسة «عبدة الشيطان» ‏الذين يقدمون الاضاحي البشرية لارضاء «اله الشر» ويعزفون على الغيتار فوق جثثها ‏والذين لا يجدون اللذة والفرح الا على اشلاء الضحايا، وهي ابعد ما تكون عن فلسفة الفرح ‏وحب الحياة السوية، لان الحياة السوية لا يمكن تجريدها من الروحانية التي تمثل عمق الفرح ‏الروحي وليس الفرح البهيمي.. الفرح الذي كان يبشر به كل الذين تذوقوا نعمة الاشراق ‏الالهي في جميع الاديان والعقائد والذين ارادوا ان يرتقوا بالانسان الى اسمى درجات التعالي ‏عن الانانيات والنزعات الوحشية الهمجية التي تمسح الانسان وتحوّله الى عدو لكل نزعة نبيلة.‏‏

واذ نتابع «رحلة الخريف» الواقعة بين الصيف والشتاء التي قام بها الرئيس السنيورة، ‏فاننا نعجب ونتأسف، لانه لا يوجد على الساحة من يحاسب حتى على البديهيات كيف يمكن لرجل ‏مسؤول سواء كان مستمراً في المسؤولية او فاقداً للشرعية ويريد ان يقنع نفسه انه لا يزال ‏مسؤولا: ماذا ينفعه لو جاب العالم كله، ان يلتقي كل قادة العالم من البيت الابيض الى ‏الكرملن «وما بينهما» على حد تعبير رئيس مجلس النواب عندما تحدث عما قامت به اميركا من ‏افغانستان الى العراق وما بينهما، ما دام لا يستطيع ان يلتقى من شعبه الا الهتّافين له ‏والذين يقطعون الطرقات على مواطنيهم في احيائهم والازقة، ماذا ينفعه ان يزور الكرملن ‏والاليزيه والـ10 داونغ ستريت ويصعد الى اعلى منبر في روما او في دبي، ما دام «لم يفطن» حتى ‏الآن ان يزور المدن والقرى المدمرة في وطنه. ونحن نسأله: نريد ان نجاريك بأن اسرائيل التي ‏تهيم بك حباً وعشقاً، ليست مسؤولة عن تدمير بلدنا، وليست قرى ومدن بلدك مدمرة؟ ايا كان ‏الذي دمرها، حتى لو كان «الجن الذين بنوا تدمر» والذين قال فيهم لبيد بن ابي ربيعة:‏‏

‏«وأيس الجن اني قد اذنت لهم‏

يبنون تدمر بالصُّفاح والعمدِ‏

فقد كان الجن اكثر اهتماماً باعادة بناء تدمر التي اشتق اسمها اصلاً من الدمار، حتى اعاد ‏الجن بناءها، ولو لم تنجب تدمر حاكمة بطلة اسمها زنوبيا، لما «كافأها» الجن باعادة ‏بنائها، اما انت «يا فؤاد البلاد»، فانك لم تكلف نفسك عناء تفقد «اطلال الجنوب» الذي ‏انت منه يا ابن عاصمة الجنوب. واذا كان العدو معجباً بك واولمرت يريد ان يجتمع بك، ‏ويعتبر سقوطك «كارثة لاسرائيل»! ولكن اولمرت على وحشيته ضد شعنا وبلدنا.. لم يكف عن ‏تفقد حدود كيانه الغاصب، ولم يدع فرصة الا وزار فيها المواقع التي تعرضت لصواريخ ‏المقاومة وكذلك كان يفعل اي رئيس وزراء جاء قبله عندما يقع اي حادث على الحدود نراه ‏يخف الى مكان الحادث. فهل اكتفيت بين الفينة والفينة بأن تعلن «الافراج» عن بعض المساعدات ‏للمنكوبين الذين اقبل عليهم الصقيع اليس شعور المواطن بأن رئيس حكومته يشاركه شعوره ‏وجدانيا وليس من قبل رفع العتب، وهل ترى ان الجنوبيين والبقاعيين وكل الذين اضيروا ‏بالعدوان، لاعلاقة لك بهم وليواجهوا مصيرهم، ولينالوا «عقابهم» لانهم لا يزالون موالين ‏لقياداتهم التي واجهت العدو مواجهة ميدانية وسياسية، وهل ان الجنوب متروك لقدرات ‏الجنوبيين وماذا كان سيفعل الجنوبيون لو لم تأتهم بعض نفحات الاغاثة من بعض اشقاء قطريين ‏وكويتيين وسعوديين ومساعدات كادت تفرض عليك فرضاً لتقبلها من الايرانيين وعندما «تتبرع» ‏كونداليزا رايس بالحديث عن تخصيص مليار دولار لمساعدة لبنان مع وقف التنفيذ والتلويح ‏ببعض المساعدات المالية للجيش اللبناني، افلا يحق لنا ان نسألها نيابة عنك: لماذا مساعدات ‏مالية للجيش وليس مساعدات بالسلاح، هل لأن اسرائيل لا ترضى بمساعدة جيشنا بالسلاح؟.. ‏ولماذا تقول كوندي التي نالت منك الشكر والعرفان لدرجة القبلات خلال العدوان بأن واشنطن ‏ستنفق مليار دولار لانقاذ حكومتك، هكذا بصريح العبارة، بعد ان اصحت حكومتك فاقدة ‏للشرعية!‏‏

المصدر :صحيفة الديار اللبنانية‏

2006-12-17